كيف نجح ترامب في هزيمة قوى الضغط وامبراطوريات الصحافة

 

قبل يوم واحد من الانتخابات الامريكية, كان مراسل القناة السابعة الاسترالية ما زال يكذب بشأن حظوظ المرشحين في الفوز. في تقريره الباهت, ادعى المراسل ان كل الاقليات ,ومن ضمنها النساء, سيصوتون ضد ترامب. بالرغم من ان صور الحاضرين في القاعه التي كان يتحدث فيها ترامب كانت تغص بهذه الاقليات, من نساء ومهاجرين وحتى مسلمات محجبات.

انا شخصيا كنت واثقا من فوز ترامب, اعتمادا على الحقائق وليس التمنيات. وما كان الجنون الذي اظهرته وسائل الاعلام ضد ترامب الا مؤشر اخر ان القوى الخفية التي تدير السياسة في واشنطن كانت تدرك تماما انها في طريقها للخسارة. لهذا تصاعدت الاكاذيب والتجنيات على ترامب في الصحافة الامريكية والعالمية الى حد الادعاء ان حظوظ كلينتون في الفوز كانت تتجاوز 90%.

في تلك اللحظات قفزت الى ذاكرتي كيف سقطت مدينة طرابلس الليبية تحت وابل من الاكاذيب والفبركات عندما بثت قناة الجزيرة واخواتها عن سقوط العاصمة, وقبل اكثر من 24 ساعه من وصول جنود الناتو الى مشارف المدينة. الاستراتيجية كانت بسيطة: اعلان سقوط العاصمة وان قيادة النظام قد هربت بعد ضرب الناتو لكل مراكز القيادة والتحكم مما سيؤدي بالمدافعين عن المدينة لتصديق الاكاذيب وبالتالي الفرار من مواقعهم طلبا للنجاة. وهذا ما حدث بالضبط.

نفس الاستراتيجية التي استخدمت خلال الغزو الامريكي للعراق 2003, حيث اعلنت الجزيرة سقوط بغداد وقبل وصول اي جندي امريكي الى مشارف المدينة.

وهذا ما كانت القوى الخفية التي تحكم الولايات المتحدة تسعى لتحقيقه: اظهار تفوق كلينتون وبالتالي مناصري ترامب سيفقدوا الامل ولن يذهبوا للتصويت. فيخسر ترامب وتربح كلينتون.

وهنا لا بد من التساؤل عن الدروس التي يجب استخلاصها من فوز ترامب والعمل على دراستها والاستفادة منها كل في بلده, حيث ان نفس القوى الخفية هي التي تحكم اكثر من بلد ومن ضمنها استراليا. هذه القوى الخفية التي اوصلت الامور في استراليا الى استعصاء سياسي وغياب اي قيادة سياسية في البلد.

القوى الخفية في معظم الديمقراطيات الغربية ومنها استراليا والتي تعمل حسب مبدأ “فرق واكذب لتبث الاحباط والهزيمة”, عملت على احباط اي محاولات تغيير حقيقية في هذه الديمقراطيات. وبعد ممارسات هذه القوى الخفية من فرض تعتيم اعلامي تام عن قوى التغيير الحقيقية ومهاجمه هذه القوى ومنع حصولها على اي دعم مادي, كل ذلك ادى الى انكفاء هذه القوى بعد شعورها بالاحباط وقلة الحيلة وبالتالي التسليم لقوى الامر الواقع.

والا فكيف يمكن فهم ان اطول رئاسة وزراء في استراليا كانت بقيادة روبرت مينزيس وجون هاورد, وكلاهما يعتبران من اغبى شخصيات سياسية على مستوى العالم. كما ان اقصر رئاسة وزراء كانت بقيادة العظيم جوف ويتلم, الذي غير مجرى التاريخ في استراليا وخلال اقل من 3 سنوات. كل هذا لم يكن ليتم لولا ممارسات القوى الخفية التي تتحكم بمصير استراليا والكثير من دول العالم.

بين اعوام 2013 -2015 كانت الصحافة الاسترالية والعالمية كانت تسعى لاجراء مقابلة او الحصول على تعليق مني, خصوصا بشأن التطرف والارهاب في استراليا وفي الشرق الاوسط. وفي كثير من الاوقات كنت اتهرب بتعمد عدم الرد على الاتصالات, لافاجئ بالصحافيين يطرقون باب منزلي. وكانت تربطني ببعض الصحافيين علاقات صداقة متينة.

كل هذا شجعني للترشح في انتخابات ولاية نيو ساوث ويلز 2015. ومنذ اعلاني لنية الترشح, فوجئت بتعتيم اعلامي كامل عن حملتنا الانتخابية ونشاطاتنا المرافقة. ولم نستطع الحصول على اي تغطية اعلامية, حتى من الاعلام الاثني والمحلي.

حتى القناة السابعة والتي عملت مع صحافييها بشكل مكثف ومتواصل ولصيق, اغلقت قنوات التواصل مع حملتنا الانتخابية. هذا التعتيم الاعلامي اثر على الحملة وعلى قدرتنا على جمع تبرعات وبالتالي فشلنا في الحصول على ما كنا نتوقعه من اصوات.

ذكرت القناة السابعه بالتحديد لاقارن كيف تعاملت هذه القناة مع حملتنا وكيف تعاملت مع المرشحة العنصرية بولين هانسون والمساعدة المجانية التي قدمتها لها خلال الانتخابات الفيديرالية الماضية. القناة السابعه والتي سمحت لبولين هانسون بالظهور المتكرر في اكثر من برنامج مهم على القناة, لم تكتف بذلك بل قامت بدفع اموال طائلة للسيدة هانسون ساعدتها في الفوز بالانتخابات.

القوى الخفية والتي تدير المؤسسات ووسائل الاعلام قدمت بولين هانسون كمثال على قوى التغيير في استراليا لانها تدرك ان بولين لا تملك اي رؤية للتغيير. فهذه الجاهلة والتي استخدمت انتشار العنف والتطرف لنشر العنصرية ومعاداة الاسلام, لم تقم باي عمل بعد انتخابها لمحاربة التطرف والمتطرفين. وقد قمنا بالاتصال معها وبعد انتخابها مباشرة للدخول في نقاشات معمقة عن كيفية توحيد الجهود لمحاربة التطرف, الا اننا لم نتلق اي جواب حتى الان.

التعتيم الاعلامي والهجوم المتواصل علينا خلال انتخابات 2015, لم يكن الاول من نوعه ضدنا. بل اننا نتعرض لنفس الامور ومنذ عام 2007. فمنذ انتخابات 2007 تعرضنا لشتى انواع الهجوم والمضايقات: تعرضنا لعمليات تخريب ممتلكات, تهديدات بالقتل, اعتداءات جسدية ضد الناشطين في حملاتنا وصولا اخيرا الى التامر مع سلطات اجنبية للتضييق على تحركاتنا خارج استراليا واحباط نشاطاتنا خصوصا في منطقة الشرق الاوسط. وبالرغم من كل ذلك, الا ان التعتيم الاعلامي كان شاملا لمنع المعلومات عن الجماهير التي كانت ستصاب بالصعقة اذا عرفت ان السلطات الاسترالية تامرت ضد اقوى صوت ضد التطرف في البلد. الهدف كان واضحا: القوى الخفية كانت تريد ايصالنا الى مرحلة احباط تام من امكانية اي تغيير وبالتالي التخلي عن اي مبادئ اصلاحية.

الجميع كان يعرف ان بولين هانسون لم يكن لديها اي امكانية للنجاح في الانتخابات لولا الدعم الاعلامي والمادي, وخصوصا من القناة السابعه.

في احدى المرات وخلال حديثي مع الوزير العمالي الاسبق لوري فيرجسيون عن صعود نجم حزب الخضر وغيره من الاحزاب الصغيرة قال لي بالحرف الواحد “نحن من سمحنا لهذه القوى بالنشوء والصعود الى حد معين لان الديمقراطية تحتاج الى ديكور يجملها”. وانا اعتقد ان هذا هو السبب الحقيقي لتفضيل القوى الخفية للسماح لحزب بولين هانسون العنصري وحزب الخضر للصعود, بينما يتم وضع كل العراقيل الممكنة امامنا. فنحن اثتبنا للجميع اننا لسنا للبيع ولن نقبل ان نكون مجرد ديكور للديمقراطية المشلولة. هذه الحقيقة التي تاكدت منها القوى الخفية منذ اندلاع الازمة في سوريا حيث اننا كنا القوة السياسية الوحيدة التي وقفت ضد مشروع السي اي ايه في دعم ما يسمى الثورة السورية.

عود على الحديث عن فوز ترامب وحقيقة ان القوى الخفية حاولت باقصى امكانياتها هزيمته: من تعتيم اعلامي عن مواقفه الحقيقية وبث الاكاذيب عنه وتلفيق نتائج كاذبة لاستطلاعات راي مفبركة ومنع اي تبرعات من كبريات الشركات الموالية لهذه القوى الخفية.

اذا كيف فاز ترامب في وجه كل هذه القوى المتنفذة؟

الجواب مركب. فالامكانيات الهائله التي رصدها ترامب من جيبه كانت كفيلة بايصال صوته للجماهير. فميزانية 100 مليون دولار كانت كافية لايصال رسائل ترامب للناخبين بطرق مبتكرة حديثة. فالمئه مليون دولار وظفت عاملين في الحملة, واستغلت وسائل التواصل الاجتماعي المدفوعه الاجر واعلانات مدفوعه الثمن في وسائل الاعلام التقليدية ولاقامة ندوات وتجمعات انتخابية ضخمة.

كما ان تلاقي مصلحه روسيا في منع وصول ادارة معادية لروسيا وحلفائها تقوده كلينتون ادت الى توظيف المعلومات التي حصلت عليها الاستخبارات الروسية عن ممارسات كلينتون الفاسدة والمتعاملة مع الارهابيين وداعميهم في دول الخليج العربي لضرب مصداقية كلينتون وتمكين ترامب للفوز.

اعتقد ان فوز ترامب سيرسل رسالة صادمة للنظام العالمي بان التغيير ممكن. ولكن هذا التغيير يحتاج الى صبر واصرار ودرجة عالية من التنظيم وتجميع اموال تبرعات كافية.

ان ما نشهده الان هو بارقة امل بامكانية تحقيق تغيير حقيقي. ونعتقد ان بذور التغيير قد زرعت واننا لا نحتاج الا الى ادوات للحصاد. هذه الادوات التي يجب ان تعتمد على مواصلة فضح ممارسات القوى الخفية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات التواصل المباشر على الارض.

ولهذا نرى ان القوى الخفية جن جنونها وتمارس الان ارهابا حقيقيا في رفض نتائج الممارسة الديمقراطية في الولايات المتحدة لاجبار رئيس منتخب على التنحي خوفا من تمزيق بلد اخر.

وللكلام بقية…

لا تعليقات

اترك رد