عبد الحسين شعبان و مقاومة الانحياز


 

اذا كان المفكر عادة ما يعالج التباسا تاريخيا أو فلسفيا بالتباس آخر في اطار سلسلة الإجتهاد التقليدية والرؤى المتراكمة للتوصل الى نتائج أو محاولة التوصل ان صح القول ، فان هناك مفكرين ، ابتعدوا عن إنتاج الإلتباس ، تحرروا من مبدأ الانحياز ، الذي هو مبدا ديني و ريفي اكثر منه مبدأَ مدنيا فلسفيا تجريبيا ، والانحياز هنا لايعني مسلمّات العدالة والسلام والحقوق الطبيعية للبشر وغير البشر من مكونات الوجود ، فالحقوق ليست افكارا ،الحقوق غرائز مقموعة ، الانحياز هنا بمعنى اليقين ، الذي يوظف جميع التجارب والمكتشفات حوداث ونصوصا لخدمته .. ويبدو للكثير ان الدين الفعالية الوحيدة المؤسسة على اليقين ، لكن الامر بالنسبة لمفكر من نمط عبد الحسين شعبان ليس ذلك فقط ، بل ان عالمنا العربي تحديدا مقيد بيقينيات حزبية ومجتمعية ممنهجة ومكرسة اكثر إحكاما وتحكما حتى من الدين نفسه .وعليه بناء على فلسفة شعبان لايمكن انتاج مقاربات حرة في ظل هذا النوع من الانحياز .هذه الفرضية وحدها تكفي لتجعل من الكاتب والمفكر وحيدا ولامنتميا ومتهما بالتنقل بين اليسار – الحرية ،واليمين – المحددات ، اليسار – الفكر الحر ، واليمين الفكر الديني ، اليسار – دولة المكونات، واليمين الدولة القومية – اليسار سلطة الفرد ،واليمين سلطة الجماعة ، اليسار- المهارة ،واليمين – النسب ، فقد كان عبد الحسين شعبان لاكثر من ثلاثة عقود يتنقل بين هذه الميادين الشائكة كحامل المشعل لا كحاطب الليل ،اي انه يعرف كيف يضيء الالتباس بالمواجهة وليس بالفرضية التقليدية ، وكيف يجعل من الخروج على الجماعة الحزبية والجماعة الدينية في آن واحد، مسارا للانتاج وحرية في الاصلاح الفكري والثقافي وانتاج مجتمع القانون،مجتمع العقد الاجتماعي الجديد البعيد مسافة وزمنا وتكنلوجيا ومعايير عن زمن التوحش الذي نقاوم جميعا العودة له .

اشكالية عبد الحسين في ظل ذلك ايضا هي الاسبقيات بين الفكر والسياسة ، بين الدين والاعراف ، بما يشبه الاشكالية بين المادية والمثالية ، من الاسبق الفكرة ام المادة .. يرى شعبان ان الفكر نتاج والسياسة آليّه ،الفكر مادة والسياسة وسيلة ، الفكر ثوابت وقيم والسياسة متغيرات . كذلك الديمقراطية التي تحولت الى ازمة في العالم العربي في ظل المشروعية الثورية والاحزاب الجماهيرية، يقول عبد الحسين شعبان في هذا الموضع ( إذا كانت الأحزاب الثورية قد رفعت شعارات الديمقراطية بحسب الحاجة خصوصاً عندما تكون في المعارضة أو خارج السلطة واستعان البعض بقوى أجنبية ضد بلده أحيانا وذلك للخلاص من أنظمة استبدادية وشمولية فان هذه الأحزاب ساهمت في تقنينها سواء كانت أحزاب شيوعية أو قومية أو إسلامية باسم “الديمقراطية الثورية” أو “الشعبية” أو”الاجتماعية” أو”قوى الشعب العاملة” أو”الخيار الإسلامي” أو “مواجهة الأعداء والشيطان الأكبر” أو غير ذلك. بل إنها غسلت منها أيديها جميعاً سواء عند الوصول إلى الحكم أو في الممارسة الداخلية، وفي أحيان كثيرة في العلاقة مع الأخر وبخاصة الاختلاف في الرأي ).

اللافت في جهود المفكر الطليعي عبد الحسين شعبان انه اختار معارك عديدة في وقت واحد وفتح جبهات بين تيارات وجهات مختلفة فيما بينها متفقة عليه ، ولذلك يبدو مرهقا ومتعددا ومتنوع الاحصاءات اليومية عن نتائج هذه المعارك ، متحررا من الانحياز الا للشك والمواجهة ، جاعلا من مبدا العدالة الانسانية المقياس الوحيد الذي تلتقي عنده خلاصات الايديولوجيات التي عمل معها وانقلب عليها، او الافكار التي امتحنها وتخلى عنها او الاتجاهات التي رفضها اساسا وظل يحاورها في اعلى مثل وقيم الحوار الانساني . وهنا ارى ان جملة من المداخل والمقدمات التي ادونها هنا عن شعبان يمكن ان تكون سبيلا لتفكيك ما انجزه في شؤون الفكر والنقد وصولا الى نظرية موحدة معاصرة تمثل خلاصة ذلك .

لا تعليقات

اترك رد