فوكوياما وظاهرة ترامب في الحياة السياسية الامريكية !!

 

Trump and American Political Decay After the 2016 Election
Francis Fukuyama
Foreign Affairs ,November , 9 , 2016

في وقت متاخر الى حد ما خلال انتخابات التصفية لتسمية مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري كتب المفكر المعروف فرانسيس فوكوياما مقالة مهمة تحت عنوان ” American Political Decay or Renewal , The Meaning of the 2016 Elections ” أشار فيها الى تصاعد ظاهرة الشعبوية والخطاب السياسي الشعبوي الذين أصبحا سمة متأصلة في الحياة السياسية الامريكية ؛ الشعبوية وفقاً لفهم فوكوياما هي اضطرار النخب السياسية الى تبني خيارات سياسية تلاقي رواجاً على مستوى القواعد الشعبية رغم ان هذه النخب لاتميل الى هذه الخيارات . وفقاً لرأيه فان تعقيدات العالم في عصر العولمة تجعل من غير المحتَّم على المصوتين ان يتجهوا دوماً للخيارات الصائبة . غير ان النخب ذاتها لاتنتجه بدورها وبشكل محتّم ايضاً نحو الخيارات الصائبة . الشعبوية وفقاً لفوكوياما ليست سيئة او جيدة في حد ذاتها . في اوروپا قادت السياسات الشعبوية خلال الثلاثينيات من القرن الماضي الى صعود الفاشية وعلى العكس كانت الشعبوية هي سر نجاح سياسة روزفلت الاقتصادية المعروفة باسم New Deal والتي اخرجت امريكا من الكساد العظيم . وخلص فوكوياما في مقالته تلك الى ان النظام السياسي الامريكي يعاني من ضمور وتراجع بنيوي ، وهذه حالة عصيّة على العلاج مالم يتوحد الغضب الشعبي مع قيادة حكيمة وسياسات جيدة ، وهو امر لم يتاخر عليه الوقت كثيراً .

نغمة التفاؤل التي أنهى بها فوكوياما مقالته السابقة تبددت مع فوز ترامب ، هذا الرجل الذي جاء من اللامكان بطريقة غير مألوفة ليفوز متحدياً جميع استطلاعات الرأي حتى اخر ساعة . كان ذلك أمراً صادماً ومذهلاً وخلط جميع الاوراق والتوقعات .. لكنه في النهاية نتاج مجتمع يعيش في ظل ديمقراطية راسخة ولكن يبدو ان طبيعة ومستوى واليات هذه الديمقراطية هي ما قاد ، نتيجة تراكمات طويلة ، الى مثل هذه النتيجة .

من المؤكد ان ترامپ قد اصبح رئيساً لدولة تمتلك مؤسسات عريقة راسخة تبني مواقفها وآرائها على أفضل ماتوفره العلوم في كافة حقولها ، بل يمكن القول انه ما من مؤسسات دولة في العالم تتوفر لها من موارد المعرفة ووسائل العمل التي تُمارس عملها بالاستعانة بها مثلما هو متاح في الولايات المتحدة ؛،هذه المؤسسات هي الدولة الحقيقية وهي التي تصوغ القرارات والخيارات السياسية وفي نهاية الامر يبقى الرئيس مهما بلغت قوته أسيراً لوجهات نظرها ؛ تبلغ هذه المؤسسات من القوة حداً وصفها فيه هنري كيسنجر بانها السلطة الرابعة غير المنتخبة الى جانب السلطات الثلاث المعروفة . من هنا يمكن القول ان العطب الذي يمكن ان يكون قد اصاب النظام السياسي الامريكي قد اصاب بدوره هذه المؤسسات وبالتالي فان امام الرئيس الذي جاء ثائراً ضد النظام السائد الذي وصفه بالفاسد والذي لا أمل فيه مهمة ثقيلة للغاية . عليه ان يمتلك البرنامج وعليه ان يمتلك الموارد ، فهل يمتلكها ترامب ؟!

نتابع مع فرانسيس فوكوياما مناقشته الموجزة محدداً قضيتين أساسيتين باعتبارهما المؤشر لما هو قادم مع الادارة الجديدة .. لنتابع المناقشة …

شكل الفوز المبهر لدونالد ترامب في السباق الى الرئاسة الامريكية في الثامن من هذا الشهر ودليلا واضحاً على قدرت تحفيز وحشد الطبقة العاملة البيضاء ( المقصود هم متلقي الاجور الذين يشكلون جوهر الطبقة الوسطى الامريكية ) التي اخذت تعاني من قلة التمثيل والتهميش ؛ افلح ترامب في دفع اجندة هذه الشريحة الاجتماعية الى اعلى سلم أولويات البلاد .

عليه الان ان يتعامل مع هذا الامر خاصة وانه حدد زاويتين مهمتين تمثلان مشكلة حقيقية في النظام السياسي الامريكي : تزايد ظاهرة عدم المساواة التي آذت بشكل خاص الطبقة العاملة الامريكية وهيمنة مجموعات الضغط ذات التنظيم الجيد على النظام السياسي . لكن هل يمتلك ترامب خطة للتعامل مع الامرين ؟!

لقد أدت عملية التقدم الحثيث في مجالات التقنية وظاهرة العولمة الى تفاقم ظاهرة عدم المساواة . أدت العولمة بشكل خاص الى تعريض عمال الولايات المتحدة الى المنافسة مع مئات ملايين من العمال حول العالم ، وقد أسرف ترامب في قطع الوعود بإعادة فرص العمل ثانية الى البلاد في العديد من القطاعات الصناعية وذلك من خلال اعادة فتح ملفات اتفاقيات التجارة الحرة مثل NAFTA او بالتنصل من اتفاقيات المناخ واعادة الاعتبار للفحم ؛ أغفل الرجل حقيقة ان القطاع الصناعي الامريكي قد شهد توسعاً منذ كساد عام ٢٠٠٨ رغم ان الوظائف في هذا القطاع قد تقلصت . القضية ببساطة تعود الى دخول الاتمتة في القطاع الصناعي بشكل متزايد ، كما ان تقليص الاعتماد على الفحم لم يأتِ نتيجة سياسات الرئيس اوباما بشان الفحم بل باتجاه الصناعة الى التوسع باستخدام الغاز .

اذن اي من السياسات التي بوسع الادارة الجديدة اعتمادها لعكس هذه الاتجاهات الاقتصادية-التقنية . هل بوسع الادارة ان تقوم بوضع قيود على استخدام التقنيات الجديدة وهل سيكون بوسع ترامب فرض قيود تحدد من قدرة الشركات العابرة للحدود بالتوسع في الاستثمار خارج الولايات المتحدة في الوقت الذي تشكل الاسواق الخارجية مصادر الربح الرئيسية لهذه الشركات .

السياسة الوحيدة التي تبدو واقعية وممكنة في ظل هذه الظروف هي وضع ضرائب تمييزية والتي ستقود الى نوع من الحرب التجارية كما ستكون على حساب وظائف في قطاع التصدير لشركات مثل آپل وبوينغ وجنرال الكتريك .

اما بخصوص مشكلة جماعات الضغط التي تهيمن على اداء الحكومة الامريكية فهي مشكلة حقيقية ؛ ان شخصية ترامب ذاتها تمثل نوعاً من الحل الأولي : شخص لديه قدر من الثراء يجعله غير قابل للرشوة من قبل المصالح الخاصة .واذا ما وضعنا جانباً حقيقة انه شخصياً قد استغل هذا النظام لمصالحه الخاصة ، فان نموذج الرجل الغني القادر عن عزل نفسه عن جماعات المصالح الخاصة لايبدو حلاً قابلاً للاحتذاء دائماً . صحيح انه اقترح بعض الحلول مثل انهاء ظاهرة الباب الدوارة التي تؤمن تبادل الأشخاص بين اللوبيات والوظائف العامة ، لكن هذا يمثل فقط نوعاً من مكافحة توسع الظاهرة دون الغوص الى جذورها . لن يكون علاج هذه الظاهرة دون اعادة النظر في قرارات صادرة عن المحكمة العليا تبيح الحماية لاستخدام المال باعتباره نوعاً من حرية التعبير يؤمن له الدستور الحماية المطلوبة .

ان صدمةً خارجية قوية وحدها قادرة على احداث الإصلاح المطلوب للنظام الامريكي المتجه للحضيض . صدمة كهذه من شانها كسر الجمود الحالي وتفتح الباب امام إصلاح حقيقي . ان انتخاب ترامپ يمثل شكلاً من الصدمة ولكن للأسف فان كل مالديه هو الخطاب الشعبوي ذو الطابع المتسلط وبعبارات من نوع : ثقوا بي ، القائد الكاريزمي ، سوف أقوم بعلاج مشاكلكم .
ان التراجيديا الحقيقية في هذا الواقع هو انه فرصة تمر دون إصلاح حقيقي

لا تعليقات

اترك رد