الدين للشعب والوطن للحكومة

 

يقول عالم الاجتماع الراحل علي الوردي: لو خُيِّرَ العربُ بين الدولة الدينية والدولة العلمانية (المدنية) ، لَصَوّتوا لصالح الدولةِ الدينية واختاروا العيشَ في الدولةِ العلمانية)، من هنا تبدأ رحلة المقال.

هناك حلمان للإنسان حلمٌ في الدنيا وحلمٌ آخرٌ مهده له الدين وهو(حلمُ الخلود في الآخرة والجنة والنار والحور…..)، وهو يسعى للتوفيق بينهما، فالإنسان يريد أن يعيشَ حُرا كريما مشبعا لرغباته وغرائزه الطبيعية في الدنيا دون أن يؤثر ذلك على حلمه الثاني الروحاني الذي يوفر له الأمل والطمأنينة والجَنّة والفوز بالحياة الآخرة.

تخيّل لو أكتُشِفَ غدا ً بأن لا وجود لشيء اسمه ( دين أو الله أو جنّه أو نار أو حياة في الآخرة) ماذا سيكون حال الدنيا؟ لاشك بأنك أنت نفسك إيها القارىء أما ستنتحر أو تصاب بالجنون أو تتحول من هدوئك هذا إلى أسد مرتبك يقتحم الغابة الجديدة اليوم التي كانت تسمى بالأمس أرض البشر (الدنيا) لتجد لك مكانا ً أو حياةً تطمئن فيهما أنت وعيالك!

إذن فالدين يعني الهدوء والطمأنينة والأمل ونوعٌ من أنواعِ الترويض، وهذا شيءٌ يحسب للدين وليس ضده ، فما أجمل أن تجد الأمل والطمأنينة تحت طوعك (مجانا) كي يساعداك في إكمال مسيرة الحياة المليئة بالمطبات.

إن هذا الدين المتمثل ( بالله أو الإله والجنة والنار والحياة الآخرة الخالدة وأنهار الخمر والحور العين ) تحول كأمرٌ دُبِّرَ بتمعنٍ ودرايةٍ وخبثٍ، بليلِ الحكوماتَ وتجارِ الجهلِ والدمِ، ليلُ الدولِ الكبرى وفلاسفتِهم المسخَّرين لهكذا شيء، والذين يعزفون على الأوتار التي تستقطب الجماهير عند محاولة تعبئتهم لغرض ٍ ما ) مدجِّنين ذلك الدين بتحويله من غايته السلمية ذات الطمأنينة إلى غايةٍ نفعيةٍ تعبوية.

فالدين بالنسبة للحكومات وسيلة تساعدهم في السيطرة على الحكم، أما بالنسبة للشعوب فهو غاية ووسيلة مختلفة عن وسيلة الحكومات، وإن لم أكن مخطئا : فإنه ليس هناك حكومات متدينة (فالحكومة لا تحتاج للطمأنيتة الإلهية أو الأمل فهي مالكة للمال والسلطة والنفوذ على الأقل ليحققوا لها كل ذلك ) ولكن هناك شعوب متدينة، فالحكومات ليس دورها نشرالموعظة الحسنة بين المجتمع أو تعريف الناس بطقوس الصلاة أو الاهتمام بفكرة الحلال والحرام، فهذا الدور تقوم به المؤسسات الدينية من مرجعيات وبابوية وغيرههم؛ لأنها تعتبر لهم مهنة فهم يعطون المواعظ والارشادات ويعلمون الناس عن القيم بالمقابل يكسبون المال والجاه والمكانة الاجتماعية بالإضافة لمرضاة الله، وهي أدوار توعيظية يخاطبون بها المجتمعات وليس لديهم سلطات تنفيذية مثل التي تمتلكها الحكومات لتطبيق هذه المواعظ رغما عن الناس.

إن الحكومات لا تهتم للدين بمعناه الوعظي أو المثالي ولا يهمها مسألة الجنة والنار أو الخلود ولكن يهمها بالدين مثلما قلنا بأنه وسيلة للحكومات بأن يكون مكمل لسلطتهم التشريعية والتنفيذية وداعما لها باعتباره الوسيلة الأكثر نجاحا ورواجا للتعبئة الشعبية في استقطاب الجماهيرومثال على ذلك:( ما حصل من تعبئة الجيوش الصليبية من قبل رجال الدين المسيحيين (البابوبة) حين كان آنذاك للكنيسة دور في الحكم موازي للسياسة أبان الفتوحات الإسلامية التي وصلت للغرب ، كذلك ما حصل بالأمس القريب حين عُبأت الجماهير من قبل المرجعية بالدفاع عن ارض العراق ضد تنظيم داعش الإرهابي حيث وقفت السلطة عاجزة، وتبنى هذا الموقف مرجعيات دينية أثارت حماسة الجماهير.

مما سبق تتضح أهمية الدين بالنسبة للفرد وأهميته بالنسبة للحكومة، لذلك فالدين لي ولك وللآخرين نستقي منه ما يشبع ظمأنا ويهدىء جراحنا ويبعث لنا الأمل أما للحكومة فهو الغاية المكملة للسلطة، لذلك فالدين يجب أن يشبع به الشعب حد التخمة ( حتى وإن أسيئء استعماله)، وأن تكون مفاتيحه بيد الحكومة للمحافظة على الوطن وتحت سيطرتها، لأن الحكومات لا تحتاج إلى دين ، ولكنها تحتاج إلى وطن وشعب يخاف من الدين كي يحكماه بالقوة التي توفرها لها النفوذ والسلطة بمساعدة الدين.

لا تعليقات

اترك رد