صافنون

 

جمهرة من البيوتات القديمة، قاطنوها، أراذل الناس في عيون البرجوازيين.. ولا أحد يأبه لمثل هذه الرؤية، حتى أولئك المرئيون والمعنيون بها، والأسلحة في أغمادها قد علاها الصدأ.

قامةُ البيوتاتِ تنتصب على ضفاف زقاق يشكو ظلمته وتعرجه، وأنا قد صددتُ إلى زاوية تسعين منه، وأخفيتُ جسدي بأكمله فيها، إلا عينيّ ورموشهما وخصلة شعري المتمردة، تركتها تطل، تفتش في ثنايا مسرح الزقاق الضيق.. تنبش في عمق ما يدور فيه من مشاع فتاك، بل وأذنيّ، منحتهما الفرصة لترتيب الكلمات والضحكات والبكاءات، التي تسترقانها، علهما تدركان معنى أن يقف معول آلي جبار على سقف (الساباط) (2(، فيستأصلها قسراً.

– سنشيد هنا شارعاً جديداً.
– لكن..
– لا مجال للاستدراك.. هيا..

ولم يظفر عقلي بفهم ما، والغربان من بُعْدٍ تنعق، ومثل الذي ينعق بما لا يسمع، صم بكم عمي لا يعقلون.. لكن حقاً لم تسمع لكنها تنعق؟، لا أعلم، سوى أن عقلي الآن بدأ يرسل إشارات إلى بعض أصابعي كي تتشبث في أحجار الزاوية حتى الإدماء، وبعضها الآخر يحك في جانب جمجمتي حتى النخر، وعيناي الدامعتان تنتقيان من الواقفين هناك، البكّائين تحديداً، وتبكي معهم.. رجال، ونساء، وأطفال، وجدران، وقطط، وطيور، ودجاج.. أيادٍ مسدلة، وأجنحة مفترشة الجو لا تأتي بهواء، وآخرون عابسون متسلطون يلقمونها خيبة وحسرة.

هناك من المحدقين مثلي، جاحظة عيونهم، فاغرة أفواههم ، لكن أجسادهم ليست مخفية، تتمايل قلوبهم مرة هنا، ومرة هناك، بل تتذبذب عقولهم لا إلى هذا ولا إلى ذاك.. تتدلى بخيوط رفيعة، تُقْطَعُ من هنا لو شُدَّتْ، وتُشّدُّ من هنا لو ارتخت.. يوافق هؤلاء حفاظاً على تراثهم وأصالتهم، ولمتطلب الحضارة المثير، المغري، المدهش، الذي لابد لهم من ترجيحه، يوافقون أولئك.

أتمزق وحدي في زاوية تتمزق معي: من تراه يصرح بالإزالة، والتشريد؟

وسؤال آخر يشاغبني: وهل يجدي أو يفي التعويض المالي؟.

ففي كل يوم تكتنفني روح هذا الزقاق، بل وقلب هذا الساباط، بكل ما يحمله من قوام طيني عطر، وسقف خشبي رحيم، وغرفة دافئة تعلوه، وظل ساخن يتركه على ناصيتي، يخفي صوت الأنين.

– فهل أستطيع، انتزاعي منه؟

أبي مَشْهَدَ الرحمة تحت سقفه الحاني، حين لاذ إليه بالأشيب المتكئ على عصاه، ووقاه انزلاقه في المطر ونزلات البرد.. وأمي مَسْرَحَتْ اللطف هناك، حين لاذت بأخت قريتها الكفيفة إلى ظله الوارف، وَقَتْها وهج الشمس، وسامرتها، بيد سخية الحنو.. بل بهذا السقف، عمي وخالي وصديقاهما وجاراهما، جسدوا معنى الترابط وتبادل المنفعة بكل مساراتهما، بأن تركوا جذوعه تتكئ على جدرانهم جميعاً، فتزداد مساحة بيوتهم للحاجة القصوى، وتزداد مساحة قلوبهم لقبول بعضهما بعضاً… وأنا وأختي أكدنا على ذلك كله، عندما اجتذبنا أطفال الجميع تربينا، ولعبنا والعصافير تمرق بنا، وتمطرنا بهجة وسروراً.. وهكذا.

الاهتزاز الآن، يطفح فوق جلدي، يفتك بكل ما بي، من اتزان ورؤى، وعيناي من بين الشقوق الطينية، التي تكمل سورة الخوف من المقبل المجهول، لا تستأذنني لمسح ما يجول هناك، كما هي أذناي.

أسترق النظر للمعول الضخم، وأنصت إلى عويله بين دفات قلبي والزقاق.. أرمقه، يقضمها ويصرخ والمتجبرون:

– شارع واسع.. وربما طريق سريعة.

ولا فائدة ترجى، فقط تصفعني أهدافهم، يبدو أني ما زلتُ صغيراً أضمر في قلبي معولاً آخر، بل تحتشد فيه طوابير معاول خفية، أذخرها ليوم ما.

– لكن لِمَ لمْ أستخدمها الآن؟..

– وهل تفي هذه المعاول للفتك.

أفكارهم واحدة، تسير في اتجاه تصاعدي بالنسبة لهم، وبالنسبة لي اتجاهها انحداري.. تتوارى عنهم، لكنهم لا يتوارون عنك، لا يتوارون حتى عن سوأتك!..

أراد رجلٌ أن يرتمي بين أحضان المعول، صرخت النساء بشراهة، صرخت الأطفال معهم، صرختُ أنا في فوهة الجدار المغبرة.. أخرج بقية الرجال الارستقراطيين أعمدتهم من أغمادها (إياك أن تفعل)، فتوقف كالبيوت التي تُلتَهم أجزاؤها بفم جاسر ولا تتحرك، والسماء لا يعكر صفاءها شيء، والنسيم العليل الآتي من النخل هادئ لا يزلزله أمر، والشمس، تحرق كل الأجساد التي تطؤها سواء أكانت برجوازية أو رذيلة، وتباً لكل مقولة لا تقدر الآخر أحسن تقدير.

الحياة تجري في الحرب والسلم، كما هي الأفكار.. ولا يضمر في الشمس إلا ظل القامة القصيرة.. (ونحن أقزام في هذه الحياة.. نَضْمُر في غوغائها، وإن أُصبنا بالغثيان).. هذا ما أستوعبه الآن، في زاوية التسعين الرملية، والمسرح فيه وابلٌ من البلاءات واللعنات، وتحسُّبات ترفع إلى السماء، علها تصيب الخاسرين بحجارة من سجيل.

تحولت أرضية المسرح إلى مشاهدين ليس إلا، مثلي، وكلنا نحترق فقط، لن يقاوم أحد المعول، ولا الأفكار، ولا الشمس، ولن يبطش أحد بأحد، لا صاحب الكرسي ولا من يداس تحته، رغم أن الأسلحة ما زالت تلوح في الهواء، تتلاعب بهم، كما تتلاعب الألسن بماء أفواههم.

– اللعنة.. كيف وصلوا إلى هذه الحال؟!!.. فقد تحولت قوى القرية كلها، إلى قوى خيوط العنكبوت.. فقط مصطفة أقدامهم بكاؤون.. ولم تدرْ سوى رحى الجرافات تطحن سقف الساباط بما فيه، بل وتطحن سقوف كل سوابيط القرية، حتى تفرقت البيوت، وتفرق أهاليها، وتفرقت أنا والزاوية، وتفرقت معنا العصافير التي كانت تمطرنا بهجة وسروراً.. ولم يشيد شارع أو طريق منذ عام 1386هـ.

_____________

هوامش
صَفَنَ الرجل : صَفَّ قَدَميه.
الساباط: طريق ضيق مسقوف بالجذوع على البيوت الطينية

لا تعليقات

اترك رد