أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة – ج١٩


 

سلوك (6)

دخل أنسي الحاج في الظّلّ أو بمعنى أوضح في الصّمت كردّة فعل على عالم انحدر إلى أقصى درجات الانحطاط على جميع المستويات، الإعلامي منها والسّياسي، والاجتماعي، والإنساني… هذا السّلوك الّذي تجنح إليه النّخبة المتوازنة الّتي تأبى الانغماس في عالم مختلّ التّوازن، يعبّر عن احترام للذّات والكينونة الإنسانيّة. كما يعبّر عن ألم تجاه واقع يفتقد إلى النّقد والتّأمّل والجدّيّة…

يتّضح للقارئ من خلال الولوج في الفكر الأنسي المفصِّل للسّلوك الإنسانيّ من ناحية السّلوك الضّمني المحتجب في الأعماق، أنّ الإنسان يتعامل مع واقعه وعلاقاته الإنسانيّة بشكل غير دقيق أو يظنّ أنّ سلوكه حسن في حين أنّه يتعاطى مع الموضوع السّلوكيّ الأخلاقيّ إمّا من ناحية الظّاهر وإمّا من ناحية متباينة والعمق الحقيقي للسّلوك.

فعندما تحدّث أنسي عن الوفاء قال: “ما أشقى مَن لم يعرف من أصحاب الوفاء إلّا وفاؤهم سداد دين للتّخلّص من قيده، أو عرفان جميل مَن لا يزال يحتاج إليك.” (1). هذه النظرة العميقة في النظر إلى السلوك تكشف حقيقة ذلك السلوك الّذي يُظنّ أنّه أخلاقيّ كالكرم مثلاً: “أجمل ما في الكرم ليس العطاء، بل كونه أخبث المفسدات” (2)، إلى ما هنالك من سلوكيّات تحتويها النّفس الإنسانيّة سواء أكانت إيجابيّة أم سلبيّة كالطّموح، والزّهد، وخطأ الإنسان في اعتقاده أنّه أفضل ما في الكون. إلّا ما هو مهمّ خلفيّة السّلوك أو الدّافع الحقيقيّ له. وكأنّي بفكر أنسي الحاج مرآة النّفس الإنسانيّة المتوارية عن الإنسان نفسه. وكأنّه أدرك الجوانب المظلمة الخفيّة الّتي تظهر للعلن مستنيرة.

لم يستشفَّ أنسي من كلّ سلوك إنسانيّ الدّافع النّفسيّ وإنّما الصّورة المستترة خلف الفعل أو السّلوك، ليظهر للإنسان تفاصيل سلوكه بدقة لامتناهية تدفع القارئ لإعادة النّظر بسلوكيّاته كيما يرتقي بإنسانيّته. فيخدم الإنسان بدافع المحبّة لا بهدف الظّهور، أو أن يلاحظ أنّ ما يواجهه من ظلم يمارسه بدوره على آخر. أو أن تقيّده آلام الآخرين، فيشعر بها ويتعاطف معها، والسّلوك الأفضل من ذلك هو الّذي يجعله يئنّ تحت وطأة كرامة آلامه.

يحتاج السّلوك الإنسانيّ إلى ثورة تحرّره من الخبث المستتر خلف الفعل الجيّد والألم المحتجب في الفعل السّيّئ. عندها يمكن للإنسان أن يخطو بثقة أكبر نحو حرّيّته لأنّه يسعى إلى تنقية داخله. ولعلّ البكاء هو السّلوك الوحيد الّذي يطهّر النّفس ويطمئنها، فتصفو وتستكين وتتقوّى. “كلّ ما في الطّبيعة أقوى ممّا يفعله الإنسان، إلّا الدّموع. حمم البركان تحرق الأبرياء، السّيول تغرقهم، الزّوابع تشرّدهم. الدّموع تعيد لهم الأمان.(3).

من السّلوك إلى عالم الأدب والشّعر والكتابة، يرافقنا أنسي الحاج في سبل أدبيّة لم نعهدها ونقد متميّز يسهم في التّنقيب عن سحر الأدب الّذي ينبغي أن يتحول إلى خلاص.

لا تعليقات

اترك رد