صراع التوأم، الديموقراطية والرأسمالية

 

مع أنهما يمثلان عماد المنظومة الاجتماعية والسياسية للمجتمع الأمريكي، إلاّ أن فوز دونالد ترامب كشف اهتراء هذه المنظومة وشكّل«صدمة» لكثير من الدوائر السياسية والاعلامية في العالم، وأول من عبر بصراحة، في تصريح رسمي، أحد الساسة الألمان..

وهي صدمة بالفعل، لأن فوزه كان خلافا للمسار المعهود لمثل هذه الانتخابات المفصلة والمنظمة بتوافق ثمرتها -على كل حال- مع الأهداف الاستراتيجية للرأسمالية والديموقراطية.

ما يحدث الآن من احتجاجات واعتراضات، على فوز ترامب في بعض المدن الأمريكية، ليس بدعوى عدم صحة التصويت، أو تزويرها، بل لرفض النتيجة مجردة، باعتبار أنه شخصية شعبوية (عنصري، ولكن بتخفيف اللفظ) تجاه فئات وعرقيات، وتجاه المرأة.

ترامب شخصية «رأسمالية» بكل وضوح، وهذه الجموع المحتجة، بشكل عفوي، في مدن مختلفة، يرفضون نتيجة الديموقراطية، مع انهم لم يحتجوا على النظام الانتخابي الذي قبل ترشّحه، ولم يحتجوا على حزبه الداعم له، فهل هو مؤشر (اهتراء) منظومات صناعة الرأي في أمريكا…؟

تساؤل بدأ يطرق الدوائر الثقافية ولن يوقف هذا التصادم القادم سوى أمر واحد، هو:
اصطدم استراتيجية الرئيس ترامب بواقع متكلّس يعجزه عن تطبيق برنامج حملته الانتخابية المعلن، فينكص، ثم يحاول التناغم مع ما هو قائم على أساس ارتباط مصالح اللوبيات وصناع القرار من خلف الكواليس، وتعود المصالحة بين قطبي هذا النظام «الرأسمالية والديموقراطية» على حساب الناخب الديموقراطي المسكين الذي اعطى صوته لـ«ترامب» وبرنامجه «الشعبوي»..!
ولككن ما هي دلالة احتجاج آلآلاف من الشعب الأمريكي على وجود شخص «ترامب» في منصب الرئيس لبلادهم..؟
هل هي تعبير صادق عن الخوف من المجهول لو سار «ترامب» حسب برنامجه المعلن…؟
هل هي تعبير عن اكتشاف أنهم كانوا ضحايا التلاعب والخداع الاعلامي المضلل..؟
هل هي تعبير صادق عن رفضهم للافكار العنصرية للرئيس «المنتخب»..؟
كل هذه الاسئلة، والكثير من التساؤلات الأخرى، تقودنا الى عمق وجذور علاقة المواطن الأمريكي مع بنيوية النظام يشكل هويته وثقافته، كما يشكل بنيوية المنظومة الاجتماعية التي تحكمه وتتحكّم به وبمستقبله…
وبحسب بعض الممتابعين، فإن أكثر الناخبين لـ«ترامب» كانوا من كبار السن، وهذا يعني أن الناخبين له، عاصروا أزمات خطيرة جدا، وعانوا منها، وأنها حاضرة في وجدانهم، بخطورة التورط والمبالغة في الازمات الخارجية وأنها كانت على حساب مصالح المواطن الأمريكي، بدءاً من دعم المتطرفين في أفغانستان، مرورا بغزو العراق ثم برنامج «الشرق الوسط الجديد» وما تبعها من برنمامج ما بعد أحداث ١١سبتمبر، مرورا بأحداث ما يسمى بالربيع العربي، وحاليا أزمة الإرهاب الداعشي في العراق وسوريا التي تضخمت جغرافيا الشرق الأوسط إلى القارات الأخرى.
لا يمكن الاستهانة بالاسباب الفعلية لهذا النحو من توجه الناخب الأمريكي، وانها ثمرة لسياسية الاهتمام بالسياسة الخارجية القائمة أيضا على شراكة دولية بحصة أمريكية كبيرة، بحسب تقدير الناخب، وأن مردودها لا يتناسب مع حجم التورط الأمريكي فيها، وأن الشعب الأمريكي هو الخاسر الأكبر من ذلك، مع سكون واطمئنان ناخبي كلنتون -مرشجة الدوائر الرسمية وأكثر اللوبيات فيها- إلى ما تقدمه وتسوقه وسائل الإعلام الأمريكية من تقدمها في كل مراحل استطلاع الرأي، مما قلل من اندفاعة ناخبييها للحسم.

لا تعليقات

اترك رد