النزاعات الداخلية هل تخدم القضية الكوردية


 

لم نجد في المراحل التاريخية التي مرت بها الحركة التحررية الكوردية اية فترة تلاشت فيها النزاعات الداخلية بصورة يمكن عدها المرحلة الاكثر هدوأً والاكثر تماشياً مع الوفاق القومي الكوردي لتكون تلك الفترة نقطة بداية للانطلاق نحو الاهداف التي تعلنها التيارات السياسية الكوردية منذ نشوئها الى وقتنا الحاضر، حيث سنجد ان النزاعات الداخلية سواء بين العشائر الموالية لاطراف خارجية في البداية، او بين القادة السياسيين فيما بعد، او حتى بين الاحزاب والتيارات السياسية الكوردية مستمرة، ولم تتوقف كي يتنفس الشعب قليلاً ويقول ولو في احلامه بان الوقت قد حان لنترك خلافاتنا جانباً ونركز على ما هو اهم للقضية الكوردية.. لان الشعب مدرك اكثر من الساسة المصلحويين ان الفرص احيانا لاتتكرر، وان النزاعات الداخلية هي كانت ولم تزل السبب الاول والاهم في تأخير المساعي الموجودة بين فينة واخرى لتحقيق الهدف الاسمى.

فالنزاعات الداخلية تعتبر بكل انواعها ومراحلها عائقاً واضحاً في تقدم اية مسيرة ، سواء أكانت سياسية أو اقتصادية او اجتماعية او في اي مجال وجانب اخر، فعلى الرغم من ان المتغيرات التي تحدثها هكذا نزاعات وصراعات احيانا قد تخدم القضايا الاعلامية الا انها في كل معياتها تؤخر النهوض والسير نحو الهدف بثبات، وتخلق في حراكاتها الكثير من الفوضى التي احياناً قد تكون خلاقة وفي احيان اخرى تكون هدامة خارجة من كل الاطر الاخلاقية الانسانية والانتمائية..وعلى الرغم من انها في كوردستان قد تعدت المرحلة الاكثر هدماً ” الاقتتال الداخلي” او ما يمكن ان نسميه بالحرب الاهلية الا انها وبدون شك اصبحت من اكبر المعيقات التي تثير بشكل واخر قلق المتابع ، وتجعل اليأس يدخل في قلوب الكثيرين ، لكونها معيقات تظهر في اوقات يتطلع فيه الشعب الكوردي باكمله الى احداث تغيير جذري في مسيرته النضالية من جهة، وفي وتحقيق مطالبه القومية من جهة اخرى.

وعلى الرغم من ان درجات النزعات الداخلية تختلف من مرحلة إلى أخرى. وتتنوع ردود الفعل الرسمية والشعبية تجاه ذلك بين محاولات وقف النزاعات، وحماية وتقوية السلام والتكاتف الداخلي الوطني كي لا تكون المكتسبات الموجودة حالياً مهددة بالزوال والاندثار، الا ان اغلب المحاولات تصطدم بجدار صلب، لايمكن لحد الان خرقة او هدمه كي نتجاوز هذه المرحلة المقلقة والباعثة على اليأس الداخلي.. فالنزعات التي تظهر على السطح هي محكومة بعوامل عديدة، منها ما يمكن ان نعتبرها ناشئة من بنية اطراف النزاع، ومنها ما هو وسيط، ومنها بلاشك ما هو مباشر..وفي كل الحالات يوجد ضحية واحدة ” القضية الشعب” باعتبارهما متلاحمان.

وهذا ما يبدو واضحاً وجلياً قي الوقت الراهن، حيث ان النزاعات الداخلية بين الاطراف السياسية داخل الاقليم في كوردستان تعتبر اكثر النزعات هدماً للقضية، فعلى الرغم من انها لم تصل الى مرحلة اراقة الدماء الا انها تنزف وبصورة واضحة معالم الرؤية الخارجية للداخل الكوردي وترسم ملامح هي في كل اوجهها معيبة ومعيقة للصيرورة التاريخية الكوردية الساعية لاثبات وجهتها في حقها الاستقلالي وحقها السيادي على ارضها وممتلكاتها وحدودها وامكانية خلق كيان كوردي مستقل خارج عن الاطر التبعية الحالية سواء في شرقها او غربها او شمالها او جنوبها، ومع ان المعطيات والتكهنات حول امكانية احداث تغيرات جذرية على الخارطة السياسية للشرق الاوسط واردة الا ان الوضع الكوردي لم يتطور داخلياً كي يكون مواكباً لتلك التطلعات الشعبية الكوردية ولا للتكهنات الخارجية التي تحاول بقصد او دون قصد اثارة الموضوع، ربما كي تحذر من هم ليسوا مع الكيان الكوردي بان الامر بات متداولاً بين الاوساط الدولية.

ان النزاعات الداخلية بالاخص بين الاحزاب السياسية الكوردية بات اشبه بوصمة تخاذل تعيق كل المساعي لايجاد حلول مناسبة لاخراج الكورد من المآسي التي يعيشونها جراء سياسات الحكومات التي تسيطر على اجزاء كوردستان من جهة، وجراء الحروب التي تفرض على الكورد غصباً من جهة اخرى، وكل الحراكات هذه لاتخدم في الاول والاخير الا بعض الاطراف المتسيدة على اجزاء كوردستان المبعثرة، فكلما كان الصف الكوردي الداخلي متنازعاً مفككاً كلما كان الوضع بالنسبة لهم اكثر اماناً واكثر قبولاً، وبعيداً عن نظريات المؤامرة وما يتعلق بها، فان الامر الداخلي وان تحكم فيه الكثير من المعطيات الاقليمية والدولية والسياسية الا انه يمكن تجاوز الكثير من المعيقات وتحويلها الى اداة ضغط دولية كي يفرض الشعب ارادته ولو لمرة واحدة، ولكن فقط اذا استطاع الساسة ان يتحولوا لمرة واحدة في نضالهم الحزبي المصلحوي الى صوت للشعب وللقضية، بحيث يتركوا الخلافات والنزاعات جانباً ويأخذوا مطاليب الشعب بيد واحدة ويتكاتفوا من اجل ايجاد الحلول والصيغ المناسبة التي تتلائم وهذه المرحلة المهمة من تاريخ المنطقة ككل وتاريخ الكورد بشكل خاص.. فالمعطيات والتكهنات قد تخدم المساعي اذا ما توحدت الارادة الكورية في ادارة واحدة.
لهذا لايمكن القول الا… ان النزاعات الداخلية وان بدت كوجه حضاري في صورتها الاعلامية باعتبارها مرحلة مهمة من مراحل التطور السياسي الديمقراطي، الا ان الاخذ بالمعطيات والتعمق في الماهيات، والبحث فيما وراء الموجودات تفرض على الكورد البدء بتصميم طاولة مستديرة يلتم حولها القادة والسياسيين من الاحزاب والتيارات السياسية والفكرية والحزبية لوضع مسار ممغنط لايخرج عن حدود القضية ولايخرج عن مسار الشعب، وان يتم استغلال الوضع الراهن سواء ضمن المساحات الجغرافية المفروضة وفق آليات دولية مسبقة، او ضمن المتغيرات السياسية الدولية بالاخص فيما يتعلق الصراع الامريكي الروسي حول المنطقة، لان هذه النقطة ستعد الاكثر اهمية لتوضيح المتغيرات الاخرى، ولوضع حد للمعيقات الخارجية المتعلقة بالصراع التاريخي الديني الايراني التركي من جهة والصراع السني بكل اطرافه من تركيا والخليج مع الشيعة المتمثلة بالحكومة العلوية والشيعية العراقية وايران المتحدية من جهة اخرى.. فكل هذه الاثنيات المتحانقة قد تتكاتف بلمح البصر على قضية بنظرها مستحيلة، والتاريخ يشهد بان الد الاعداء تكاتفوا حول تلك القضية، ليس ضمن دوائر المؤامرة انما ضمن رؤيتهم الداعية الى الوحدة الوطنية ورفض التقسيمات وفق الاثنيات والقوميات.. وكأنهم يتجاهلون عمداً انهم قبلوا بتلك التقسيمات حين فرض على الكورد التجزئة اللامنطقية وضمن دوائرهم، ولكن لان الامر كان في مصلحتهم لم يكن الرفض والتوافق وقتها ضرورياً.. ولكن الان وبدون مقدمات وللحفاظ بنظرهم على وحدة الاراضي يمكن وضع الخلافات جانباً والاتفاق على اللاتقسيم .. لذا على الساسة الكورد الادراك والفهم والتيقن بان الفرص قد لاتتكرر بهذا الشكل وبهده المعطيات الحالية سواء داخلياً او خارجياً.

لا تعليقات

اترك رد