كثـــــــافة في التشريعات ، وضياع للـــــبوصلة


 

سألني صديق متفائل في معرض الحديث عن السقطة الأخلاقية التي يمر بها العالم قال : إذا كان الإنسان قادرا على وضع قوانين ملزمة ، ومتعارف عليها ، ودولية كقانون الطرقات ، ما المانع أن تكون له منظومة أخلاقية كذلك ؟ والحقيقة أن الحديث يقوم على مغالطة ، لأنه حتى مع قانون الطرقات ، الإنسان وضع نظام علامات صارم متعارف عليه ، ولكنه ليس ملزما ، بدليل أننا نخترقه . قيمة هذا السؤال أنه يحث على التفكير في الأخلاق ، ليس بمعناها الفردي كالحديث عن العلاقة بالجسد والطقوس الدينية والمظهر الخارجي … وإنما بمعناها العلائقي كالحديث عن التواصل والحب والكره والتضامن والقتل والسرقة والتواطئ … ويحث على السؤال : لماذا بقيت الإنسانية في الدرك الأسفل رغم مرور آلاف السنين على أولى التشريعات الأخلاقية ؟ هل العيب في المرجع ذاته أو في العجز عن جعله ملزما ؟

إن اللافت في المجتمعات العربية أنها أكثر المجتمعات امتلاكا لمراجع تسن القوانين وتنظم الأخلاق ، تتراوح بين السلطة الدينية كالحلال والحرام ، والسلطة الوضعية وهي ما تجيزه القوانين وما لا تجيزه ، والسلطة الاجتماعية والأعراف : كمفهوم العيب وما يجوز وما لا يجوز ، والسلطة العشائرية وما تبيحه أو لا تبيحه قوانينها الداخلية ، وسلطة العقل مع بعض التحفظ على المصطلح لأنها الأشد ضمورا .و المفارقة أنه مع كثافة المراجع ، يبدو المجتمع العربي من المجتمعات الأكثر خروجا عن الضوابط الأخلاقية ، والمعيار هنا ، أن هذه المراجع جميعا لم تنجح في التحول إلى قوانين داخلية ملزمة للفرد ، فهو يتحيل عليها غالبا ، إذ يمكنه مثلا أن يرتكب ” الفواحش “شرط أن لا تكون مرئية وألاّ يعرف الناس ذلك ، يمكنه أن يخرج عن اللياقة فيرمي الفضلات في عرض الشارع ، شرط ألا ّ يكون في مرمى البصر ، يمكنه أن يرشي ويرتشي ، شرط أن يبقى ذلك طي الكتمان ، ويمكنه أن يتجاوز الضوء الأحمر ، وعلامة قف ، شرط أن لا تكون هناك دورية مرور … وهذا ينسحب على كل مناحي الحياة . وهذه القدرة على اختراق أي قانون مهما كان نوعه ، نجده أقل وطأة في مجتمعات أخرى تحول فيها القانون إلى حافز داخلي يــُمارَس حتى دون وجود الرقابة .
السؤال ملح إذن حول سبب ذلك ، حول ما تقتضيه إنسانيتنا لنكون بشرا سويين . هل يمكن أن تكون كثرة المراجع الأخلاقية قد ارتدت علينا وأضاعت بوصلتنا حتى فقدنا تماما

حس التمييز ؟ هل أن طبيعتها القسرية المفروضة تجعلنا نمارسها غصبا ونتحرر منها متى زالت الرقابة ،خاصة أن الكثير منها ملزم لأنه ديني مثلا ، وليس لأنه منطقي . أليس تحايلنا عليها جميعا مؤشر خطير أننا لا نقتنع بشئ وأننا نحن إلى زمن ما قبل القانون ؟؟؟ أسئلة تحتاج أجوبة ، لا لجلد الذات ولا لمدحها ولكن تروم تشخيص حالة لم يعد ممكنا تجاهلها .

لا تعليقات

اترك رد