من نوبة العشق إلى شيطان الشّعر في ديوان الشاعر عاطف الجندي “مكابدات فتى الجوزاء”


 

تكاد ترتبط أعمال الشاعر عاطف الجندي بالحب والمرأة لتشكّل هذه الأخيرة أساس البناء وقطب الرّحى في تجربته الشّعريّة. لقد بنى لنفسه صرحا أقامه من إحساسه العميق بالجمال. قد يكون الأمر مألوفا متجذّرا في عمق الشّعر العربي : قديمه وحديثه . وقد يكون سار على درب شعراء الغزل وأعلام الرّومانسية في هذه النّظرة الحالمة التي عبقت بها روحه السّاحرة المترنّحة للجمال . وقد تكون سكرة الشّبيبة من رسمت في أعماقه لوحة الحسن الأنثوي تتغلغل في فكره ووجدانه يسعى لاقتناصها في الواقع من خلال تجارب عاشها أو يودّ أن يعيشها فيتخيّلها قبسا ينبعث من قدس أقداس النّفس ، تنير الوجود من حوله يبعثها في شعره كيانا سويّا شكّله بخياله الخصيب نغما يهفو إليه ويخشع ، فتنبثق من أعماقه شعاعا وحلاوة تريه أفراح الحب وأحزانه.. ولكن ورغم كل ذلك وكان ما كان فنحن أمام عاشق عشق المرأة في الشّعر وعشق الشعر في المرأة. إنّها مخلوقه وهو خالقها يبتدعها في لحظة انتشاء ورغبة ، يخلقها من نفسه ، صاغها خياله وأنشأتها أحلامه لتنبعث في الخطاب ربّة على عرش المحبّة .. إنّها أنغام العشق وبوح المدى ، تشدو بها أحلامه على عتبات القوافي لتتشكّل صورة استعاريّة يطلق فيها العنان للحرف فتتعرّى الأبجديّة من ركام الممنوع وتتحرّر من صمت السّنين. وأغنية سماويّة تشيّعه إلى أكوان رومانسية وعوالم روحانيّة يصوّرها بضروب القول المختلفة فيضمّخ أكوابه ويترعها بخمرة نفسه وروحه الحسّاسة حين يتلظّى عليه السّحر ، ويكشف عن انفعالاته ، فيعيد خلق الواقع خلقا جديدا ليلتحم التصوير بخلجات النّفس .. يعتنقها على حين غفلة من عبوديّة الحيرة .. ولكنّه يصلنا من خلالها بذات شاعر مرهقة حد التّلاشي والتّفتّت تختال أنثاه في فراديسه يحييها شعرا فتفنيه صبابة.. يلوذ بفضاء قوافيه يستنفر طقوسه فيخونه ضيق العالم لتنبعث مرارة الهزيمة من مقبرة الحلم فتتحوّل هذه الأنثى صورة للسقوط في هاوية العدم ليظهر بعد كل ذلك رعشة روح مجروحة تنبعث من قصائد مطرزة بالانكسارات والطّعنات .. فرغم إشراقة الفجر وتهاليل الحلم الملوّن وحرارة الدماء التي تتراقص في نبض الفتى نشتمّ من الخطاب رائحة شجن ممزوجة بسيمفونيّة متعبة النّبرات ومجروحة القوافي . إنّه عالمه موسوم بعالمها ولغته مرقونة لرونقها .. ولعل ديوانه “مكابدات فتى الجوزاء” أحد دواوينه التي اختزلت رؤيته في الغزل وتوجهه الفني في طور من أطوار تجربته، حاول فيه أن يحتضن تجربة عاطفيّة قد تكون واقعيّة تترجم حالة من حالات نفسه المتقلّبة، غارقة في ذهول النّفس ووجدها فتغدو بمثابة الإشارات الحيّة التي تلمّسها الشّاعر عندما تأجّج في أعماقه صهد العشق ولهفة الصّبابة .. ليهرق في داخله لهفة الرّوح فيعرج إلى علياء فراديسه النّائية حيث أحلامه الورديّة فيفرغ إلى أنثى عايشها ورتّق بها أحلامه .. ولكنّنا نتعامل مع هذه التّجربة كنموذج انساني دلف إلى طبقات الذات الانسانيّة ، إلى عواطفها ، وأفراحها وأحزانها فيغزو مكامن الوجدان غزوا يزول معه التّقرير الواقعي والتحليل والتفسير الطّبيعيان ، لتتشكّل طبيعة أخرى غارقة في ذهول النفس ووجدها ، ترتفع بفضل اللّغة والخطاب عن آنيتها لتغدو تجربة مطلقة هي تجربة الانسان في الوجود في علاقته بالعاطفة والحب والخير حسب الفهم الظاهر لنصوصه .. فتكون بذلك منبعا لمعتقداته الشّعريّة ورؤاه للوجود والعالم من حوله وهذا ما يحيلنا على علاقة الشّاعر بنفسه ومدى صدقه مع ذاته بفضل ما تكبّده في صياغة فنّيّة حلّق بها في عوالم الإبداع بجناحي الفكر والشّعر.. لتتشكل بمقتضى ذلك فلسفته في الحياة والفن . قد تكون منطلقا لرومانسيّة حالمة تستعيض عن الواقع بفراديس يعرج لها في خياله ليصوغه في شكل أنثى ملكت فؤاده لتظهر بصور مختلفة وأشكال متنوّعة.

إنّه الديوان الحادي عشر بعد دواوين اختزلت مسيرة عشق للغة والشعر..احتضن سبعا وعشرين قصيدة عموديّة تتصل جلها بتجربة ذاتيّة عاطفيّة موثّقة بتواريخ يحاول فيها صاحبها أن يؤرّخ لأطوار هذه التجربة وكأنّها كُتبت لأنثى بعينها. قد يظهر لنا بلبوس تقليديّ من حيث الفكرة والطرح باعتباره يندرج ضمن الشّعر الغزلي أو شعر المرأة وتجربة الشاعر معها . ولكن الطّريف هذا التناغم بين نصوص الديوان الذي يماثل في انتظامه النص السردي بتحوّلاته وديناميّته . فهي تسير في نسق متصاعد يجعل منها تجربة متكاملة وكأنّنا أمام نص قصصيّ حضرت كلّ مقوماته من شخصيّات وهما العاشق والمعشوق وأحداث وهي التّحضير للقاء ثم اللقاء ووصفه إلى العتاب والغيرة.. وكأنّنا بالشّاعر يحكي قصّة عشقه شعرا يتابع تفاصيلها ويوثّقها و ما تحفّظ عنه في الواقع يبوح به فنّا وخطابا . ولكن مهما كانت جذور الحقيقة بيّنة فإنّ عشق اللّغة غلب على كل عشق وما هذه الأنثى سوى وسيلة فنّيّة وقناع يطل من خلالها على الواقع الانساني بكل تناقضاته وتحوّلاته انطلاقا من طبيعة المرأة القابعة في نصوصه . وما شهوة المرأة في الخطاب إلاّ شهوة الاصلاح والجمال لتصبح معه تجربة العشق والحب فكرا وعقيدة .. و أول ما يطالعنا فيه العنوان “مكابدات فتى الجوزاء ” يستفزّنا لقراءته.. يحيّرنا ويبثّ الرّوع فينا بما ينطوي عليه من إيحاء وبلاغة في الصّورة قد تختزل توجّه الشاعر في التّصوير وتفرّده في التّعبير وإن لمسنا البعد الرّومانسي العام الذي وسم نصوص الديوان منذ النصّ الأصغر وهو العنوان إلى النص الأكبر والمتمثّل في القصائد .. فأمّا العنوان فقد ورد مركّبا إضافيّا : المضاف إليه “مكابدات ” وهو جمع “مكابدة ” التي هي مصدر لفعل “كابد” وقد جاء في لسان العرب لابن منظور: “… مكابدة الأمر معاناة مشقّته . وكابدْتَ الأمر إذا قاسيتَ شدّته … الرّجل يُكابِد اللّيل إذا ركِب هولَه وصعوبتَه…وكابَد الأمرَ مُكابَدَةً وكِباداً : قاساه ” بهذا تأخذ المكابدة معنى المشقّة والضّيق والمعاناة .. وورودها في صيغة الجمع إنّما للتأكيد وتعديد المرّات فيها ..وهذا يعني إطلاقيّة معاناة العاشق وتنوّع أسبابها وقسوتها عليه.. وقد تتصل هذه المكابدات بالحالة النفسيّة والشّعوريّة أو بمخاض التّجربة الشّعريّة لحظة البوح وولادة النّص بهذا فالمكابدات هي أقصى ما تصل إليه النّفس النّاطقة وهنا قد نفترض حدثا قادحا لتصل الأمور إلى هذا الحد.. أمّا المضاف “فتى الجوزاء ” فقد ورد بدوره مركّبا إضافيّا: المضاف إليه فتى وقد ورد في لسان العرب :” … فَتِيَ، يفْتَى فتًى فهو فتِيُّ السنّ بيًّن الفَتاء…قال القتيبي : ليس الفَتى بمعنى الشابّ والحدث إنّما هو بمعنى الكامل الجزْل من الرّجال ، يدُلُّكَ على ذلك قول الشّاعر :

إنّ الفتى حمّال كلِّ مُلِمَّـــــــــــةٍ
ليس الفتَــى بِمُنَعِّم الشّبّــــــــــان
بهذا قد يحمل الاسم الصّفة العمريّة والفكريّة والأخلاقية أيضا .. أمّا المضاف “الجوزاء” ويعني اللفظ كما جاء في لسان العرب “نجم يُقال إنّه يعترض في جوز السّماء. والجوزاء : من بروج السّماء …اسم امرأة سُمّيت باسم هذا البرج، قال الرّاعي :

فقُلتُ لأصحابي : هُمُ الحَيُّ فالحقوا بجوزاء في أترابِها عِرس معبدِ
إذن فالجوزاء قد تكون البرج الثالث من الأبراج الاثني عشر من دائرة البروج وهو ما ورد في قاموس المعاني ” أي قوس من دائرة مسار الشّمس رمزها برج من الجهة الشّماليّة للسّماء . تمرّ الشّمس في برج الجوزاء من الواحد والعشرين من شهر مايو إلى الواحد والعشرين من شهر يونيو تكون الشّمس في هذا البرج عند أواخر الرّبيع ” وهذا ما يتوافق مع مولده .. بهذا ففتى الجوزاء قد يُشير إلى الشّاعر الانسان في شخصه وفي تجربته الشّخصيّة وقد يّشير إلى شخصيّته العاطفيّة الفنيّة من أنّه ذلك الفنّان المحًبّ للجمال العاشق للأحلام إنّه اثنان : في الخبر عاشق وفي الخطاب شاعر مفتون بجمال خريدة ويفتننا بمعاريج القصيدة .. يُكلّمنا الشّاعر من وراء قناع عاشق مسحور في المقول وفي القول ساحر.. سيّان عنده الفنّان والإنسان كلاهما يُغنّينا ويطربنا يعزف ألحانه من أجراس المعاني وترجيع المباني .. وما يلفت الانتباه أنّنا لا نجد قصيدة بهذا العنوان في الدّيوان ولا نجد أثرا له كصياغة شاملة لكنّنا قد نعثر على ما يحيل على المعنى فنقف إزاء ما يحيل على الفتوّة في قصيدته “الخطير” :

قولي لهم هذا الوسيم أحبُّــه وأجِلّ فيه براءة الأشعــــــار
متمدّن ، متوحّش ، في قلبـه طفل يشُبُّ لمطلع الأقمـــــــار
مترصّد كلّ الظّباء ، بشعره واختار قافية الندى بــإزاري
كما يقول في موقف آخر :
آمنت أنّك يا فتايَ فتوّتـــي ورقيق همسٍ كالصّـبا لإذاري
أنا ألف قلبٍ يحتويك بدفئه قالت : لأنت رعونتي ووقاري

وقد يخاتلنا بذكر برج الحبيبة وهو برج العذراء كإعلان على نسبة برج الجوزاء لذاته ولعلّه في ذلك من متعلّقاتها وما يشير إليها لأنّنا لا نجد لهذه المرأة إشارة واضحة تدل على صفاتها أو جمالها . كل ما نعثر عليه جملة من المؤشرات التي تحيل عليها ككائن مؤثر في العاشق يفعل فعله فيه . قد يكون ذلك من ضروب التّخفي وكتمان حقيقتها وقد تكون روحه التي تخفق بداخلها هي سرّ جمالها ومن ثمّة نقف إزاء حب عذريّ تظهره صفة البرج الذي يتعلّق بها ومن ثمّة قد يكون برجها الحقيقي وقد تكون تورية طريفة توحي بنظارتها وبكارة التّجربة المتعلّقة بها .

قد تشير هذه المؤشرات إلى العنوان وقد يؤكّد أنّ كل قصيدة تمثّل اعترافا من اعترافاته ومكابدة من مكابداته بهذا فالمكابدة هي أقصى ما تصل إليه النّفس النّاطقة وهنا قد نفترض معنى أو حدثا قادحا اختزله الفعل “كابد” والاسم “فتى” وهو ما قد يخرجنا من تجربة المرأة إلى تجارب أخرى أعمق .. فالفتوّة تتجاوز العشق إلى آفاق الانسان الرّحبة ، فهو حمّال ألوية مكابِد لعلّه صوت الواقع والمجتمع .. بهذا قد تجعل من التّجربة رموزا أوّلا للعاطفة الانسانيّة التي اندحرت مع هزائم الواقع وثانيا للمنشود والحلم بهذا يغدو الجمال ذلك المفقود في الواقع ، واقع القبح والمعاناة . أما اللّذة والوصال إنّما تكمن في تلك الرّغبة في معانقة المستحيل للخروج من دائرة العدم..هو الفلاّح المصري، الفلاّح بما تعنيه الكلمة وما تحمله من انحياز للمبادئ والجمال الطبيعي ، جمال الفراديس العلويّة المفقودة في محيطه الذي يبحث عنه في عيون هذه البهيّة.. لعلّها غادة شريدة ابتدعها خياله الخصب فأوجدها الواقع كيانا مجسّدا أمامه فهل اختارها أم خياله من صوّرها بشرا سويّا ؟ مهما كان لها وجودا في الواقع وجذورا في أعماق فتى الجوزاء فهي من الشّعر وإلى الشّعر.. فهل هذه المكابدات هي مكابدات الحب والعشق أم مكابدات أخرى تتخفّى وراء هذا الوجود الأنثوي القابع في أحلامه البعيدة ؟ ما حقيقة هذه الأنثى وكيف شكّلها الخطاب؟

ما يلفت الانتباه في الدّيوان أن تجربة شاعرنا قد تكون رومانسيّة في منطلقها .. أليس هو ذلك الرّومانسي الثّائر أمير الغزل وراهب العشق كما أطلق عليه أصدقاؤه.. ولكنّها فلسفته في الشّعر فحين يعشق يتوه بخياله وأحلامه.. ولكن أي عشق ؟ إنّه عشق يسقيه الهوى العذريّ فنتساءل هل هو عشق المرأة أم عشق القصيدة ؟ لعلّه عشق المرأة بالشّعر وعشق الشّعر في المرأة .. تكاد تتأرجح قصائد الدّيوان بين الذات الشاعرة المهمومة المنهكة والذات المعشوقة التي يهيم بوجدها ويناجي روحها . ينشئها تراتيل تتضوّع على نسمات الوجود يلوّنها بألوان الأحلام يسجّل عواطفه بقلب مكتوٍ وفؤاد ملتاع فيصوّر الحب الجارف القويّ ومكابداته للألم واللّوعة فيعترف بلظاه عنوة اعترافا صاخبا وبوحا باذخا بلذّة الهيام تستسلم فيه اللّغة لتولّد من عشقها عشقا . يُنشئ الصورة على الصّورة ويولّد من الايقاع أنغام ذاته وكأنّه بهذا التّحليق في سماء الأنثى يعثر على حرّيته في خلقه وفهمه وفقا لنوازعه الرّوحيّة .. يعانق الجمال بقلبه ووجدانه وشاعريّته إنّها قصيدته السّحريّة التي أقام في ظلّها حين ظلّلها بظلّه .. بسعادة تؤمن بها نفسه .. ينسج عليها الرّؤيا الذّاتيّة الحرّة في خلق أنثى هي ليست كيانا متجسّدا في المكان بقدر ماهي فكرة ونموذج لأنّها مخلوقة من أمشاج وأخلاط بين الحلم والرّؤيا .. إنّها صورة للوجود .. قد تكون هذه الصورة النّابضة بالحبّ والجمال صورة للقبح الموجود وفاجعة مأساته في الواقع يعلن من خلالها أنّ الواقع زائف قاصر فاجر يفجعه ويهتك حرمة الجمال فيه .. إنّه عالمه ، كوكبه السّحري النّائي أكثر سعادة من الواقع ومؤدّى ذلك أنّ الشّاعر ليس معنيّا بأشياء الخيال في الأرض بل مهووس بفكرة قد تكون فلسفته في الوجود ، رومانسيّته الحادّة ، وتحليق خياله في آماد حلمه البعيدة يصدح بها كالبلبل الغرّيد الذي يجيد الغناء ولا يعرف حدودا لذلك ، كلّما استقرّت في ذهنه حالة العشق تمرّد وجاهر بحبّه ، تتراءى له حالات تتشكّل في الغياب كالأحلام يرغب في أن يعانق في الغيب المرأة – الحياة التي لا تعدو أن تكون حلما من أحلامه جسّدها عبر نصوص تكاد تختزل كل تلك الحالات الكونيّة التي تتقمّصها الذّات في لحظات مختلفة من وجوده .. فتبدو بذلك – ورغم ما يظهر في تجربة الديّوان من واقعيّة-كونيّة لها قدرة سحريّة على التّحليق بالشّاعر وانتشاله من حواسّه للارتقاء به إلى مُدىً بعيدة ممكنة شعريّا في لحظة تخييل مجنونة لم نعد ندرك فيها حقيقة اللحظة . هل لحظة الخريدة أم لحظة القصيدة ؟ .. هنا قد يلتئم المعنى والقول بأن المرأة قصيدة جميلة .. نعم هي قصيدة صامتة تحتاج إلى من يغازل أسرارها ،ويستكنه أعماقها ، ويكشف دياجيرها المشحونة بالإثارة والجنون .. ولكنّه جنون لا يتجرّأ عليه إلاّ من كان بدوره مجنونا .. جنونه في تلك المجازفة في البوح والإسراف فيه حد التّمرّد . يجاوب الصّدى ويصادر المسكوت عنه في أعماقنا ..هذا المسكوت عنه الذي أشار إليه في نهاية الدّيوان تلميحا وتصريحا :

وشرّ الأمر أن تلقى بـــــأرضٍ عجيب الفعل في إنس وجـان
بأن يرميك شرّ النّـــاس زورا وترميك العواهر أنــــــت زانِ
(شر الأمر ص85)
هو العائق أمام الحب وكأنّنا بالشاعر يرد الاعتبار للحب والعاطفة فيستنطق صوت الحكمة عبر هجاء الواقع العقيم الهجين . فيتحوّل الحب إلى مادة للتّأمل في قدر الأشياء وقدر الوجود من حوله ، حين يرتبط بفجيعة الواقع والرؤى الضيقة والمحنّطة ، وهذا يجعله يتمرّس بالحياة وينفذ ارادتها فيشدّ عنان أحلامه ويواجه بالحب. بكل ذلك ..فقد وضعنا شاعرنا أمام محبوبة سلّطها على سلطة رقيب غائبة – حاضرة.. في حضورها غياب وفي غيابها حضور هي غائبة يستحضرها بشوقه وحنينه.. فلا نكاد نقف لها على صفة ولا اسم كل ما يشير إليها أنّها من برج العذراء:

لها العذراء برج فــــــاض شكّـــا وأدمى مهجتي ورمى بيانـــي
وحيّرني أنا الجــــــــــوزاء فيــها أحقّا تبتغي ضـــوء التّدانـــي؟
( برج العذراء ص 68)

حضورها في فاعليّتها فيه . هي ذات مؤثّرة فيه عشقا وشعرا يهيم فيها صبابة ويذوب في غرامها ، يزور طيفها غيماته :
كيف الهروب وأنت في ذرّاتــي؟ إن قلت حبّ جئت يا مولاتــــــي
وجلستِ فوق البوح دافئة كمـــــا صهد الغرام يذيب في أناتـــــي
مثل الصّباح أكون أجمل عاشـــق إن زار طيفك بالهوى غيماتي
فتفجّرت مسكا يذوب صبابـــــة يحيي الموات بقسوة الفلـــوات
(كيف الهروب ص 49-50)

ويتعلّق بميعادها .. ففي وصلها حياة وسعادة وفي بعدها موت وفناء حين يعزف الحنين ألحانه على أمواج العشق ، تتطاير شظايا ألوان تُصارع الفناء :

أمرّن نفسي على البعد عنــــكِ وأبكي كثيرا لمسِّ اللــــــــــهبْ
أمرّن نفسي بموت بطـــــــــيء وما الصّبر إلاّ افتعال الخــــطبْ
(تمرين الموت ص51-52)

بهذا فجل قصائد الديوان ترتبط بذاته الشاعرة المهمومة والمتوتّرة يسجّل فيها عواطفه تجاه حبيبته بقلبه الملتاع وفؤاده المكتوي بصهد الوجد ونار الصّبابة .. قد يذكّرنا بالغزل العفيف الجارف ومكابدة أصحابه لأوجاع الهجر والنأي.. ولكن اللقاء متوفّر ولم يعد معرقلا للعلاقة الغراميّة في زمن الشاعر الجندي.. بهذا فقد تكون هذه المشاعر والأحاسيس أعنف من المكان والزمان وأقوى من اللغة هو عاشق للأبجدية التي قد تشفق على جنونه في أن تستقر في جوفه المحبّ فيوسم بالتمرّد والعنف. لتنطلق عنيفة تعبّر عن سلوك العاشق المتشبّع بالانفعال والتّوتر والبوح الحارق متحدّيا كل الحدود.

وفي غيابها حضور باعتبارها قادح الخطاب الشعري ومنبع الابداع فيه . فهي القصيدة وهي خطابُها الذي قُدّ من أحاسيس ومشاعر مثّلت هي منطلقه. لتتشكّل ألوانا تثمل من يد فنّان عشق الخلود وراود السّحر.. فالوجود سرابٌ .. ودخان يقاتل الافك و يصارع العدم لتكون اللّغة الشّعريّة سلاحه الذي يواجه به الانكسارات ، ليخلق الجمال في زمن القبح ويشيّد خلود الحب في زمن الكره .. هو يستحضرها أحلاما ورؤى حين يستبدّ به الحنين الفاجر للمثل العليا في زمن التيه .. يحلّق في فضاء أنثى ليعثر على حرّيته في خلقه وفقا لنوازعه الرّوحيّة.. فيعانق الجمال بقلبه ونبضه لتكون هذه الأنثى قصيدته السّحريّة التي أقام في ظلّها حين ظلّلها بظلّه .. يخلقها وتخلقه . تخلق سعادةً تؤمن بها نفسه ولو على سبيل الافتراض والتّخييل ، بهذا تصبح القصائد رؤى مكتسية بغلالة الحلم والشّوق والايحاء .. لقد أغرق الشاعر في الحديث عن ذاته ولكنها فلسفته . يخاتلنا بها يسعى من خلالها إلى الكشف عن عوالم سرّية في النفس وعلاقتها بالمسكوت عنه القيمي الذي يطارد العاطفة بالعقل والموروث في ظل المحرمات والممنوع .. ولعلّ شاعرنا حين غمرته نشوة الحب جعله ترميزا وإشارة للعالم الخارجي الذي بدا حاضرا في ذهنه وفكره . فالمرأة رغم ملامح الواقع فيها هي الشّعر والقصيدة:

فلولا أنت لم أحفل بقافيــــــــــة ولا نغما يُصاغ لمطلع الفستـــــــــــقْ
فأنت الشّعر والإلهام والنّجــوى وأنت النسمة المهداة للمشــــــــــــرقْ

وهي الوطن :
وطنٌ تراكِ سيحتوي قمر الندى أم أنتِ نار تحتفي بربيعــــــــــــــــــــــي
(وطن ص 18)

وهي الجمال الأبدي والحب :
أيا عطر النساء بكل عصــــــرٍ وأجمل قصّة بين الأغانـــــــــــــــــــــي
وقفتِ على بساطٍ من شعـــــور وقدّمت ابتساما كالجمــــــــــــــــــــــــان
ملاكا قد رمى سهما بقلبــــــي فكيف أصاب في القلب المعانـــــــــــي ؟
(ليس يبلى ص 36)

وهذا ما يجعل من السّياق عملا تخييليّا -مهما كانت له جذور في الواقع- نلمسه عبر ديناميّة داخلية قد ندركها من خلال علاقة القصائد ببعضها البعض . تنطلق مناجاة وشكوى ورغبة في التجلّي والانصهار لتنتهي صلاة وتبتّلا في القصيدة الأخيرة “من ذا سواك ” . حين يتحوّل العشق إلى عشق مقدس وعمل صلاة :

أختار وجهك فرقدا بسمـــــــائي يا نفحة بالطيب في العليــــــــــــــاء
فتّشت في كل الوجوه عن الذي يسمو بشعري ، في ربا الجــــــوزاء
ما غير سمتك شدّني نحو العلا واختصّني بسماحة النبــــــــــــــــلاء
(من لي سواك ص 86)
بهذا يتقاطع العشق الدنيوي بعشق آخر ميتافيزقي صوفي وكأن تجربة العاشق إنّما لمعشوق ليس كالعشّاق .. معشوق معبود وعشقه عبادة وصلاة .. وعاشقه جثا في محرابه يصلّي .. لعلّها رغبة في اختراق الواقع من رحم الشعر برؤيا عاشقة لامتلاك الأشياء واستيعاب الوجود . كل ذلك في سبيل ارضاء ذات قلقة مهزومة بفجور الواقع ، وجد في الأبجديّة عشقا وفي الحب أحلاما . وكأنّه بهما يعيد تشكيل الواقع وفق فلسفته الخاصّة وتفاعله مع الوجود .. لعلّها رؤية “شهرياريّة ” تتراءى لنا من خلاله صورة انسان عشق النساء ولكنه في الحقيقة ليس إلاّ عشق الحياة والغيرة عليها .. في إطار رغبة في إعادة بناء سيكولوجيّة الذات . وهذا ما يجعل اللحظة الشّعريّة محاولة واعية لإعادة ترتيب هذا التفاعل الكيميائي داخل اللاّشعور ، وحبكه في قالب فنّي صوري وسيكولوجي يمكّنه من التّذاوت مع العالم وإعادة خلقه من جديد . للظفر بلحظة عشق تملك عليه ذاته.. بهذا فالقصيدة الأخيرة كأنّها هدنة يعلنها في حرب العشق ونار الصبابة ليتقوّت من ميتافيزيقاه . أو لعلّها نشوة روحيّة غامرة ملكت عليه الفؤاد فغدا ضربا من الذوبان في الآخر المعشوق وخشوع للمعبود الواحد الأحد.. فتتحول بذلك نصوص الديوان لتكون بمثابة موجات روحيّة لملامسة التعالي . تنطلق من الواقع إلى الحلول فى المطلق . فتعرج الذات الشاعرة إلى عوالم السرمد لتحل في أوج إشراقها . فتكون الحبيبة بمثابة الجسد القناعي الذي يروم عبره الوصول إلى الخلاص ، فيه يعترف بسلطة العشق ويغترف من صهد الصبابة . إنّه يمزج بين التّجربة الصّوفيّة والشّعريّة . فالصّوفيّة هي محاولة الصّعود بالعالم إلى الله . لكن الشاعر عمل على التوسّل بالقيم الالهية كالحب والخير والحق :

يا من قدمتَ إلى البسيطة ناشرا أملا لكون ضاع في الأهـواء
من لي سواكَ وأنت أكرم شافع ومشفع في هبّة الأنـــــــــواء
فأنا أحبّك فوق ما كتبت يــدي أو صاغ حُسنك ثُلّة الشّعراء
(من لي سواك ص 87-ص91)

هي قيم يفتقدها في الواقع.. والحب هو الالهام و الابداع الذي يؤدّي إلى صفاء الذّهن والفكر. بهذا نردّد : هو لا يكتب لأجل امرأة بذاتها هو يكتب لأجل الحب ، والحب هو الشعر والشعر هو الحب .. هي أقانيم متداخلة ولكنّها فلسفتُه . عبّر عنها من خلال خطاب قد يكون مألوفا ولا جديد فيه ولكن الدينامية التي تحكم بناءه هو ما يولّد الطرافة.. فعلى مستوى البناء بدت قصائد الديوان كلها في العمود الشعري التزم فيها بثنائيّة الصدر والعجز ولعلّها قناعة شعريّة آمن بها ، وكأنّه بذلك يُحيي الغزل ويرد اعتباره بهذا الارتداد إلى الشكل التقليدي بعيدا عن التكلّف والغموض . هذا إضافة إلى التزامه بالوزن والقافية الموحّدة كمبدأ وسنة من سنن الشعر الكلاسيكي.. قد يكون ذوقه ، وقد تكون قناعاته الشعرية. وما يلفت الانتباه أنه التزم ببحور خفيفة في الغالب مثل المتقارب (لا تهربي ، تمرين الموت، لماذا أيضا…) البحر الوافر( اليقين ، لا تغاري …) البحر الكامل ( الخطير، شاي بالنعناع..) وهي في أغلبها بحور خفيفة غنائيّة تتميّز بفردانية التفعيلة ، مما يجعل الإيقاع يسير في نسق موسيقيّ واحد هو نسق الشّكوى والتّبتّل . وهذا ما يولّد ضربا من التّناغم الصوتي ومن التوازي في البنى والصيغ يُحدث تجانسا صوتيا يكون عنصرا بيانيّا لشعريّة النصوص . وعندما نتحدّث عن الوزن فلن نلتزم بالإيقاع الخارجي المتولّد من البحور الشّعريّة . قد نهتم أيضا بالرّوي وحركة المُجرى وبأصواتها لأنه ليس اعتباطيّا أن يختار الشاعر صوتا دون آخر أو يعتمد على قافية مطلقة دون المقيّدة أو العكس.. الشعر كيان لغوي وعلامي .. دال ومدلول.. كل ما فيه من آليات متورّط في صياغة المعنى.. إذن فمسألة الوزن صورة ذهنيّة محقّقة من ضروب إيقاعيّة مشتركة تقترن بالإيقاع الخارجي وتعاضده هذا الذي الذي يمكن أن يكون جاهزا قبل النص . وأما الرويّ فما لاحظناه حضور حروف معيّنة استأثرت بالنّصيب الأوفر في إيقاع القافية وأكثرها حرف “النون” (خمس قصائد)، حروف” الهاء” و “الرّاء” و “اللاّم” (كل له أربع قصائد ) و”القاف” و”الدال” و”الباء” (ثلاث قصائد) في أغلبها تعبر عن حالة الشاعر النفسية ففي النون غنة كلوعة الصّادي ، وفي الهاء آهات كزفير الوجد ، وفي القاف قلقلة كاختناق المحتضر،وفي الدال دويّ كروحه الثائرة .. كل من شأنه أن يكشف الحالة الانفعالية للمتكلّم وحالته النفسيّة. وهذا يتناغم والأسلوب الخطابي الذي حضر في النصوص حيث بدت في أغلبها خطب مباشرة سواء من حيث طبيعة الخطاب التّأثيري أو التعبيري إضافة إلى الأسلوب الإنشائي الذي حضر بكثافة عبر جملة من الأعمال اللّغوية التي أضفت عليه نسقا موسيقيّا ودعّمت الإيقاع الدّاخلي في الديوان .. وهذا ما يولّد تناغما بين إيقاع الصوت وإيقاع الصّورة . هذه الصّورة المتولّدة في أغلبها من التّركيب والخطاب المباشر الذي يهيّء القارئ للشكوى ثم الصلاة والتّبتّل ..هذا فضلا على ما نلمسه من طرافة في طريقة تشكيل الصورة التي تنتمي إلى مرحعيّات مختلفة ربّما المنهج والمسار الذي نسيّر فيه دراستنا لا يترك لنا المجال للتعمق ولكن جملة المرجعيات وطرائق التشكيل جعلت الصورة عند الجندي في هذا الديوان بسيطة في ظاهرها ولكن عندما نغور في أعماقها تتراءى لنا صنعة وجمال . وهذا مؤشّر لفضل الخيال ورؤية الشاعر له.. هو خيال إمكاني يرسم صورة عبر الانشاء هي صورة نفسيّة سيكولوجيّة تتوغّل في جوّانية الذات ، ندرك من خلالها قولا متخيَّلا يتجاوز التشبيه والاستعارة وظواهر البلاغة والبيان إلى أحوال القول ليلتحم التصوير بالتّعبير.. إنه تصوير ألوان الحياة من سبيل الاحساس بها في أعماق القلب وتمريرها عبر تقلبات الأفكار وخلجات النّفس ، منهج يخالف فيه التعبير عنه باللّغة عن منهج المحاكاة أو الوصف ليعمّق الانفعال ويؤجّج المشاعر وهو ما جعل منه قولا شعريّا متخيّلا . إنّه تصوير بالتعبير المباشر ، قد لا يكتسب قوته التخييليّة إلاّ إذا ارتبط بأشجان القلب ونفخ فيه الشاعر من أفكاره و روحه المنهوكة عشقا . بهذا فعمل القول الشعري إنّما هو إنجاز للشّعور والأحاسيس ، وتعبير عن انفعالات الذّات باللّغة وهذا رهين قوّة العمل القولي الذي ينفخ الحياة في الأشياء .إنّه ينشئ بهذه الأعمال عالمه الشّعري فقد حضر الاستفهام بكثافة في عناوين القصائد (و من غير التي أهوى؟ ،لماذا ؟، كيف الهروب ؟،من أين يأتي الشّعر ؟ من ذا سواك ؟ ..) أو في المتون :

طفق السهد وفي عينيّ انسكــــب فرحم غراما يحتويك بلا سبب
هل من جمال شدّه ، أم كانــــت ال عينان جسرا للنّدى ، أو للهب ؟
ما بال عينيك احتواء ضمّنــــــــــي أم نجمتان تضوئان كما الشّهب ؟
(اللقاء المرتقب ص 24)

كما حضر كل من الأمر والنّهي حتى أنّها تكاد لا تخلو قصيدة منهما في العناوين (خذيني إليك ، لا تغاري ، لا تهربي ، لا توقظي العنقاء ..) كما حضر عمل النّداء وقد اقترن بتنبيه المعشوق واستحضاره عبر الخطاب :
أيا نسمات أشرعتــــــــــــــــ ويادمعي الذي يُغـــــــــــــــــرقْ
ويا مجدافَ بحر الصّـــــــــــ يا شطّي الذي أشـــــــــــــــــرقْ
ويا ميناء أشجانـــــــــــــــــي وميلاد الهوى الأصـــــــــــــدقْ
أعيدي وجه إصباحـــــــــــــي وزيحي حزني المطبـــــــــــــــقْ
أيا أنشودتي في البــــــــــــوح يا سرّي الذي ينطــــــــــــــــــق ْ
أحبّك مثلما تبغيــــــــــــــــــن يا حلما بنا أبـــــــــــــــــــــــرقْ
ويا بحرا من الأشعــــــــــــــار في ترنيمة الــــــــــــــــــزّورقْ
( إلى شاعرة ص32-33)

وهذا الحضور للإنشاء يكرّس عمل المناجاة والتبتّل ينشئ صلوات لا يُخبر عنها وإنّما ينجزها إنجازا فيتحوّل النّص إلى خلجات لا تنقل واقعا ولا تتشبّه بواقع وإنّما تنشئ عوالم سحريّة بأقاويل شعريّة يكسّر بها أطواق الدّنيا المحجّبة لتغنّي له الأحلام والحبّ والوجود .. بهذا يتلوّن المعنى ويكشف عن انفعالات الشّاعر المترعة بروحه الحسّاسة ..وينضاف هذا التّشكيل الأسلوبي تشكيلا آخر هو التشكيل البياني والرّمزي الذي احتكم بدوره إلى الخيال حين يخترع الصّورة هو تخيّل استرجاعي ينشدّ إلى فعل التّذكّر للصّورة في الماضي ثم ينفتح من خلالها على المحتمل والحلم لتنبجس صورا هي بمثابة الرّؤيا الدّاخليّة التي تنفتح على المستقبل والحلم :

لا توقظي العنقاء من نسيانــــــــها فلكم بكت في حتفها العنقــــــاءُ
في صهد نيران المواجع تختفـــي والحبُّ يُحرق ، والزّمان غطاء
لا تبعثيها من رماد مواتـــــــــــها فلربّما لا يشفع الإحيـــــــــــــاء
لا توقظي النّيران ، بعضُ تحمّلـي موتٌ وشيكٌ والدّمــــــــوع رداء
قد يترك الجرحُ الأليم هواجــــسا يبري ولا تبري بها الأصـــــداء
( لا توقظي العنقاء ص 79)

هنا تتشكّل الصّورة الشّعريّة عبر الرّمز الأسطوري . وهذا من شأنه أن يكشف اختيارات الشّاعر المتنوّعة في التّعامل مع التّصوير الفنيّ حين راوح بين الصّورة البسيطة القائمة على المقاربة في التّشبيه والمناسبة في الاستعارة:
ما أنت إلاّ شمس عمرٍ أشرقتْ بعد انسكاب اللّيل فوق المقلـــــــة
فأعدتِ نورا لا يضيع ودهشـةً حوت الفؤاد وبدلتْ في الدقـــــــة
فأنا الغريق ببحرهن وأرتجــي شهد الرضاب بصهد جوع الرّغبة
( أنا الغريق ص82)

لعلّنا بهذا التّنويع للصّورة الشعريّة في ديوان “مكابدات فتى الجوزاء” نقف مرّة أخرى أن جنون اللّحظة الشّعرية هي من تحدّد آليّة التعبير. ولا يهم ضمن أي إطار تندرج بقدر ما يهمّه قدرتها على التعبير وترجمة الأحاسيس الداخليّة ليجعل من نصوصه مساحة فسيحة تتحرّك فيها الذات ، تنقل هواجسها الفكريّة والعاطفيّة وانفعالاتها .. ليعوّل على شكل كلاسيكي من حيث البناء الخارجي والتصوير على السّواء.لعلّها فلسفته الشّعرية التي تؤمن بأنه ليس أطرف من جِدّة القديم بعبارة أستاذنا محمود المسعدي . وبلوغ اللحظة التّشوُّفيّة تشترط العودة إلى التراث لا من أجل تكراره بل من مساءلته والاستئناس به في التّعبير عن التجربة العاطفيّة والشّعريّة على السواء .. إنّها تجربة الشاعر “عاطف الجندي” ورؤاه الفكريّة واختياراته الفنّيّة قد تختلف عمّا جاء في دواوينه الأخرى ولكنّها تمثّله وتطبع مساره الشّعري من حيث رؤيته للمرأة أوّلا ومن حيث اختياراته الفنيّة ثانيا .هو شاعر يُعارض بين الحب والشعر أحدهما يُذِلُّ والثّاني يدُلُّ .. الشّعر فسحته حين يضيق الوجود وملجأ له من يأسه ومعاناته في الحبّ .كلاهما أطلق العنان لروحه وأطلق نشيدها للفرح .. فعاطف الجندي هو شاعر الحب والغزل نقل التّجربة كما هي ، لذا فتجربته ليست تجربة عنيدة يستميت فيها من أجل خلق فني بل هي عواطف يلتقطها بنبض صادق يعبّر عنها بأسلوبه الخاص وبالصّورة النّافذة والرّؤيا العاشقة لامتلاك الأشياء على حد تعبير أدونيس . بهذا فتجربته الشعريّة في هذا الديوان حاول من خلالها أن يستنطق المخبوء في دهاليز الوجدان. إنّه تعبير عن تركيبة نفسية نابعة من تفاعل الذّات مع الموضوع في أفق فلسفي نفسيّ فيه في إعادة بناء سيكولوجيّة ذّات فنان شاعر .مما يجعل من اللّحظة الشّعريّة محاولة واعية لإعادة ترتيب الواقع داخل اللاّشعور وجعله في قالب صوري تنفلت معه جملة المعاني اللاّشعوريّة من رقابة الوعي إلى فضاء الصّورة قصد طبعها بطابع الصّدق فكيف ستكون تجاربه في بقية دواوينه ؟

لا تعليقات

اترك رد