الفنان إبراهيم خطاب و ( إعادة الصياغة لمفاهيم الذاكرة ) ..


 

الذاكرة هى تلك الكلمة المرتبطة بالماضى على إختلاف مداه قصير كان أو متوسط أو بعيد . وهى المرجعية التى تتحكم بالسلب والإيجاب فى الفعل البشرى بشكل عام . وهى الخلفية الضرورية لوجودنا كبشر ، و إنعدام وجودها يدخلنا متاهة عدم الفهم والإستيعاب . بل ويجعل من الدهشة اللاعب الرئيسى فى لعبة ردود الأفعال الخاصة بنا . ويصبغنا بألوان الجهل والبلاهة . فالذاكرة هى حجر أساس بناء الذات فينا . وهى مخزون إستراتيجى للإرتجال لدى بعضنا . كما تؤثر فى البعض الأخر منا وتشكل مستقبله بما فيها من ماضى . وهى صومعة الحصاد الإنسانى بحلوه ومره والتى نكدس فيها ما حصلناه فى السابق من حياتنا من خبرات ومهارات ومعلومات ومواقف ومشاعر . والتى نجترها على الدوام لحاجتنا إليها كمفاتيح إما مؤكدة وإما محتملة الفاعلية لفتح تلك البوابات المغلقة ، والتى لا يخلو طريق كل منا من وجود الآلاف منها على دربه ….. وقد تلعب الذاكرة أدوارا أكثر فاعلية فى حاضر ومستقبل الكثير منا . ولا تقتصر وظيفتها على تلك المهمة اللوجيستية والتى تعد حجر الزاوية لتأصيل الأفعال والأحداث بداخلنا .


بل تتعدى ذلك لدى البعض منا لتكون نقطة الإنطلاق إلى المستقبل من خلال تلك العملية الحسية المسماة ( بإعادة الصياغة للإجترار ) .
وتأتى تجربة الفنان / إبراهيم خطاب . كنموذج يجتهد بإصرار لطرح فن ذو مفاهيمية تعتمد على تلك العنونة ( إعادة الصياغة لمفاهيم الذاكرة ) ، وهى من التجارب التى تمضى إلى هدفها فى هدوء ورزانة غير مكترسة بما يعج به الدرب من عقبات وعوائق . وأرى أن الدور الأكاديمى فيها ربما يكون ذو أهمية ولكنى أراها أهمية تحفها المحدودية الموظفة والتى تقتصر على تحديد الإتجاه وعدم السماح بضلال الطريق . أما دور البطولة فى تلك التجربة هى تلك الذاكرة النشطة لشخص / إبراهيم خطاب الطفل ، وجموح الخيال الذى صاحب تلك الطفولة . والتى يحرص طوال الوقت على إنعاشها والتفتيش فى ثنايها عله يجد تفصيلة أغفل إجترارها . و لا أدل على ذلك من نبرة صوته التى تتأجج شوقا وكأنها تسبح عكس تيار الزمن ليعود إلى فراشه فى الطفولة وعينه السابحة وأذنه التى تتبع حكايات الأب التى كان يتدلل عليه فى سردها قبل أن تغفل عينه . والتى كان لا يشبع منها ولا تشفى غلة العطش الطفولى بداخله للحكايات ، وربما تكون قد سقطت من ذاكرته العديد من تفاصيلها ، إلا أن مقولة الأب التى كانت تعقب نهاية الحكاية كل ليلة والتى مازال يحفظها عن ظهر قلب ” كان فى واحد سائة سائة … ولابس خلجة زرقة … يقلعها ويديرها أأولها لك من أولها ..فيرد ويقوله ..قول.. ” ويظل الأب يكررها وفى خلفية المشهد اليومى المتكرر موسيقى وأغنيات إذاعة الأغانى ……


. على خلفية تلك الطفولة المتزنة أسريا . جائت تراكمية الحكايات وإتخذت أهميتها فى تكوينة / إبراهيم خطاب النفسية والعقلية ، كما لعبت بعض المؤثرات البصرية التى كانت تسجل فى ذاكرة / إبراهيم خطاب الطفل دورا هاما وداعما لذلك الخيال الثرى الذى أوجدته وأسسته حكايات الأب المتراكمة والمفهرسة بذاكرته . كما كان لمروره المتكرر على تلك البقعة من الجدار والتى كانت تلاصق ” ورشة ” ذلك الرجل ” فنى الدوكو ” تلك البقعة التى كانت جدار الإختبار لألوانه المختلفة والمتعددة التباينات والدرجات ، والتى كانت تتراكم عليها طبقات الألوان على مر الزمن بصورة مرادفة لتراكم الحكايات فى ذاكرته ، وربما يكون قد إستطاع أن يوجد ذلك الرابط والقاسم المشترك بينهما . كما أتت عملية الدهان التى كان يقوم بها ذلك ( النقاش / الدهان ) فى تسريب أهمية التقنية فى تركيبة / إبراهيم خطاب ونزعته الفنية المبكرة ، حيث كانت تبهره تلك الطبقات المتراكمة والمؤهلة للسطوح والجدرات قبل عملية الدهان النهائية . كانت تلك العملية المبهرة له فى طفولته وصباه المبكر أحد تلك العوامل المؤثرة والتى شكلت تفهمه المبكر للتقنية وأهميتها فى المنتج ، كما لعبت الحرفية ومهارة الخط العربى لذلك ” الخطاط ” الذى كان يحرص على متابعته وهو يخط على أقمشة الدعاية الإنتخابية وغيرها ، وكذلك على واجهات المحلات التجارية والتى تصنف النشاط التجارى وغيره . وقد أثرت تلك البقعة من الجدار والتى كان الخطاط يخصصها لكتابة ” اليافطات ” والتى تتداخل فيها الحروف والكلمات التى كانت ترشح من الأقمشة بألوان مختلفة . لتصنع من وجهة نظرة تاريخ وذاكرة تاريخ الرجل فى ممارسة حرفته . وقد ولدت تلك الحرفة لديه عشقه للحرف العربى والذى إستطاع توظيفه فيما بعد فى تجربته بخصوصية . وأعتمده كعنصر تشكيلى أساسى فى تكويناته البصرية على مسطحاته التى تطورت من خلال واقع إجتماعى على الأرض وليس من خلال فرضية خيال لدى مبدع كما فى الكثير من التجارب . فصارت تجربته تحمل معها مذاق تلك الذكريات التى تصاحب أفراد محيطه ومجتمعه . وعبق تاريخهم فى تلك البقعة المكانية بمسحات من ثقافتهم وسلوكهم وتباينات درجات تعليمهم . كما حملت جانبا من ذاكرة المكان وتطوره وتعاقب الدورات الزمنية القصيرة والمتوسطة الزمنية عليه ،
received_10202323602886781
ويبقى فى سمات التجربة الفنية لإبراهيم خطاب وعوامل التأثير فيها حادثا هاما أعتبره نقطة تحول ومنعطف هام فى تلك التجربة وقد يبدوا للبعض غير ذو بال . إلا أننى أجده أحد أهم التحولات فى تجربته . حيث كانت تجربته فى البداية قد تبدو حائرة فى وسيط الصياغة لديه ، حيث أنها نمت فى توقيت طغيان للوسائط السمع بصرية وفنون الفيديو والأعمال المركبة . وقد أنتج من خلال تلك الوسائط بعد الأعمال . والتى كان يحتفظ بتوثيق لها على أحد الأقراص الصلبة ” هارد ديسك ” وقد أصاب هذا القرص عطب نتيجة سقوطه على الأرض ولم ينجح فى إستخلاص أعماله من تلك الذاكرة الرقمية . وهنا أدرك أنه قد إصطدم بعائق لم يتعود عليه . فهو يحب الذكريات ويعتمد على ذاكرته الشخصية والإنسانية والتى تسعفه دائما فى إجترار ما يريده منها طازجا . وهنا بدأ يعتمد تثبيت وسيطه من خلال تركيزه على المسطح التصويرى . والذى يعب فقده . ويمكن تتبعه حيث أن طبيعة صموده تعتمد على جودة التقنية التى يتبعها فى تنفيذ العمل . كما أعتقد أن مغريات المنتج التصويرى لها قوتها فى الجذب للمتلقى . كما أنها منحته تلك الصياغة التى حاكت ما رسخ فى ذاكرته من توثيق لمتون الذكريات كما وقعت فى فهمه وطابق مفهومه .
وفى تطرق سريع لما أثمرت عنه تجربة / إبراهيم خطاب من منجز . تأرجح بين صياغة للحروفية بصورة غير نمطية تارة . ومحاولات حثيثة وجادة ومثمرة لخلق صورة معبرة وعاكسة لما يكسو الجدران من أثار لذكريات أحدثها أفراد المجتمع والمحيط . مدعومة بما خلفه الزمن والطقس والمؤثرات المجتمعية والسلوكية الملازمة لأفراد المجتمع . وما إجتره هو شخصيا من ذاكرته ويرى أهمية توظيفه فى مشهده . وقد أتت تجربته فى توظيف الحروفية والتى قدمها فى عام 2007 فى ” قاعات عرض مركز الجزيرة للفنون ” بالزمالك . وقد قدمها فى صياغة موفقة رأيت فيها درجة من الإدراك ، حيث أنه إستخدم الخط العربى وحروفيته المكونة تارة لمتون بعينها وتارة فى مطلق وجودها دون أن تعنى متنا مفهوما . وقد وظفها كبديل عن الخط فى رسم الوجوه ( لبورتريه ) . وقد إستطاع أن يصل به إلى علاقة متزنة بين الحرف والكلمة وبين تعبيرية الوجوه التى صاغها ، وقد نجح فى ذلك التوظيف بما جاء فى منجزه وخاصة تلك الوجوه التى تمثل العديد من المشاهير . كسيدة الغناء العربى ( أم كلثوم ) والقيثارة ( أسمهان ) . وغيرهما . وربما لم تبرز تلك المرحلة ممارسته الواضحة لما يجول فى أمنيته من إيجاد مشهد يرادفها . ولكنه إستطاع فى تلك المرحلة السيطرة على الحرف وتطويعه وتوظيفه كعنصر تشكيلى بصورة جيدة .
received_10202323441042735
ثم تأتى تجربته لمحاكاة تلك الجدران المحملة بزخم تلك الملصقات والمتون والمعبرة عن ذلك الحلم القديم الصاخب والمزدحم دون الفوضى فى عقله وذاكرته . وهى التجربة التى عرضها فى العام 2015 بقاعة ” أرت لونج ” للفنون بالزمالك . أتت تلك التجربة بدفقة ناتجة عن قراره بإيجاد منجز يعبر عن تلك الآمال القديمة والقابعة فى ثنيات الذكريات لديه . وقد مكنه الوجود بمنطقة ( أرض اللواء ) والتى يقع فيها الأستوديو الخاص به . من التواجد فى ذلك الأتون المجتمعى الحقيقى والذى يعكس واقع جغرافى يضم خليطا مجتمعيا متفاوت الفروق الفردية على كافة المستويات . وكانت مصادفته لأحد أصحاب المحال وهو يحاول إزالة بعض الملصقات الإعلانية المجاورة لمحله والملاصقة له . والتى تارة تحمل إعلانا عن إفتتاح محل بعينه . أو إعلانا لوظيفة أو مركز للدروس الخصوصية….إلخ من تلك الموضوعات التى تزخر بها الملصقات على معظم الجدران فى مثل تلك الأحياء . وقد لفت نظره تلك الحالة التى كانت عليها تلك الملصقات والتى كانت تحمل آثارا من ملصقات سبقتها على نفس الجدار والذى غالبا ما يكون فى بقعة يتعرض لها أكبر عدد ممكن من المارة . ومن أتت الفكرة وتأججت فى عقله و صادفت التشابه مع مخزونه من الذكريات عن الجدران . وقد جاء هذا العرض ليعبر عن حالة لها من الأهمية الكثير . فهى تعكس نوعا من ثقافة المجتمع فى تلك المنطقة وكذلك بعض السلوكيات والافكار والتوجهات المستنبطة من خلال تلك الكتابات التى يهوى البعض من المارة من تسجيلها على تلك الملصقات . كما جائت لوحاته حاملة نمطا من الزخارف الشعبية البسيطة والمكررة والتى تستعمل بغرض الزخرفة المنتظمة والتى يحدثها بعض هؤلاء الذين يقومون بطلاء تلك الجدران من حين لأخر . وقد ركز / إبراهيم خطاب فى تلك التجربة على تلك التأثيرات ونجح فى إظهارها بصورة تحاكى الواقع . وتظهر مهارته فى المعالجة التشكيلية لتلك التأثيرات لنجدنا أمام إحدى اللوحات التجريدية المركبة والمربكة فى نفس الوقت . إلا أننا نجدنا نتفاعل معها بغاية السلاسة . وتجبرنا على إجترار مشابهات لها فى ذاكرتنا من بقاع مكانية مختلفة .
received_10202323438362668
ثم تأتى تجربته الأخيرة والتى عرضها فى نهاية أكتوبر ( 2016 ) والتى إستضافتها قاعة ” سفر خانة ” بحى الزمالك . تلك التجربة التى بدت أكثر نضجا وإكتمالا فى المشهد وليس فى مفهوم / إبراهيم خطاب . وأثبتت أن عرضه السابق فى ” أرت لونج ” كان له من الأهمية والنضوج والتطور ما مكنه من الإسهام بقوة فى عرض ” سفر خانة ” . فأتى العرض أكثر إكتمالا ووضوحا ونشعر معه بحالة من حالات التحميل بجملة مفاهيمية . ويعبر فى مجمله عن تجربة الفنان / إبراهيم خطاب الذاتية . والتى صقلت بالتجربة الأكاديمية وأستفادت منها فى إكتمال العمل التصويرى بصورة تناسب طموحه فى إيجاد منجز فنى ثرى ودسم ويخضع للمعايير الفنية والأكاديمية . كما شهد هذا العرض توظيفا للحروفيه توظيفا يعكس جانبا شخصيا لإبراهيم خطاب نفسه . فنلمح فيها حروف بعينها وبعض الأسماء التى ربما تمثل شخوصا فى حياته . وبعض الكلمات التى نقف عندها لا نعرف لها تفسيرا رغم وضوح حروفها . ولكن تبقى دلالاتها تشبه نوعا من اللوغارتمات التى يمتلك هو نفسه فك شفرتها ….. وأرى أنها تتويجا مرحليا لما سبقها من تجارب تعكس نظامية التناول فى تجربته وتعكس تطوره فى الصياغة لمفهومه عن وثائقيات الذاكرة سواء تلك الذاكرة التى تخصه هو شخصيا ، أو تلك الذاكرة التى تحملها هذه الجدران التى تعد نوعا من المرايا لهؤلاء الشخوص الماريين بها . كما تعكس نضجه التشكيلى فى التعامل مع مسطحه تصميميا وتقنيا ولونيا .
fb_img_1478790742496
إن تجربة الفنان / إبراهيم خطاب لهى واحدة من التجارب الحاملة لجين المثير الإبداعى المهندس وراثيا إن جاز التعبير . فهى من التجارب التى إستطاعت مد جسر بين أصالة ما يقبع فى الذاكرة وبين ما يستهوى العقل والتطلع من معاصرة . ولا أجد وصفا لها أفضل من ” إعادة الصياغة لمفاهيم الذاكرة ”
.

لا تعليقات

اترك رد