اللات والعزى وترامب

 

لم ينشغل العالم باية انتخابات مثلما ينشغل دائما بالانتخابات الاميركية، في المناطق الساخنة والعالقة ملفاتها في مكاتب البنتاغون والخارجية الاميركية كالشرق الاوسط وكوريا والصين وروسيا وايران، او حتى في المناطق الهادئة والمتعاونة والواضحة مصالحها مع اميركا مثل اوروبا وبعض دول اميركا اللاتينية، الكل متابع ومراقب ومحلل، والكل يضع خططا ودراسات لكيفية التعامل مع هذا المرشح او ذاك في حالة فوزه، هذا الانشغال يقطع الشك (فيما اذا كان هناك شك اصلا) بقيادة اميركا للعالم، اوروبا وهي العالم القريب لاميركا اجتماعيا وفكريا وسياسيا واقتصاديا، لم تنشغل مثلا بالانتخابات الالمانية او الفرنسية او البريطانية، ولم تعر اهتماما باي من المرشحين للفوز فيها، ولكنها انشغلت منذ بداية السباق الانتخابي الاميركي، وراقبت عن كثب ستراتيجيات وخطط وتصريحات المرشحين فيها، واذا كان العالم كله ومنه اوروبا قد خبر عن قرب بعد ستتة عشر عاما من العمل السياسي للمرشحة هلاري كلنتون ( كسيدة اولى وكوزيرة للخارجية ) ، فانه قد صدم بشخصية الفائز دونالد ترامب الذي اثار زوابع كثيرة في طريقه الى البيت الابيض، ولم يكن العالم خارج اميركا لوحده قد اصيب بالصدمة، بل ان الشعب الاميركي ايضا الذي وجد امامه شخصية يمكن من السهل جدا وصفها بالجنون او الهستيريا، الى الحد الذي دفع زعماء الحزب الجمهوري ومجموعته في الكونغرس ومجلس الشيوخ بالتبرأ من مرشحهم ترامب بعد وصفه بالجهل وبانعدام الخبرة السياسية وبانه (مصيبة عالمية) على حد تعبير كولن باول الجمهوري ووزير الخارجية الاسبق بسبب بعض تصريحات ترامب الصادمة واحتقاره للمرأة، كما دفع ببعض نجوم هوليود الذين يعرفون ترامب عن قرب نتيجة عمله في مجالهم، بمهاجمته علنا واصفين اياه بالغبي والجاهل وبعضهم قرر الهجرة ومغادرة اميركا اذا ما فاز ترامب في الانتخابات، ثم جاءت التظاهرات المناهضة لترامب في مدن عدة في اميركا بعد فوزه لتؤكد حالة الصدمة والانقسام والذهول والقلق ايضا داخل المجتمع الاميركي الى حد مطالبة بعض نشطاء كالفورنيا بالاستقلال احتجاجا على فوز ترامب، اما اوروبيا فان الرئيس الفرنسي في خطوة لم يسبقه فيها احد، واثناء الحملة الانتخابية الاميركية اعتبر ان (فوز ترامب سيشكل خطرا على العلاقات الاميركية الاوروبية) ثم عاد ليؤكد مخاوفه بعد اعلان الفوز قائلا: (ان ذلك الفوز يؤذن لبدء مرحلة من انعدام اليقين) وانه ( ينبغي لفرنسا ان تكون اقوى ولاوروبا ان تتوحد). أما المستشارة الالمانية ميركل فقد عبرت بدبلوماسية ناعمة عن اعتراضها على عنصرية ترامب وهي تضع من جانبها شروطها واسس العلاقة التي يجب ان تسود بين اميركا والمانيا (ان لم يكن العالم اجمع ) قائلة في رسالة التهنئة (تجمع المانيا والولايات المتحدة قيم مشتركة هي قيم الديمقراطية والحرية واحترام حكم القانون واحترام كرامة البشر مهما كان منشأهم ولونهم ودينهم وجنسهم وتوجههم الجنسي وآرائهم السياسية، أرغب بالتعاون الوثيق مع الرئيس الامريكي المقبل دونالد ترامب على هذه الاسس.) فيما عبر وزير العدل الالماني هايكو ماس عن قلقه من انتخاب ترامب، وقال في تغريدة له ( إن العالم سيزداد جنونا).. في حين شدد وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير على ( ضرورة الاستعداد لسياسة أمريكية خارجية جديدة، فسياسة ترامب لا يمكن التنبؤ بها، وأن واشنطن ستتجه إلى اتخاذ القرارات بمفردها).. اما اعنف رد فعل اوروبي على فوز ترامب فقد كان على لسان جياني بتيلا رئيس المجموعة الاشتراكية في البرلمان الاوروبي وهي ثاني اكبر كتلة نيابية فيه حيث قال: ( انه يوم اسود بالنسبة لنا وللعالم)..ولكنه ايضا اعتبر فوز ترامب بمثابة (نداء صحوة لاوروبا لاعادة ترتيب اوضاعها)..

يريد ترامب لاميركا ان تكون اقوى وهي تقود عالم اليوم، وهذا هو شعار الجمهوريين دائما، كما سبق وان عرفناه عبر سياسة جورج بوش الاب ومن ثم الابن، الا انه تفوق عليهما بتصريحاته العنصرية المثيرة للجدل ضد المسلمين وضد المهاجرين من اميركا اللاتينية والتي يعتقد الكثير من المراقبين انه سوف يتراجع عنها لاستحالة معاداة سبعة وخمسين بلدا اسلاميا يرتبط ترامب شخصيا بعلاقات تجارية مع بعضها وبعلاقات شخصية مع الكثير من شيوخ الخليج باعتباره رجل اعمال قبل ان يكون رئيسا لاميركا، وتفوق ايضا عليهما بتصريحاته التي دعا فيها الى قتل عائلات الارهابيين واستخدام اساليب تعذيب قاسية ضدهم، وهي تصريحات خارقة لحقوق الانسان تصدر عن اعلى الهرم في دولة تدعي دفاعها عن تلك الحقوق، ولكن الوقائع اثبتت دائما عكس تلك الادعاءات ففي عهد بوش الابن ووزير خارجيته دونالد رامزفيلد تم تعذيب المعتقلين العراقيين في سجن ابي غريب بابشع الوسائل والطرق واكثرها قساوة ووحشية مما شكل فضائح مدوية في حينها، الامر الذي يجعل من ترامب شخصية واضحة وعفوية وصريحة ومعبرة عن حقيقة وروح السياسة الاميركية بدون تزويق، وهذا ما اكده مستشاره اللبناني وليد فارس بقوله: (ترامب تلقائي وعفوي ومثير للجدل والسخرية احيانا عبر شطحاته، ولكنه ستراتيجي في خياراته فهو رجل اعمال ومشاريعه في كل انحاء العالم).

اذن مالذي دفع بالناخب الاميركي لاختيار شخصية وصفت بالجهل والغباء وتخلى عنها كبار قادة الحزب الذي قدمها كمرشح له؟..
يكمن سوء الاختيار هذا بسبب ان المنافس الوحيد له وهي السيدة كلنتون، وجه قد مله الاميركيون، فقد شغلت الراي العام الاميركي منذ ظهورها كسيدة اولى عام 1992 والى الان، بعد ان تقلدت مناصب عدة كوزيرة للخارجية وعضو في الكونغرس ثم مجلس الشيوخ، ولم يعد لديها ما هو جديد وغير مكشوف للناخب الاميركي المحب للتجديد والتغيير.. بالمقابل ان ترامب وجه جديد تماما، فهو ليس عسكري وليس سياسي سابق( وهذه ظاهرة بحد ذاتها)، مع انه مشهور كرجل اعمال ومقدم برامج تلفزيونية والناخب الاميركي رأى بعفوية وسلاطة لسانه وسخريته وتصريحاته النارية ضد الاسلام والمسلمين ( مع تزايد موجة العداء والحقد عالميا ضد الاسلام) ، دافعا كبيرا لجعل اميركا اقوى فعلا، خاصة بعد موقفه من الارهاب ودعوته الى مكافحة الارهاب بالارهاب والى قتل عوائل الارهابيين وتعذيبهم، في ذات الوقت الذي كانت كلنتون قد خيبت ظن المواطن الاميركي باعلانها ان اميركا هي التي صنعت تنظيم القاعدة وما نتج عنها بعد ذلك، اضافة الى ان ترامب قد لامس مزاج المواطن الاميركي بقضيتين الاولى : انه وعد الاميركان بمشاريع كبيرة توفر لهم فرص عمل هم بحاجة اليها، فقد جاء في حملته الانتخابية وصفه للبنى التحتية الاميركية انها لاتناسب اميركا وخاصة المطارات والمستشفيات والطرق التي وصفها بالقديمة، وانه وبلهجة الواثق كملياردير ورجل اعمال (مما جعل الناخب الاميركي يطمئن اليه) عازم على اعادة البناء والتطوير، والثانية: هي مسالة الحماية التي تقدمها اميركا لدول الخليج تحديدا دون مقابل ( على حد زعمه) فهو رجل اعمال وينظر الى كل حركة يقوم بها على انها صفقة يجب ان تعود بمردود ما، ولهذا طالب الجميع وحتى الشركاء الاوروبيين بدفع تكاليف الاجراءات التي ستتخذها اميركا مستقبلا، معتبرا ان المديونية الاميريكية الحالية حصلت بسبب السياسيات الهوجاء السابقة مثل حرب تحرير الكويت التي يرى انه كان على اميركا ان تاخذ نصف واردات النفط الكويتي مدى الحياة ثمنا لها وثمنا لاعادة الوطن للكويتيين الذين سكنوا لندن وباريس متنعمين باموالهم في حين قدمت اميركا الدماء بلا مقابل، مثلما يرى ايضا انه كان ينبغي على اميركا ان تسرق نفط العراق ثمنا لحربها ضد صدام حسين.. وعزز ترامب شعور المواطن الاميركي بالعظمة والقوة حين وزع تهديداته على جهات عديدة، والبداية كانت مع العرب حيث حمل بشكل واضح وصريح السعودية مسؤولية تصدير الإرهاب والتكفير إلى العالم، وطالب العرب بالامتثال للاوامر والرغبات الاميركية وارسال قوات لمقاتلة داعش وبعكسه فانها ستواجه عقوبات مالية،(يعرف الطرق السريعة للربح)..

ثم هدد ايران باعلانه انها راعية للارهاب وداعمة لحزب الله الذي توعد بالقضاء عليه، ثم اعلن ايضا عدم قبوله الاتفاق النووي وانه سيعيد التفاوض من جديد، الامر الذي اقلق ايران واضطر الرئيس حسن روحاني الى الرد بان ليس بامكان ترامب الغاء الاتفاقية النووية لانها لم تكن موقعة مع اميركا لوحدها وانما مع مجموعة الدول 5+1 وباقرار من مجلس الامن والامم المتحدة..

وفي جنوب الولايات المتحدة الاميريكية كان التهديد الترامبي موزعا بين المكسيك التي دعا الى بناء جدار كحاجز حدودي لمنع الهجرة غير الشرعية وتجارة المخدرات والاسلحة، وبين كوبا التي وعد بانهاء التقارب الذي حصل معها اثناء رئاسة اوباما، معتبرا ان اميركا لم تحصل على شيء مقابل تلك التنازلات ( رؤية رجل اعمال).. الامر الذي دعا كوبا الى القيام بتمارين عسكرية شاملة غداة فوز ترامب تأهبا لما تعتقده اجراءا عسكريا اميركيا محتملا ضدها، مع انها لم تعلن ذلك صراحة..
كما هدد ترامب بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، معتبرا ان مسالة التغيير المناخي خدعة مما اثار قلق 200 دولة كانت مجتمعة في مراكش برعاية الامم المتحدة وبمشاركة اميركا ايضا لحظة اعلان فوزه ، وشكل هذا التهديد تناقضا حادا مع سياسة اوباما الذي كان قد اعطى مسالة التغير المناخي اولوية في سياسته..

وأيضا هدد باعادة التفاوض او الانسحاب من منظمة التجارة العالمية واصفا اياها واتفاقاتها بالكارثة، الامر الذي اخذه مدير المنظمة (روبرتو أزيفيدو) على محمل الجد واعدا ترامب برسالة التهئنة بـ ( بأن تكون التجارة قوة إيجابية لخلق الوظائف) ومعربا ايضا عن تاييده لشكوكه في ان اتفاقيات التجارة ليست في صالحهم قائلا: (ان علينا أن نعالج ذلك ونضمن أن تثمر التجارة عن أكبر فائدة لأكبر عدد من الناس) ويمكن اعتبار هذا الرد على انه اول استجابة دولية لاوامر ورغبات الرئيس الجديد..
وعدا اسرائيل التي دائما ما ترحب بالرؤساء الاميركيين الجدد الذين خرجوا وسيخرجون من رحم اللوبي الصهيوني الذي يقود اميركا ومن خلالها العالم كله، بعد ان يكونوا قد قدموا فروض الطاعة والولاء والعرفان بالجميل كما فعل ترامب حين اعلن بعد لقائه برئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو في ايلول الماضي : (إن واشنطن ستعترف بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل إذا ما تم انتخابه).. الامر الذي يعد سابقة في السياسة الاميركية ومخالفة واضحة لقرارات الامم المتحدة، عدا ذلك فان الجانب الشرقي من العالم لديه موقف مختلف تماما، ففي حين قلق الاوروبيون من فوز ترامب، وتبرأ عنه الكثير من قادة الحزب الجمهوري الاميركي، اعتبر الرئيس الروسي بوتين ان ترامب (شخصية لامعة وموهوبة)، مشيدا باستعداده (يقصد ترامب ) للعمل على تعميق العلاقات بين واشنطن وموسكو إذا ما صار رئيسا للولايات المتحدة. هذا الموقف الذي حاولت كلنتون استغلاله لصالحها، اتضح انه يتماهى مع مزاج المواطن الاميركي الذي يرى وحسب استطلاع نظمه معهد غالوب واوردت نتائجه صحيفة الفايننشال تايمز ( ان بوتين مثال الرئيس الناجح)، والاميريكيون (يلمسون في دبلوماسيته قيامه بحركات لعبة الجودو وليس الشطرنج)، في ذات الوقت الذي عبر فيه ترامب أمام منتدى قيادة الأركان: (إن الرئيس الروسي زعيم أقدر من رئيسنا أوباما ) ثم نقلت عنه صحيفة الواشنطن بوست قوله: (أن التعاون مع روسيا يصب في صالحنا، ويخدم الصالح العام والمشترك).. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الشأن، هو لماذا تختلف وجهة النظر الروسية المرحبة بترامب عن وجهة نظر اغلب قادة العالم وخاصة الشركاء الاوروبيين؟..والاجابة على هذا السؤال تتضمن احتمالات عديدة باعتبار ان الموقف الروسي يشكل اختلافا كبيرا وواضحا عن الرؤيا الدولية عامة والاوروبية خاصة والتي اعتبرت فوز ترامب يوما اسود للعالم اجمع، فترامب ركز في بعض احاديثه على (انه يريد اعادة عظمة اميركا)، وان ( لا احد يستطيع ان يتحدانا)، وردد ايضا عبارة مادلين اولبرايت (وزير) الخارجية الاسبق الذائعة: ( ان اميركا دولة استثنائية) والمقصود من هذه العبارة ان لاميركا الحق في فعل ماتشاء، فكيف يتفق ان يرحب الروس بمن يريد تجسيد هيمنة اميركا على العالم؟.. الاحتمال الاول: ان الترحيب الروسي كان قائما على دعوة ترامب لمكافحة الارهاب، ورؤيته للقضية السورية والتي يعتبر فيها ان مسالة رحيل او بقاء الاسد يمكن النظر فيها فيما بعد، وان الاولوية لانهاء داعش، وان ترامب ربما يطمح الى استخدام الروس كوسيلة لتحقيق هدفه في القضاء على داعش الامر الذي يخدم الاستراتيجية الروسية في المنطقة، وسوريا هي الميدان الاكثر تلامسا واشتباكا بين الدولتين على الصعيد السياسي والعسكري في نفس الوقت، ، واية خطوة غير محسوبة بدقة قد تدق ناقوس الخطر لاشعال فتيل حرب كبرى يرى بعض المراقبين انها قاب قوسين او ادنى، وهذا الاحتمال قائم على ان الروس ياخذون تصريحات ترامب على محمل الجد، مع ان القاعدة تقول ان خطابات الحملة الانتخابية ووعودها ليست عهدا وكلمة شرف يجب الوفاء بها دائما، ومن المؤكد ان الروس اعلم من غيرهم بهذا..
والاحتمال الثاني: قائم على استغلال الروس للقلق الدولي والاوروبي خاصة، فالعمل وفق رؤية ترامب الحالية والتعاون معه ودفعه الى التطرف اكثر ربما سيخلق وضعا عالميا جديدا يجعل من اوروبا (التي ربما ستجد بسياسته الجديدة اسبابها للصحوة)، قوة عالمية ذات رؤيا ليست بالضرورة معادية لاميركا ولكنها اكثر استقلالا وتفردا في القضايا الدولية الشائكة، مما يجعلها ندا وليس تابعا كما هو الحال اليوم، مع ان المنطق يقول انه اذا كان ترامب يبحث عن شريك فالاولى ان تكون اوروبا وليس روسيا..
والاحتمال الثالث: ان الروس يعتقدون ان ترامب سيخلق اميركا جديدة على اساس انه ليس عسكريا سابقا ولا سياسيا ايضا كما ذكرنا، وانه دخل للرئاسة كما يترأس رجل اعمال شركة تجارية تنوء بالترهل وبمشاكل عديدة اهمها المديونية والتدخلات الخارجية التي يرى ترامب انها ليست بذي فائدة لاميركا، وانه سينشغل بالداخل الاميركي، وان تهديداته اثناء الحملة الانتخابية ستنحصر بكل ما يمكن ان يعود بفوائد مالية لاميركا، وستخف حينها حدة التوترات بينهما مما يعطي لروسيا فرصة لالتقاط الانفاس المريحة والتخلص من ثقل وسباق المنافسة وضغوطاتها كما سيخفف من الموقف الاوروبي المتشنج تجاهها.

اما الاحتمال الرابع: فهو مناقض لكل ماسبق، وهو قائم على فكرة التحدي التي دخل الروس فيها الميدان السوري طلبا لاثبات الوجود واعادة الهوية الروسية كدولة عظمى وكقطب يجب دائما عده وحسابه، فامام تهديد ووعيد ترامب يرى الروس ان فرصة التلويح بالاصطدام ربما تكون قد اقتربت اذا ما تهور ترامب في سياسته الخارجية خارج ما هو متوقع، مع علمهم ان لا اميركا ولا الروس ولا العالم أجمع يمكنه احتمال نتائج حرب مدمرة، وان مثل هذه السياسة والاحتقان المرتقب، ستدفع اوروبا الى النأي بنفسها عن اميركا الترامبية التي ستفقد التاييد والتعاون الاوروبي المعهود والذي غالبا ما كانت تحظى به سابقا، اضافة الى انه سيجعل من اوروبا قوة موحدة مستقلة وخارج المدار الاميركي، بل وربما ضاغطة عليه، هذا الاحتمال يستند الى التلميحات الاوروبية التي صدرت قبل اشهر عن مساعي الروس لخلق الفتنة داخل البيت الاوروبي في مسعى لاعادة الهوية والشخصية الروسية كما كانت في عهد الاتحاد السوفيتي السابق..

ازاء كل ماسبق، كيف سيكون وضع الشرق الاوسط المرتبط والقائم والمتشكل اساسا وفق رؤية اللوبي الصهيوني المتحكم في البيت الابيض؟..

هل سينسف ترامب المتهور كل ما تم الاعداد له من مخططات وصراعات وتمزيق واذلال لشعوب المنطقة ويعيد الاستقرار ويعطي فسحة من الراحة للعرب وغيرهم لالتقاط انفاسهم والبدء بالاعمار والتنمية؟..
اذا كانت اوروبا بكل ما تملك من امكانيات ومصالح وعلاقات وتاثيرات، قد اعتبرت ان فوز ترامب يوما عالميا اسودا، فما هو وضعنا نحن النائمون على وسادة الماضي، والحالمون بالحور العين، والمتقاتلون من اجل ولاية الفقيه ودار الخليفة، والمتسكعون على ابواب الحسينيات والمساجد بانتظار الفرج؟..
الحقائق الثابتة قد تتغير، والحقائق الثابتة التي اقصدها، هي التي يؤمن بها الكثير من المراقبين والمفكرين والتي تقول: ان ما يجري في منطقة الشرق الاوسط هو مؤامرة امريكية صهيونية فارسية، وايضا ان اللوبي الصهيوني هو الذي يدير العالم عبر المال وضغوطاته واغراءاته وعبر وسائل اخرى بعضها غير شريف وغير انساني وغير قانوني، وايضا فان ترامب لايحب المسلمين والعرب طبعا، كما هو واضح ومعلوم، واخيرا ليس كل ماقاله ترامب سيجد طريقه الى التطبيق..

يمكن اعتبار ترامب رئيسا مستقلا اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار تخلي قادة الحزب الجمهوري عنه واعلانهم البراءة منه، رغم انه مرشحهم الذي قادهم الى النصر، ويمكن الاعتقاد بانه لن يخضع لضغوطات المال وتاثير الشركات الدولية والاميريكية، فهو ميلياردير واعماله وشركاته منتشرة في كل مكان، وهو الوحيد ربما الذي لم يكن لاحد فضل عليه اثناء حملته الانتخابية، فلم يكن محتاجا الى دعم مالي، وايضا تخلى الداعمون السياسيون جميعا عنه في منتصف الطريق.. ولكنه لن يكون مستقلا تماما حين يدخل المكتب البيضوي، فسيحيط به جمهرة المستشارين وفي يد كل منهم ملفات معززة بدراسات الخبراء والمراكز الستراتيجية والمعلومات الاستخبارية ومرفقة ايضا بنصائح وخطوات يجب اتباعها ويتوجب عليه اتخاذ قرار حاسم بذلك، واحد من هذه الملفات على سبيل المثال هو الملف الايراني، والذي دعا ترامب الى اعادة النظر فيه من ناحية الاتفاق النووي ومن حيث رعايتها للارهاب وحزب الله، وسيقدم مستشاروه الرؤية الاميركية في عهد اوباما والاسباب التي استوجبت التعامل مع ايران واعطائها الضوء الاخضر لتتصرف بحرية في المنطقة كما هي الان، وايضا السماح للشركات الكبرى مثل بوينغ وايرباص لعقد صفقات مهمة وكبيرة معها، وتكمن هذه الاسباب في الرغبة الاميركية لايجاد موطيء قدم لها في اسيا والاقتراب كثيرا من غرب التنين الصيني، وهي ستراتيجية قائمة على دراسات الخبراء التي ترى ان الصين وبعد مايقرب من عقدين من الزمن ستشكل تهديدا جديا وخطيرا على الاقتصاد والهيبة الاميريكية، وان مسالة احتواء التنين الصيني مسالة مصيرية بالنسبة لمستقبل اميركا، حينها سيكون عليه التفكير كسياسي وكرئيس لاميركا العظمى الاستثنائية وليس كمرشح للانتخابات، وسيكون قراره حاسما في احد خيارين اما الصين واما ايران؟..

وعلى عكس هذا الملف فان ما توعد به تجاه الارهاب وداعش فانه سيمضي به قدما حتى النهاية رغم ممانعة اللوبي الصهيوني الذي سيفقد حلقة مهمة من مخططاته لاسباب واقعية وواضحة، فالشعب الاميركي ومنذ احداث 11 سبمتبر وعلى مدى عهدين متصلين للجمهوريين والديمقراطيين مازال يشعر بالتهديد والقلق من الارهاب، ويشعر أيضا بخيبة الامل من قياداته السياسية التي يعتقد انها فشلت في مكافحته ورد الصاع والاخذ بالثأر ، والحروب التي خاضتها في افغانستان والعراق لم تكن مجدية وكان ثمنها باهظا ايضا، في نفس الوقت الذي سيظهر ترامب فيه بطلا اميريكيا حقيقيا لا ديمقراطيا ولا جمهوريا، اذا ما نجح في مخططاته الرامية بتجفيف منابع الارهاب ومحاصرة داعميه ودفع دول الخليج والسعودية تحديدا والتي اعتبرها الراعي الاكبر للتكفير والارهاب الى المشاركة ماليا وميدانيا في مكافحته، ووفق هذه الفكرة ترى مصر ان ترامب سيكون شريكا جيدا لها في صراعها مع الارهاب خاصة وانه قد عبر عن رغبته لاقامة علاقة طيبة مع السيسي، وتطمح مصر الى ان تشمل جهوده تلك منطقة سيناء التي تعتبر تحديا قويا تواجهه وبشكل يومي ومؤثر على استقرارها وعلى عجلة التنمية فيها..
سوريا والعراق ولبنان هما الساحة التي سيبرهن ترامب من خلالها على صحة وعوده تجاه الارهاب، ووفق رؤيته الحالية فأنه يرى ان بقاء الاسد مع انهاء داعش ضامن اكيد لاستقرار سوريا، مثلما اعتبر ان الابقاء على نظام صدام والقذافي كان كذلك، (يشار هنا الى ان ترامب كان احد الممانعين لغزو العراق).. الا ان الملف العراقي واللبناني اكثر تعقيدا من الملف السوري، وجميعها ترتبط بايران بشكل مباشر والتي يرتبط ملفها بملف الصين ايضا، فاذا ما اراد الضغط باتجاه انهاء حزب الله فهذا يعني خسارة ايران، وايقاف ستراتيجية محاصرة الصين، ومن ثم الخسائر المتوقعة للشركات الغربية الكبرى التي ارتبطت بمصالح داخل السوق الايراني.. يجب ان نلاحظ هنا، ان تأثيرات المد الايراني في المنطقة، سواء الميليشيات المنتشرة في العراق او الدعم الكامل لحزب الله، لا تشكل تهديدا خطيرا للامن القومي الاميركي على عكس مسالة داعش والارهاب التي سيشكل القضاء عليها نصرا كبيرا لترامب وربما سيغير حتى من نظرة الاوربيين اليه، بل ونظرة العالم اجمع.. وملاحظة اخرى ان بقاء الاسد مع نهاية داعش هو نصر أكيد لايران ايضا، لذلك فان الكفة في هذا قد تسير لصالح ايران بالمضي قدما في تعزيز العلاقات معها مع بعض الضغط للحصول على مكاسب هنا وهناك أو قد تكون مالية كثمن لهذا التعاون..

أما الوضع العراقي، فان هناك من يعتقد ان ترامب سيلغي ما كان مخططا للعراق في العهدين السابقين وانه سيعطي الفرصة للقوى العلمانية والمدنية لقيادة البلاد، وسينهي سيطرة الاحزاب الاسلامية معتمدين في هذا على عنصرية ترامب وحقده على الارهاب الاسلامي، غير ان وضع العراق اعقد بكثير من هذه الصورة البسيطة، والمشكلة في العراق ليست سياسية فقط بل اجتماعية دينية، وارتباطاتها متشعبة الى خارج الحدود اكثر مما هي في الداخل، واي تصحيح للوضع في العراق يجب ان يكون جزءا من تصحيح شامل للمنطقة، ولذلك والاكثر احتمالا ان عنصرية ترامب الواضحة قد تدفعه الى اهمال هذا الملف او دفعه الى مراتب ثانوية بعد تحقيق الهدف الاهم وهو القضاء على داعش، وحتى اذا ما جرى الضغط على ايران والخليج وتركيا لايقاف تدخلاتها في العراق وهذا هو احتمال متوقع، فليس مهما لاميركا بعد ذلك اذا ما استمرت الاوضاع على حالها من عدم استقرار ومن سيطرة الميليشيات والعصابات على السلطة ، مادامت لن تصل تاثيراتها الى الغرب، وما دامت ايضا تخدم امن اسرائيل، وسيتحول الوضع العراقي الى وضع شبيه تماما بلبنان، وهو الامر الذي سيلقى قبولا من اطراف دولية واقليمية عدة كما هو الحال اللبناني الان..
اما فيما يخص دول الخليج، فمن غير المتوقع ان تفرط اميركا بعلاقاتها معها وتهديدات ترامب لها ليست سوى ابتزاز وعملية تحضير لنظام علاقة جديدة قائمة على تقديم الحماية مقابل المال، فكل شيء بالنسبة لرجل الاعمال ترامب مقابل ثمن، هذا لايعني ان دول الخليج لم تقدم سابقا ما طلبته اميركا منها، واموال الخليج اساسا مخصصة لانعاش الاقتصاد الغربي والاميركي تحديدا عبر صفقات الاسلحة التي غالبا ما يرى المراقبون ان بعضها خارج الاحتياجات الحقيقية لها، والسعودية وقطر والكويت والامارات تشاركت بدفع تكاليف غزو العراق، غير ان ذلك كان تسديدا لفاتورة حساب وليس استثمارا طويل الامد كما يطمح ترامب الان، هذه العلاقة بأسسها الجديدة ستكون واضحة ومقرة وهي افضل لدول الخليج، التي كلما دفعت اكثر كلما حصلت على حماية اكبر لتعزيز موقفها في المنطقة، ومهما كانت الكلف والاموال التي تدفع فانها لن تؤثر على امكانياتها الى الحد الذي يجعلنا نتصور افقارها، الا انها بالتاكيد سوف لن تتمكن من التصرف كما هي عليه اليوم سواء سياسيا ام اقتصاديا..

قضية واحدة ستبقى مهملة كالعادة وهي القضية الفلسطينية، ورغم وعود ترامب بنقل سفارته الى القدس، وهو احتمال قابل للتنفيذ، الا ان ذلك سيدفع بالاوربيين الى الايمان بعبارة الرئيس الفرنسي عن فقدان اليقين، وهي تعني ان لاثوابت ولا مواثيق ولا نظم ولا اتفاقات من شانها ان تكبح جماح الزلزال الاميركي الهائج، ويدفعهم هذا الموقف (وبالتاكيد المواقف الشاذة الاخرى التي سترافقه) الى البحث عن نظام عالمي جديد يحقق اعلى قدر من الامن والاستقرار حتى للدول التي تسمي نفسها اليوم بالعظمى..
لقد دفع بوش بعد احداث 11 سبتمبر العالم الى الخضوع عبر عبارته الشهيرة( اما ان تكونوا معنا او ضدنا) واليوم يفعلها ترامب باسلوب آخر، فهو يهيء العالم الى تقبل الارادة والرغبات الاميريكية دون نقاش وبثمن مدفوع.. ولكن ماهي تلك الرغبات؟.. هذا ما ستكشفه لنا الاشهر القادمة..

لا تعليقات

اترك رد