عقدة الاسلام والمسلمين من العلمانية


 

الاسلام والمسلمين أمة متعقدة منذ زمان طويل من العلمانية، وهذا لا يحتاج أي دليل علمي فالواقع السياسي والمحاكمات الدينية والتاريخ القديم والجديد يشهدون وبقوة على هذا المسار الرجعي .. وهذا الموقف العدائي حدث منذ ايام عصر النهضة العربية وانتقال فكر العلمانية والحريات وحقوق الانسان مع بدايات عصر النهضة العربية الاولى بعد رحلات تعليمية وثقافية الي الغرب، وكانت النتيجة فشل حاملي ذلك الفكر الحداثي مثل طه حسين وسلامة موسى ومحمد عبده ورشيد رضا والافغاني والطهطاوي وغيرهم في اصلاح الاسلام او تجديده بعد ان قدموا تجاربهم وعصارة فكرهم وجهودهم في تثقيف وتنوير الانظمة والشعوب العربية.

ولكن وقبل الاجابة على سؤال لماذا الاسلام والمسلمين يهاجمون او يخافون او يكفرون العلمانية..او لماذا يحملون عقدة نفسية تأصلت في العقل الباطن والتفكير الباطن واللاشعور بأن العلمانية كفر وإلحاد او انها تحارب الاسلام والمسلمين..؟؟

علينا ان نناقش، هل الأديان فعلا تعيش حالة عدائية في بنيتها الفقهية والعقائدية والفكرية مع الحريات والتعددية، وهل تعاني من هذا اللبس او لا تستوعب في نصوصها الدينية معنى وقيم التعايش؟.. في الواقع ان كل الأديان السماوية والارضية تحمل غالبا في أدبياتها قيم الخير والمحبة والعدل والسلام، وهي بالتالي تتماهى مع القيم الحداثية العصرية في منظومة حقوق الانسان وفلسفة الانوار..ولكن ايضا من ناحية أخرى، وهي الأهم في مقالنا، أن نعترف ونواجه حقيقة أن الأديان كما تحمل قيم المحبة والحريات والتعايش، الا انها تحمل وبنفس نصوصها الدينية قيم العدائية والكراهية والتكفير، وهذه القيم هي لب الأزمة التاريخية والعالمية اليوم في صناعة الارهاب الديني ومحاربة التطور والعلمانية وما تفرع عنهما من حرية الرأي والاعتقاد وحرية الجسد وحقوق المختلف. ولكن يتفوق الاسلام على غيره من الديانات في انه الدين الوحيد الذي استمر بتقديس قيم التكفير والكراهية والعداء، وفي قيام تيارات اسلامية وأنظمة دينية ومؤسسات فقهية تدعو وتدافع وتفتي بهذه

القيم باعتبار انها قيم صالحة لكل زمان ومكان. في حين ان غالبية الاديان الاخرى قد تخلصت من تراثها العنيف ونصوصها الداعية الي قتال الآخر المختلف وذلك اما بإلغاءها او تعطيلها بعد ان خاضوا في فلسفة الاديان وتأثيرها على شعوبهم ومجتمعاتهم واضرار الدين في تشكيل جداريات من الجهل والتخلف والحروب المذهبية، فتوصلوا الي ان الانسان والعقل والقانون هما اساس التقدم والمحافظة على الإرث البشري من التلاشي والجمود والانهيار، فظهرت بعدها فلسفة الحداثة الفكرية والعلمية وما تفرع عنهما اليوم من مجالات التقدم والانسانية والمواثيق الدولية للدفاع عن الانسان والأطفال ومنع الحروب ونشر ثقافة السلام.

إذا، يخاف الاسلام بمؤسساته ، ويخاف المسلم من العلمانية لانها:

* تلغي الوصاية الدينية على الذات وهي التى يرفضها الاسلام تماما باعتباره مملوكا لله.

* تخلق الانسان الحر، بينما الاسلام مازال قائما على ان الانسان غير حر تماما بل مستعبد لله.

* تجعل الدين شأن خاص، بينما الاسلام يقوم على الحاكمية والخلافة ونشر الاسلام بكل العالم.

* تقيم المجتمع الدستوري، بينما الاسلام لا يعترف سوى بالشريعة وقوانينها وحدودها.

وهذا ينقلنا الى سؤال اهم ودائما ما يلقيه المسلم كشبهة دائمة او يتهم به العلمانية، وهو لماذا العلماني غالبا في مجتمعاتنا العربية والاسلامية ينتقد الاسلام تحديدا وتارك بقية الديانات والمذاهب على حل شعرها كما يقال دون نقد، وخصوصا ان فلسفة العلمانية لا تحمل موقفا عدائيا من الاديان، بل تحترم وتدافع عن وجود كل المعتقدات والافكار المقدسة باعتبارها شأنا خاصا.

في رأيي ان هذا مرجعه لعدة اسباب:

أولاً : الاسلام هو دين الغالبية العظمى من سكان الدول العربية والاسلامية وهو من يمتلك في ادبياته فكرة انشاء دولة دستورها الدين وتطبيق الحدود وقمع الحريات، وتحجيب المرأة والجهاد في سبيل الله وتغيير المنكر باليد، في حين ان المسيحيين العرب وبقية الديانات اقليات..ففي الكويت على سبيل المثال، تعيش الاقلية المسيحية ضمن حقوق تعطى وليس حقوق مكتسبة بقوة القانون، فالكنائس لا تبنى الا بموافقة حكومية صعبة ووفق شروط تعجيزية، ولا يحق لهم الترشح لمجلس الأمة، ناهيك عن العلمانيين والملحدين الذين لا يستطيعون اشهار افكارهم خوفا من رقابة المجتمع والمؤسسات الدينية التى تدفع الي محاسبتهم عندما يتناولون الاسلام بالنقد والمحاسبة او يعلنون عن افكارهم بكل صراحة.

اذن علو صوت الاسلام هو ما يجعل المشروع الاسلامي هو صاحب الصوت الاعلى لانه صاحب المؤيدين الاكثر عددا وصاحب الفرص الاكثر حظا للتطبيق.

ثانيا: جعل الاسلام دين ودولة، امر غير عادل تماما، حيث ان اكثر الفئات المتضررة من تطبيق فكرة دولة الشريعة والخلافة هم البشر الذين لا يريدون تطبيق الشريعة لانها لا تلائم تطلعاتهم مثل الملحدين واللادينيين واصحاب الاديان المغايرة وكثير من المسلمين الذين لا يشاركون الغالبية في ايمانهم ومعتقداتهم.

ثالثاً : علماني من اصول مسلمة هل مطلوب منه ان يهاجم بوذا او من يعبد البقر او من يؤمن بالمسيح ويترك الاسلام الذي يعتبر هويته، وهو الأعلم من غيره بأزمة الاسلام.

رابعا: اغلب الملحدين او اللادينيين في مجتمعاتنا من اصول مسلمة وغالبا ما يتخذون من العلمانية جدار حماية لهم لانها تحمي كل الافكار والمعتقدات الدينية واللادينية، لذا فمن الطبيعي حين ينتقدوا الدين ان يكون تركيزهم على عقيدتهم السابقة التي يعتقدون انها سبب تاخر البلاد والعباد. فمثلما يهاجم الملحدين في اوروبا وامريكا المسيحية واليهودية لانها الديانات الاكثر انتشارا هناك ولانها اديانهم السابقة ، نجد تماما هذا الأمر في مجتمعاتنا العربية والاسلامية.

خامسا: الاديان الاخرى لم نرى او نسمع او نشاهد بانها قتلت انسان باسم المسيح او باسم يهوذا او باسم زرادشت او باسم بقرة. كما لم يتشكل من تراثها تيارات سياسية او جهادية تريد ان تفرض الدين على الآخر المختلف.

اذا ماهي الازمة التى خلقها الاسلام من العلمانية على المواطن المسلم؟.. الازمة هي على المستوى النفسي وهي الاكثر ضررا وتأثيرا وتوارثا بعد ان نعلم ان الإسلام يشكل شخصية المسلم وينظم حياته اليومية وطبيعة علاقته مع الآخرين؟ فهل يجعل الإسلام المسلم انسان سوي منتج ومسالم، أم يخلق أنسان آلي يتصرف بشكل ميكانيكي غير عقلاني دون اي سبب سوى تقليد الاوامر والنواهي. سنعلم هذا بعد ان نعلم أن الحالة النفسية صنعت التالي:

* عقدة الاخلاق والانحلال والحريات، حيث يعيش المسلم في دوامة كبيرة من الخوف والرعب من أي تجاوز حتى لا يسقط في دائرة الحرام والانحلال حتى لو كان تصرفه يخالف طبيعة البشر، فالمهم أن يسمع ويطيع رغما عن فطرته البشرية، فكل ما جاء به الدين خير وكل ما نهى عنه هو شر. بينما الواقع اليوم اثبت عكس ذلك تماما بتطور منظومة الاخلاق ورفض ما جاءت به بعض التعاليم الدينية من غزو وسبي ورجم لضررها على الانسان والمجتمع.

* عقدة حكم الله، فمن يحكمنا ومن يدير مجتمعاتنا وهل نحن فعلا نملك القدرة على ادارة شؤون الحياة ام نحن مجرد بشر لا ندرك ولا نفهم الحياة.

* عقدة الآخر المختلف، حيث مازال اليهودي والمسيحي وكل من لا يؤمن بالاسلام كافرا نجسا لا يجوز الترحم عليه او مصاهرته او حتى احترامه كما جاء في بعض ادبيات التراث الاسلامي، وهو ما شكل حالة نفسية متوارثة من كراهية وتكفير الآخر المختلف ظلت الي اليوم فاعلة ونشطة ومرعبة.

* عقدة تداول الحكم، حيث مازال المسلم يعتقد بوعيه انه انسان قاصر وغير مدرك للمستقبل ولا يفهم الحكمة الغائبة عنه الي الابد، ولهذا فهو يركن الي

الله ومؤسساته على الارض وكهنة الدين لانهم يمثلون حلقة الوصل بينه وبين الحاكم الأعلى.

أمام هذا الواقع، هل علينا ان نفهم واقعنا ونخرج من حالة الجمود والتخلف، ام نستمر بالكذب والنفاق والإدعاء بأن الامور تمام وطيبة ولا يوجد خلاف بين الاسلام والعلمانية وان المسلم يستطيع ان يحكم بالدين وكل اموره راح تكون ممتازة وسوف تحل البركة والمعجزات مع اول تطبيق للشريعة وكأن تجارب 1400 سنة من الحروب والكراهية وتفريخ المذاهب والقتلة واللصوص لم تكفيهم لمعرفة فشلهم الحقيقي.

2 تعليقات

  1. حريات الانسان مقيدة بالاسلام في جعل الناس يركضون وراء طروحات دينية ظاهرها لغوي بلاغي يتلاعب بالعقول والأفئدة ، على عكس العلمانية التي تقر بحرية المعتقد دون ان تلزم الأخرين بفرض رأي او معتقد او فكر،و اذا كان الدين يحوز اخلاقاً رفيعة فإن العلمانية تحوز اخلاقً راقية مؤسسة على مبادئ الخلق الطبيعي في التطلع للعدالة ونشر السلام .و الإسلام لايناقض الحرية فقط وإنما كل القيم الإنسانية الجوهرية المطلقة المتعالية على الزمان والمكان .

  2. انا مع فكرة ان العلمانية هي الحل للخروج من سلطة المتدينين الذين همهم الاول والاخير ان يقيدوا حريات كل من خالفهم في الفكر وفهم الدين او الخروج منه، لكن انا اشوف فيه غلط رهيب في مقالك وفي اسلوب غالبية دعاة العلمانية في الكويت انكم تحملون اللوم على دين الاسلام نفسه، وكأنه دين له تفسير واحد صحيح واللي هو تفسير محاربين العلمانية والحريات من كهنة الدين، انتوا قاعدين تقولون لهؤلاء الكهنة ان اسلامكم هو الاسلام الصحيح وتعطونهم بذلك الشرعية بدون لا تشعرون، لا بد انكم ترجعون خطوة وتعيدون النظر وتستوعبون ان هنالك “اسلامات” في هذا العالم ولس اسلام واحد اسلام هؤلاء الكهنة اللي قاعدين تحاربونهم، بدال لا تهاجمون الاسلام ككل ودفعة واحدة، خلكم دقيقين وهاجموا تلك المذاهب والتفسيرات للدين اللي تحارب الحريات ومعتقدات الاخرين، واللي لسوء حظنا اتباعها هم السواد الاعظم من المجتمع.

    تراثنا دسم بالخير والشر، لكن مو الكل يتقبله ببلاهة وبدون تفكير، هناك الكثير من المسلمين اللي يشوفون الاسلام بجوهره ويشوفون ان هذا الجوهر يدعوا للتسامح وتقبل والاخر، فبدال ما تهاجم الاسلام وكأنه دين واحد وتفسير واحد، هاجم الفكر والمذهب لهؤلاء “المسلمين” الذين عاثوا في الارض فسادا وحاربوا حقوق وحريات الانسان.

اترك رد