الهروب الى أمام

 

انهمك الكثيرون ، كتاب ومثقفين ومهتمين منذ بدء الحملة الأنتخابية الأمريكية التي انجلت عن فوز المرشح الأميركي (( جمهوري أو ديمقراطي – سيان بالنسبة لنا )) ترامب ، فقد انشغلوا بهذا الموضوع بالتناول والتفسير والتحقيق واطلاق الآراء والتكهنات والتوقعات ، وعقد الآمال على ما ستأتي به الأيام ! .

هذه كغيرها من عاداتنا حين نزمر أو نجري خلف ايقاع الطبول البعيدة ، وتمسي أقلامنا نشيطة وخفيفة (( على حس الطبل )) . ونحن اذ ننشغل بهذا الأمر فأننا نتخطى بذلك سلسلة طويلة لاحصر لها من الأنشغالات والأهتمامات الملحة والواجبة علينا قبل هذا الأمر .

فلدينا : وطن ضاع بين صفحات الأجندات والمطامع والمراسيم السياسية الخارجية والداخلية معرض للخراب والتقسيم أو الزوال ، علينا أن نبحث عنه ونشذب ونهذب ونلمع ملامحه ونسعى لمنحه الوجه المشرق والبريق الذي يستحق .

ولدينا نزيف وشلالات من الدم بشكل يومي سواء على جبهات المعارك المصيرية الباسلة التي تحتمت علينا والتي يخوضها اخواننا وابناؤنا أو على صعيد الهدم والحرق والتفجير والتفخيخ والقتل اليومي الذي يتسلل الى كل العراقيين بلااستثناء .

تحلو لنا متابعة الهروب الى الأمام بعيدا عن معضلاتنا ومشاكلنا الحقيقية ، لنخرج بعيدا بأناشيدنا التي نراها جميلة وصداحة . فنرسم مانراه من متخيل الكلام وخرافات الأشياء ، ونرسم تنظيراتنا بناء على ذلك .

نهرب عن الوطن المسروق والوعي المستلب والتطبيل والنظر بشكل مموه مضلل للأشياء . نهرب من محاولات صرف الأنظار لأجل الأيغال في تخريب عمق جذورنا وتمزيق شراييننا . نهرب من حكاية أراضينا المستلبة ونسيجنا العراقي الذي تم تحويله الى مجموعة من نزاعات وتناحرات واقتتال .

نخفي ونتجاوز علاقاتنا الصميمية . . ماضينا – حاضرنا – مستقبلنا .

ندفن موتانا ونحن نبتسم ، ندفن عميقا آبائنا الذين ذهبوا محطمي القلوب والوجدان ونذري ترابهم على بريق ضوء شمعة ستنطفيء وتذوب عما قليل ، أو بضع كلمات افرنجية نتداولها بين سطور وتتمات الحديث المزوق المبرقع .

ننسى حروبنا ، آباؤنا وأولادنا وأخواننا الذين ضاعوا في فلواتها ودهاليزها ، امهاتنا وأخواتنا اللائي ترملن أو اللائي تسخمن . . عيونهن المجهدة ببكاء العاجزات أو القاصرات ، ووجوههن الملحاء المتربة المغبرة وثيابهن السود أو القاتمة .

ننسى خيباتنا المتواصلة منذ أكثر من نصف قرن ، وننسى نضالات رموزنا الوطنية (( من كل التيارات والنشاطات )) المحبطة والمهدورة بين التعتيم والتشويه والتمزيق والمقابر والزنزانات والمنافي . . ننسى هتافنا ونشيدنا . .

ننسى حزن آباؤنا وأجدادنا واحباطاتهم المتصلة التي رافقتهم الى قبورهم .

ننسى راشد الذي كد وزرع ولم يحصد ، وكل كاسب ومكافح ومجد مجتهد لم يجن من كده وتعبه غير تعب متجدد ومتطور .

ننسى أخلاقنا وديننا (( أي دين كان )) وننسلخ من موازين جمالنا وتأدبنا وعمق أرواحنا وصفاؤها .

ننسى حبيبة روح لم تمكننا الأيام من وصلها أو حبيب روح تدحرج وضاع في الزحام أو الحروب أو المنافي أو القبور .

ننسى كيف تم جرنا بالحبال شيئا فشيئا الى عمق الهوة في رحلة دفننا والتخلص منا على مدى عقود متصلة من الزمان .

ننسى كيف تم تصوير الأمور وتهيئتها لنا حتى طبلنا وهللنا (( مجرد مستقبلين )) لما سمي بال ((مسيرة نحو التحول الديمقراطي )) والحياة المشرقة التي رسمتها لنا أميركا وخطها قلم المشؤوم بريمر ، بعد ان تم تعجيزنا وتركيعنا بسلسلة من الحروب العبثية والنضالات الخائبة والهتافات الكذابة لقواد الضرورة الذين تتابعوا علينا خلال نصف قرن من الزمان ، والحصار القاتل وأساليب التركيع والخنوع والأذلال . لكي يكون هذا (( التحول نحو الديمقراطية ! ! )) هو البوابة لهم لأجل اغراقنا في – الفوضى الخلاقة – أو – الشرق الأوسط الجديد – أو – الربيع العربي – . ولكي يتم استكمال المخططات العالمية في عملية محونا وتمزيقنا وحرق هويتنا الوطنية العراقية واستبدالها بهويات وتسميات طائفية وعرقية ومناطقية وغيرها من التسميات التي كان العراقيون لايعرفونها وكانت بالنسبة لهم هذه التناحرات والأختلافات التاريخية الموغلة في القدم التي وظفها الغرب وعمل عليها مدفونه وميته لايتعامل بها ولايعتبرها او يحسب لها أي عراقي حساب وهي مجرد حكاية يحكيها البعض مع أحاديث (( السعلوة والطنطل )) . هذه الأختلافات التاريخية أيقظها الغرب وعمل عليها جاهدا وقام بتوظيفها وتعميقها وتوفير مستلزمات انعاشها وايجاد رجالها ودعمها وتفعيلها في (( عصر الديمقراطية الجديد والدولة المدنية المزعومة التي خطها بريمر وسفارته )) .

نسينا أين نقف نحن الآن ، وكيف قادنا مسلسل التخريب الى (( داعش )) بوجوه متعددة والى زمر تخريب بوجوه مختلفة . نسينا الوطن المسلوب والخيرات المهدورة عن عمد . . الأرض الخصبة الخضراء التي أصبحت قاحلة ، المصانع التي تم تفكيكها وبيعها في سوق الخردة ، حدود الوطن المستباحة لكل من هب ودب – يسرح ويمرح ويعبث – كما يشتهي ، أصبح العراق سوقا لتسويق كل بضاعة فاسدة وتجارة بائرة ، مئات المليارات من الدولارات في موازنات سنوية انفجارية متتالية لم يلمس العراقيون منها رغيف خبز اضافي أو حائط مدرسة أو ردهة مستشفى أو نظام محكمة أو دائرة أو رعاية أرملة أو يتيمة أو مشرد أو تشغيل عاطل كما كان ينبغي .

ننسى كل هذا ونشطح في خيالاتنا القاصرة الواهنة الى صوت الطبول والضوء والبريق الذي ينهمر ممزوجا بلون دمنا وباللون الكالح لثوب كل أرملة أو يتيمة أو نائحة عراقية في سوق عريبة أو في الكرادة أو الرمادي أو الموصل أو البصرة وكل مكان عراقي ، ذلك الضوء والبريق الذي ينهمر هناك على صالة المناظرات والمماحكات بين ترامب وكلينتون ، وقد يعقد البعض الآمال على أحد منهما ويرى بصيصا من الأمل وهذا كباقي أحلامنا وآمالنا الخائبة . . فتحت تلك القبة التي ينهمر فيها ذلك الضوء نستوحي الجبروت الأمريكي الذي تم اقامته على أشلاء الشعوب المغلوبة المقهورة ، ويتبارى تحت بريقها وجهان من سلسلة وجوه الذئاب الكاسرة التي سيتصدر أحدهم فيها لفترة رعاية وتنفيذ مخططات مرسومة منذ أمد بعيد تم تخطيطها في الغرب من قبل اسرائيل ومحافلها ومن مراجع ودهاقنة ومحافل ساسة أمريكا والغرب جاري تنفيذها منذ عقود علينا ، نحن حملان العرب والشرق الأوسط الأغبياء .

هذا تاريخ أميركا بالنسبة لنا ، وبالتالي هذا تاريخ كلينتون ومن جاء قبلها ومن سيأتي بعدها .

الآن جاء دور ترامب ولن يكون سوى وجه آخر من وجوه الحديث والفعل الأمريكي الثابت ، ليساهم بقباحته وفجاجته من رصف بعض مفردات المخطط الأمريكي التي قد تكون تبعثرت قليلا بعض سطوره .

الأولى والأجدى بنا أن ننشغل جادين وصادقين بالخراب المتحقق لدينا من جراء أفعالنا وتصرفاتنا وسلوكنا وأقوالنا ، فنحن من جر علينا الويلات ، نحن صانعي وعبيد الأصنام والتماثيل الطينية ونحن الذين صنعنا كل الحكومات المتعاقبة ونحن من كنا الى وقت قريب نوميء برؤوسنا للمحتل والغازي لنبحث عن خلاص يأتينا من خلف الحدود ومن صوت الطبول البعيدة ولانجني غير الويلات .

نحن . .

ونحن فقط من يجب أن نسمع طبولنا حيث لن يأتينا الخلاص الا من هنا ، من أنفسنا .

وللحديث بقية .

لا تعليقات

اترك رد