الذكاء العاطفي ودوره في تنمية الدافعية المعرفية لدى الأطفال


 

للذكاء العاطفي دور كبير في الاهتمام بالعملية التفاعلية بين الأفراد وصولا إلى تحقيق مرتكزات معرفية وتربوية في ذهنية الطفل, ولمّا كان الذكاء يرتبط بالأخلاق ارتباطا وثيقا كما قال (ثومسون) من خلال ضبط النفس والقدرة على الاحتمال، فقد أكد (بياجيه) على استثمار (الذكاء الاجتماعي) لتنمية المفاهيم الأخلاقية للأطفال واستيعاب مقترحاتهم ورؤاهم لبعض الجوانب الأخلاقية فيها ، ولما كان مفهوم (بناء الذات) يُعدُّ من مرتكزات (الذكاء العاطفي) فقد اُعتبرت (الهوية) وسيلة لإقناع الآخرين بأنهم يملكون خصائص معينة يمكن استثمارها لرفع مستوى الدافعية المعرفية لدى الأطفال من خلال تعزيز القيم الذاتية لديهم وبذا نتمكن من إقناع الأطفال بان يقدموا أنفسهم تقديما علميا وتربويا أفضل مما هم عليه ، وذلك ناتج من خلال شعورهم بان الذات المعرفية لديهم هي جزء من تكوينهم اﻹنساني والوجودي حتى يزدادوا قناعة بأنهم ملائمون للمجموعة التي يتفاعلون معها .

أن تفجير قدرات (الذكاء الكامنة) لدى الطفل تجعل التركيز لديه على بؤرة الشعور الأولى لديه لا سيما في مرحلة تكوينه المبكر, وهي المرحلة التي يتعامل فيها مع مستجدات المعرفة والتقبل لديه ، حيث يجبر الطفل نفسه وكما قال(سبنسر) على أن يتكيف تكيفا صحيحا مع بيئته , فيزداد تفهما في مرونة التعامل حتى يزيل تعقيد البيئة المحيطة به ، لاسيما إذا كانت بيئة غير واضحة في المفاهيم المعرفية والتربوية والاجتماعية.

إن استثمار القدرات الكامنة في الذكاء العاطفي يتطلب منا كمربين أن نفهم المتغيرات المعرفية من مكان إلى آخر ومن جنس إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى , وكما يتطلب منا توضيح منهجية التعامل مع الطفل التي تختلف كليا مع منهجية التعامل مع الراشدين ، فالذكاء هو القدرة على التعلم بأي شكل كان، وبأية طريقة كانت مع ربطها بمفهوم التحصيل المرتفع للحصول على ذكاء مرتفع والعكس صحيح , فهو – اي الذكاء – في كل الأحوال طريقة صحيحة للوصول إلى القدرة على اكتساب الخبر والمعارف والإفادة منها في تحقيق التكامل المعرفي والتربوي لدى الطفل ، وهذا ما تسعى إليه المؤسسات التربوية وما تريد أن تغرسه في نفوس الأطفال ، لهذا كان واجبا على المربين أن يبحثوا عن أفضل الوسائل الناجعة من اجل تطوير العملية المعرفية لديهم وتحديدها وتسهيل مهمة تقبلها لدى الأطفال وصولا للهدف المنشود.

إن التأمل الذاتي كوسيلة تربوية حديثة يسهم في تسريع عملية التعلم وتحسن دافعيته مستقبلا وتطوير مهارات الطفل وتذليل العقبات التي تواجهه وتمكنه من تولي دورا أكثر فاعلية ونشاطا˝ في فهم الحاجات المعرفية لديه ويساعده في الوقت نفسه على سرعة التواصل مع مكونات البيئة الاجتماعية والتفاعل الجاد مع المعلم والاستفادة من الخبرات الكامنة لديه.

ان الطفل في سنواته الأۥول يحتاج إلى معرفة كنه المشاعر الكامنة لديه وأسبابها ودورها المؤثر في مسيرته واثر ذلك على قيمه المعرفية في التعلم , فالأطفال الذين لا يفرقون بين الشعور بالقلق والغضب والخوف والوحدة والجوع والعطش يكونون أكثر إصابة بمشكلة الفهم ومعرفة المشاعر، فالمعلم هو الأقرب لهم في توضيح المشاعر من خلال تنمية الوعي بالذات لكي يساعدهم على اتخاذ القرار في الخروج من أية ورطة يقعون فيها , فلهم القدرة على التحكم من خلال المعرفة التي توصلوا إليها، حيث أصبح من السهولة بمكان أن يتعامل الطفل مع المشاعر التي تؤذيه وتزعجه، بل وله القدرة على تغيير مسارها بالاتجاه الايجابي الذي يفيده من خلال تنمية دافعية الانتباه والتركيز وتوفر قدرة القرار والحل واستخدام البدائل، حيث ان دافعية التعلم لا تُلاحظ بشكل مباشر لدى الطفل وإنما يُستدل عليها من خلال جملة مؤشرات سلوكية وتربوية تصدر عن الطفل إثناء المسيرة التعليمية ومن خلال انهماك الأطفال وسعيهم الحثيث لتسهيل مهمة التعلم وتقديم النتائج المطلوبة وانطلاقا من ذلك فانه لا أحد يستطيع ان يحدد هذه الدافعية الكامنة وإنما يتم الوصول إليها من خلال استقراء النتائج من معرفة ومتابعة القوى المحركة لسلوك الطفل والمثيرة لكل اهتماماته وانتباهاته ومن خلال الحماس والمثابرة على التعلم.

إن دافعية الهدف تدفع باتجاه التواصل المعرفي والتشبث بما هو مطلوب من المسيرة المعرفية، ولابد لنا ان نستذكر في هذا المجال ما قاله (كولمان) : بان الذكاء العاطفي متعلَّم وان التعليم يبدأ منذ السنوات الأول في الحياة وبعدها يستمر والدافعية المعرفية هي التي تواصل هذا الاستمرار بل وتزيد من استثماره .

ان استجابات الأطفال ترتبط أساسا بأسلوب الوالدين في التنشئة وخاصة فيما يتعلق بالتدريب على النظام، وكما قالت (ماريان) : بان تعاطف الأطفال وتفهمهم لما يعانونه من ضيق ينمِّي لديهم محصلة الاستجابة والتعاطف مع الآخرين وتقدير المشاعر والحرص على التخلص مما يعانون من ضيق وإشكال.

لقد أكد (سالوفي) على ان كل طفل يولد مع بعض القدرة للحساسية الانفعالية والقدرة على التعلم العاطفي لان إمكانية الفطرية يمكن ان تتغير او ان تُصاب بالضرر وان هذه القدرة امَّا أن تتطور نحو الأفضل أو أن تتضرر بخبرات الحياة السيئة من البيئة ومن المعلمين الموكلين بتعليمه، حيث أن البيئة

تلعب دورا مهما وخطيرا في التحكم بالذكاء العاطفي والقدرات العاطفية لدى الاطفال، فهناك اطفال يولدون ولديهم قدرات ذكائية عالية لكن البيئة تؤثر عليهم كثيرا بالاتجاه السلبي فتهبط مستويات القدرات الذكائية بسبب ذلك وتبين ان الاطفال الذين يحظون باهتمام عاطفي يرتفع مستوى ذكائهم العاطفي على العكس من الاطفال المحرومين، لهذا فان المعلم عليه إن يعزِّز القيم العاطفية لدى طلابه لكي ينمي فيهم الذكاء العاطفي والذي بدوره يُسهم في تأجيج ونموِّ دافعية التعلم لديهم ويعزز فيهم الرغبة المستمرة على التعلم وحلِّ كل الإشكالات التي تعترض مسيرتهم التعليمية والتربوية وجهل المعلم لهذا المفهوم يعرض المسيرة التعليمية للخطر, فإنها إذا ما تدخلت سلبا في سلوك الطفل فإنها تدمر الذات المعرفية لديه .

إن الطفل في سنواته الثلاث الأول يتأثر تأثرا حاسما بكل ما يحط به فعلا وسلوكا وحدثا حيث يبدأ التعامل المباشر مع الخبرات التي تحيط به وتفرض نفسها عليه , حيث أكد (هيرمان) على ضرورة استعمال مفاهيم جديدة في تصميم الانشطة والمناهج والممارسات لتسهيل عملية التعلم، حيث اصبح بالإمكان تطبيق نظريات جديدة من التعليم والتعلم , نظريات مستحدثة بُنيت على أساس تعزيز شخصية المتعلم وصولا لضخ القيم المعرفية فيه من خلال ربط معاملات الذكاء العاطفي مع مكونات شخصية المتعلم فنتمكن من التنبؤ بالمستقبل المعرفي للطفل في كافة المجالات، حيث ان مكونات الشخصية معروفة من أبعاد الذكاء العاطفي لديه مما حدا بكثير من المؤسسات المعرفية إلى تدريس المهارات الاجتماعية والعاطفية ضمن المناهج الدراسية وكان الهدف من ذلك كله هو مساعدة الأطفال على التواصل مع بعضهم البعض وصولا لترسيخ القيم المعرفية لديهم.

ان العواطف والمشاعر ضرورية لنجاح الشخص في حياته و لابد أن يركز المعلمون على الميدان العاطفي والذي لا يمكن فصله عن الميدان المعرفي، وهذا كله يقودنا الى ان الذكاء العاطفي هو المتنبيء بالنجاح في التحصيل الدراسي وفي النجاح الوظيفي بين الأفراد.

علينا ان نكون واقعيين في تعاملنا مع فكرة المعلومة وطريقة التربية ووسيلة العرض والتواصل مع الطفل , لهذا فإننا ندعو لان يكون معلمنا واعيا ومطلعا لهذه المسؤولية وأهلا لها , وان تكون له القدرة على ان ينجح في تحقيق الغاية التي جاء من اجلها على شرط ان تساعده في مهمته الخطيرة هذه المناهج والفلسفة التربوية ورؤاها للقيم المطروحة والتي تعمل على ترسيخها، وهذه مسألة مهمة وخطيرة غابت عن أذهان مخططي العملية التعليمية وتوارت أيضا عن مضامين المناهج التربوية التي لم تتبدل فيها غير نوعية الورق والألوان والطباعة الجيدة .

لا تعليقات

اترك رد