الأمل.. في الطريق إلى لياج!


 

لا أدري كيف وجدتُ نفسي في مدينة سوون Suwon الكورية، وأنا أستعيد قصيدة الشاعر أحمد رامي التي غنّتها كوكب الشرق أم كلثوم، لأدندن بها في ذلك الجوّ الخريفي المنعش:
“بالأمل أسهر ليالي / في الخيال/ وابني علالي/واجعلك فيها نديمي/ واملكك ليلي ويومي”

قد تكون تلك الاستعادة اللاّشعورية، جاءت بوحي من عنوان المنتدى العالمي للإنسانيات WHC الموسوم بالأمل “The Humanities of Hope”، والذي يعقد جلسة تحضيرية له وطاولة مستديرة في كوريا، تمهيداً لالتئامه في مدينة لياج Leige (البلجيكية) في أغسطس (آب) العام 2017.
المنتدى الذي تنظمه منظمة اليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، سيحضره أكثر من 1800 مشارك من مختلف أنحاء العالم، من العاملين في مجالات العلوم والسياسة والفن والاتصال وفروع الإنسانيات المختلفة، وأيضاً العديد من المنظمات الدولية، الحكومية وغير الحكومية. وقد نُظّمت تحضيراً لذلك، الطاولة المستديرة في مدينة س
وون Suwon الكورية، وعنوانها: “الطريق إلى لياج Leige”، كما سيُنظّم عدد من الفعاليات الإقليمية، وصولاً إلى المنتدى العام الرابع، منها مؤتمر إقليمي في لبنان (بيبلوس) ومؤتمر إقليمي آخر في جمهورية مالي (باماكو) ومؤتمر ما قبل لياج في باريس، يضمّ خلاصات المؤتمرات التحضيرية الإقليمية.
الأمل هو المظلّة الكبرى للقاء سوون، فهل نحن محكومون بالأمل على حد تعبير المسرحي السوري سعد الله ونّوس، الذي قاوم مرض السرطان بالأمل، مثلما كان عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد يدرك أن إحدى وسائل العلاج هو بعث الأمل، فلا أمل حقيقياً إلاّ بالأمن الروحي والنفسي للإنسان، ولذلك جعله موازياً للكرامة الإنسانية، ولا كرامة حقيقية بانعدام الأمن، وسيتحوّل الأمن إلى نوع من الاستبداد والتسلّط بغياب الكرامة.

والحق في الأمل بعد حق الحياة يتقدّم على بقية الحقوق، الأمر الذي يحتاج إلى تنمية عوامل الجمال والإحساس به وتمثّله وجعله عنصراً ملازماً لحياتنا وحقوقنا الثقافية والإنسانية. ولكن دعنا نتساءل: ماذا يعني الأمل؟ وهل الأمل حق؟ وهل يحتاج إلى تنظيم فعاليات وأنشطة دولية له؟ أسئلة وإشكاليات كنت قد طرحتها في وقت سابق، خصوصاً ارتباط ذلك بالسعادة والجمال والتسامح.

ولعلّ تلك الأسئلة، بقدر ما هي بسيطة، فهي معقّدة، لأنها تتعلّق بجوهر ومحتوى الفلسفات والأديان والنظريات، التي تزعم جميعها أن هدفها هو وصول الإنسان إلى السّعادة، علماً أن حاجات الإنسان المادية والروحية لا حدود لها ولا ضفاف، لأنها حاجات متواصلة ومتطوّرة ومتخالقة، ارتباطاً بتطوّر الإنسان، وتقدّم العلوم والاكتشافات، فما بالك حين نكون أمام الطور الجديد من الثورة العلمية – التقنية الهائلة، ولا سيّما ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والطفرة الرقمية “الديجيتيل”.
وإذا كانت علوم الإنسانيات قد انحسرت وهُمّشت، وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية، فإنها اليوم لكي تحقق حضوراً ودوراً جديدين ينبغي أن تعود إلى الفضاء العمومي، إضافة إلى السياسات المتعلّقة بالعلم، وهو ما كانت عليه في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين.
يستهدف المنتدى العالمي للإنسانيات، بلورة تفكير شامل بخصوص الإنسانيات ودورها في عالم متعدّد المراكز والثقافات، يأخذ بنظر الاعتبار الخصوصيات الثقافية لكل مجتمع، لكنه يبحث عن سبل تحقّق المشترك الإنساني، وهو الهدف الذي يريد الوصول إليه في عدد من الحقول الإنسانية، وهكذا سيكون معنياً على سبيل المثال، لا الحصر بـالتزايد السكاني، وموجات الهجرة العالمية ومتطلّبات الطاقة والبيئة، والهويّات في سياق العولمة، والعالم الرقمي أو الطفرة الرقمية “الديجيتيل” وغيرها، وسيتعاون على تنظيمه، إضافة إلى اليونيسكو، المجلس الدولي للفلسفة والعلوم CIPSH و”لياج معاً” Liege Together.

وبقدر ما يجمع المنطقة العربية مع العالم من مشتركات، فإن لها خصوصيات وتحدّيات ينبغي إبرازها، لا سيّما فيما يتعلّق بالمواطنة والمساواة وحقوق المجاميع الثقافية وقضايا التنمية والحداثة والتواؤم والتعارض مع المجتمع الدولي، إضافة إلى قضايا السلام والأمن ومواجهة العدوان والاحتلال، ناهيك عن الإرهاب والتطرّف.

وقد تولى المركز الدولي لعلوم الإنسان (لبنان) وبالتعاون مع اليونيسكو سلسلة المشاورات في المنطقة العربية تحضيراً للمؤتمر، وشارك بفعالية في الأعمال التحضيرية وآخرها الطاولة المستديرة في سوون، وقدّم عدّة اقتراحات لتعزيز “ثقافة الأمل”، من بينها نشر وتعميم قيم التسامح واللاّعنف، ولا سيّما في المناهج التربوية، التي ينبغي تنقيتها عن كل ما يتعارض مع ذلك، ويمكن لليونيسكو أن تقوم بدور فعّال في مساعدة البلدان المختلفة لتحقيق هذه الغاية وصولاً للمشترك الإنساني، انطلاقاً من الإعلان العالمي للتسامح الصادر عن اليونيسكو العام 1995. ويحتفي المركز باليوم العالمي للفلسفة، كما يقيم مؤتمراً إقليمياً حول “المركزية الإثنية والتاريخ” في (كانون الثاني – يناير/ شباط – فبراير) 2017.

شارك في الطاولة المستديرة شخصيات متنوّعة، حرصت اليونيسكو على تمثيل جغرافي لاختيارها مع مراعاة اعتبارات كثيرة أكاديمية وثقافية وربما سياسية، إضافة إلى توازن في الحضور النوعي، فقد كان متحدثون لكل من: الصين والولايات المتحدة واليابان وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية (التي كان لي شرف الحديث عنها)، إضافة إلى الجهة المنظّمة (اليونيسكو) والجهة المضيفة والمشاركة في التنظيم، وهي كوريا. وقد زاد عدد المشاركين من مختلف دول العالم على ثمانين مشاركاً، إضافة إلى هيئات وجامعات ومراكز أبحاث كورية متعدّدة، وفي الوقت الذي كانت ورشات عمل ديربن وبكين العام 2015 قد بحثت موضوع التعدّدية الثقافية والشفاء ورسائل إلى عصر العلوم والتكنولوجيا التحويلية، فإن الطاولة المستديرة في سوون ركّزت على الأمل، والدور الذي يمكن أن تلعبه الإنسانيات في تجسير الفجوة بين الأكاديميين وأصحاب القرار.
وإذا كان شعار الأمل هو الأساس الذي انعقدت الطاولة المستديرة تحت لوائه، فإن لافتة كبيرة ارتفعت تحت عنوان: “Overcoming the crisis of civilization toward a sustainable society”. وتعني: “التغلّب على أزمة الحضارة نحو مجتمع مستقرّ”.
الأمل لا يعني التفاؤل، مثلما التشاؤم لا يعني اليأس. الأمل هو الإصرار على تحقّق الأفضل وتجاوز الواقع لما هو أحسن، وأكثر سعادة ورفاهاً للإنسان. وبقدر ما نحن محكومون بالأمل، فنحن محكومون بالحريّة حسب تعبير جان بول سارتر.
وكما يقول الطغرائي في قصيدته الشهيرة (لاميّة العجم):

أعلّلُ النّفس بالآمال أرقبُها / ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
وأختتم بقول الشاعر الفرنسي جاك بريفير: “إن كانت السعادة نَسَتْكَ بعض الشيء… فلا تنساها”، ولعلّ ذلك يمثّل جوهر فكرة التمسّك بالأمل!

لا تعليقات

اترك رد