الخبير العراقي الدولي البروفيسور حسام صالح جبر في حوار مع علي عبد العال


 
الصدى-الخبير-العراقي-الدولي-بروفسيور-حسام-جبر

تنتشر الكفاءات العلمية العراقية في شتى بلدان العالم المتطورة؛ وقد أثبتت هذه الكفاءات درجات متقدمة من الإبداع العلمي والتقني في الكثير من المجالات العلمية المتخصصة. أستثمرت الكثير من الدول الأوروبية والمعاهد العلمية والجامعات ذات المستوى العلمي الرفيع لتلك العناصر العلمية العراقية في مضمار الطب والهندسة وغيرها من المجالات التي تختص بمناحي الحياة المختلفة والتقدم العلمي المواكب للتقدم والإجتهاد والتفوق.

أحرزت تلك الطليعة العلمية من النجاح ما أبهر الأوساط العلمية في أرقى المستويات العلمية العالمية والدوائر ذات الأختصاص. وبينما تحتفي تلك الدوائر والمؤسسات العلمية المختصة بتلك الكفاءات العراقية، يقابل ذلك أهمالا متعمدا وغير مبرر في تجاهل هذه الكفاءات من قبل الدولة العراقية الجديدة التي تشغل نفسها بكل الأمور البسيطة ولا تلقي بالا للكفاءات العراقية التي هاجرت وتركت العراق لإنعدام أبسط الشروط للعمل العلمي الجاد والمثمر. وكأن العراق بات ساحة للصراعات السياسية والطائفية والمذهبية ونسى دوره التاريخي بالمنجزات العلمية ذات البعد الحضاري الإنساني المتطور. لا نعرف على من يقع اللوم في هذا الصدد، والكثير من المسؤولين يصرّحون على الدوام بضرورة عودة الكفاءات العلمية لخدمة العراق. يبقى ذلك مجرد كلام سطحي ما لم يُترجم إلى واقع عملي، الأمر الذي أصاب الكثير من الكفاءات العراقية في الخارج بالخيبة وعدم التعاون الجاد. غياب الرغبة الجدية من قبل الحكومة العراقية بالتعاون من أجل النهوض بواقع العراق العلمي والتكنولوجي على صعيد المستقبل ولحاقه بركب التطور الذي تهتم به وبتطويره جميع دول المنطقة، فضلا عن دول العالم المتحضرة على الصعيد العلمي التكنلوجي، تجعل العراق مجرد دولة متخلفة في المنطقة داخليا وخارجيا. نقول ذلك ونحن نشعر بالأسف الشديد لهذا الإهدار والإهمال اللذين يتعرض لهما العلماء العراقيين بمختلف أختصاصاتهم العلمية.

في هذا السياق نلتقي بمبدع علمي عراقي، الخبير الدولي في مجال غاية بالخطورة الأمنية والاجتماعية والتأثيرات اليومية المباشرة التي تخص كل مواطن عراقي صحيا في الصميم، والذي يتعلق بالمياه وعالمها المتشعب والكثير الفروع. نحاول التطلع إلى تجربته العامة وفيما يخص تجربته في العراق التي ناهزت الخمسين عاما. ونبادر إلى طرح عناوين رئيسة تتعلق بهذا الموضوع وغيره من المواضيع الأخرى.

أهمية ما نتطرق إليه عن المياه في العراق هو تسليط الضوء على الصحة العامة للشعب وكذلك بالنسبة للتطور الاقتصادي والاجتماعي للبلد. 

الإستفادة من الكفاءات العراقية في الخارج ومدى تطبيق ذلك على الواقع العملي. 

طريقة التعامل مع عروض شركة متخصصة لها ما ينيف على القرن وربع القرن بالعمل الدولي في حقل المياه ومجالات هندسية كثيرة أخرى لم تكن بالمستوى المعمول به دوليا.

شبكة مياه الشرب في بغداد تتطلب إعادة تصميم جوهري.

هذه العناوين هي بمثابة محطات رئيسية تخللت الحوار الجاد والصعب مع العالم العراقي والخبير الدولي بالمياه والبيئة البروفيسور حسام صالح جبر. الخبراء يتسمون بالكتمان الشديد فيما يتعلق بمهامهم العملية والعلمية؛ وإذا أضفنا إلى ذلك ملف المياه ومستوى خطورته على الأمن القومي لكل بلد فسوف يغدو الحوار صعبا جدا خصوصا وأنني كمحاور وكصحفي لا أفقه كثيرا بحيثيات هذا العلم التقني الدقيق إلا بما يشّكل من خطورة وأهمية على النطاق الصحي والاجتماعي لأي بلد من البلدان. لكن، وفي محاولة حثيثة ومستمرة، تخللتها مستويات من الصداقة الخاصة والحس الوطني الذي يتمتع به البروفيسور العراقي المبدع في مجاله على الصعيد الدولي، والذي يجعلنا نشعر بالفخر والإعتزاز بوجود مثل هذه الشخصيات العراقية على المستوى العالمي، حيث هو أحد أبرز الخبراء الدوليين والمراجع العلمية في البحوث التي تختص بالمياه وتنقيتها وفي مضمار حماية البيئة والتلوث.

أستغرق هذا الحوار مع البروفيسور حسام صالح جبر عدة جلسات وفرها لنا من وقته الثمين حيث نختصرها في هذه الصفحات الأبرز للقارئ الكريم لكي يطلع على الحقائق الصريحة بدون لبس. قلت في معرض الحديث:

*أين يقع العراق كوادي الرافدين الأعظمين في خارطة المياه على الصعيد الدولي؟

كما ورد في النصوص المقدسة التي ترتكز على أساس الماء في نشوء البشرية والحضارات الإنسانية الكبرى في التاريخ: الماء هو أصل الحياة. تطور هذا المفهوم الحيوي الذي أدركه الإنسان كمفهوم علمي وعضوي منذ عهد الحضارات الأولى. الحيوانات هي الأخرى لها مدركاتها الخاصة بمواضع ومصادر شرب المياه، وهذا يجسد الصراع بين تلك الحيوانات على تلك الموارد وخضوع الضعيف، العطشان، لسيطرة القوي على منابع وجروف المياه حيث الصراع لا ينتهي بدون ضحايا وخاسر ومنتصر في نهاية الأمر. اليوم وفي وقتنا الحاضر تولي الدول ضمن اتفقايات دولية تنظيم مصادر المياه والروافد بطرق مسجلة على وفق قوانين في الأمم المتحدة. لكن ومع ذلك، لم تعد وفرة المياه في بلد أو شحته بمصادر المياه ذاتها كافية، وإنما بنوعية تلك المياه التي يتناولها البشر في تلك الأماكن. لم تعد المياه صالحة للشرب كما كان في العصور القديمة التي تفننت بتقنية تصفية المياه بطرق بدائية حيث كانت قابلية المياه السطحية والجوفية على التنقية الذاتية قادرة على إستيعاب الملوثات والتي في غالبيتها ملوثات ذات مصادر طبيعية. ومع التغيّر في نوعية الماء والذي يؤثر في معظمه بصورة سلبية، تتطور تلك العملية بشكل علمي دقيق لتبلغ أعلى مستويات النوعية للمياه التي يتناولها الإنسان في جميع أصقاع الأرض، على الأخص في الدول المتطورة.

الصدى-اهمال-حكومة-بصحة-المواطن

يقول البروفيسور حسام:

** يعُتبر تجهيز المياه الصالحة للشرب للمواطنين في المناطق الحضرية والريفية على السواء أحد أهم الأولويات للمحافظة على الصحة العامة، كما ومن غير الممكن تحقيق التنمية المستديمة في أي بلد من بلدان العالم من دون توفير ماء صالح للشرب للمواطنين. إن مياه الشرب الملوثة نتيجة عدم كفاءة التصفية أو الخلل في نظام التوزيع تكون المسبب الأهم في إنتشار الأمراض والأوبئة. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن الفحوصات البكترولوجية الروتينية لمياه الشرب في بغداد في عام 2008 اظهرت أن نسبة النماذج الفاشلة بالمقارنة مع مقاييس مياه الشرب العراقية كانت بين 6% و35% وبمعدل 14% ونسبة العكورة تجاوزت الحدود المسموح بها بـ 50% ـ 30%  من النماذج. كما وأن هناك قلق من إنتشار البكتيريا المرضية المقاومة والفايروسات والطفيليات التي تزايدت أعدادها بشكل كبير في نهر دجلة وفي المحيط البيئي بشكل عام ، حيث سجلت وزارة الصحة العراقية والجهات ذات الأختصاص الأخرى في السنوات الأخيرة تزايدا ملحوظا في عدد الإصابات بأمراض التيفوئيد وشلل الأطفال وألتهاب الكبد وغيرها، وكذلك إنتشار واسع لمرض الإسهال وخاصة لدى الأطفال. هذا بالإضافة إلى زيادة تركيز المواد الكيمائية كالمعادن الثقيلة والمواد السامة ذات الطبيعة التراكمية المسببة للأمراض السرطانية وغيرها. وكما هو معلوم سجل تزايد كبير في عدد المصابين بهذه الأمراض المزمنة في السنوات الأخيرة في معظم مناطق العراق.

*ما هي القدرة التحملية لشبكة المياه الصالحة للشرب في بغداد على سبيل المثال؟

** تعاني شبكة التوزيع في بغداد من نواقص جدية مثل النضوح والإنكسارات والتي تؤدي إلى نسبة عالية جدا من الفقدان للماء المصفى المضخ، وكذلك أحتمال تسرب المياه الآسنة ومياه المجاري إلى الشبكة. بالإضافة إلى الربط العشوائي وعدم انتظام الضغط وعدم وجود ستراتيجية مناسبة في التعقيم وإنقطاع التيار الكهربائي. كل هذه النواقص تؤثر بصورة سلبية على كمية ونوعية مياه الشرب التي تصل إلى المواطنين.

*بغداد عاصمة كبيرة وفيها ملايين المواطنين الذين يعتمدون على ماء الشرب من الإسالة، كيف ترى إلى هذا الأمر؟

** إن شبكة مياه الشرب في بغداد تتطلب إعادة تصميمها بما يتلائم مع حجم المدينة والتوسعات المستقبلية. وهذا يُعتبر أساسا جوهريا لتحسين عمل الشبكة وتوفير الشروط لتوزيع الماء بصورة ملائمة والمحافظة على نوعيته بذات الوقت. الشركة السويدية العريقة بمجال المياه SWECO  تقدمت بعرض شامل لتطوير نظام توزيع مياه الشرب في بغداد بالتعاون مع الجانب العراقي وبالإستفادة من الكوادر العراقية على الرغم من المخاطر الأمنية وصعوبة العمل بالعراق حيث هنالك الكثير من العقبات التي تحول دون ذلك ويقف على رأسها الفساد المستشري في مفاصل الدولة العراقية الحالية على نطاق واسع والتغيير المتكرر للكوادر الفنية والإدارية.

“يلاحظ البروفيسور حسام بعض الملاحظات التي أدونها بين الفينة والأخرى، ويطلب مني بشكل غاية بالتهذيب عدم جعل الموضوع ذي طابع سياسي” وأخبره بصورة واضحة أنني لست أعمد إلى التشهير الصحفي بقدر البحث عن الحقيقة التي تخدم المواطن والمسؤول على السواء. قال البرفيسور حسام:

الدراسات التي قدمتها شركة sweco  في 27/ 1/ 2012 تتضمن:
تقييم نظام توزيع مياه الشرب الحالي (الضخ، الشبكة، الخزن) باستخدام نماذج هيدروكلوركية حديثة.
مقدمات لتقليل فقدان الماء بالشبكة.
اقتراح وسائل مناسبة لتنظيف الأنابيب.
السيطرة والمحافظة على نوعية الماء في نظام التوزيع.
وضع ستراتيجية ووسائل لتحسين التعقيم.
تطوير وسائل التشغيل والصيانة.
خطة اقتصادية لتطوير الكادر المحلي.

سبق وقامت الشركة السويدية المعنية بدراسات مشابهة في مناطق مختلفة من العالم بما فيها مدينة أربيل عام 2010.

(أستند في تحديد المتطلبات وأساليب العمل والنتائج المتوقعة على تقديرات الجانب العراقي للمشاكل المطروحة/ كما جاء في لقاء 24/11/ 2011 وكذلك تقديرات خبراء الشركة وملاحظات بروفيسور حسام المكتسبة من خبرته في العراق ومن الدراسة البيئية الشاملة الممولة من البنك الدولي التي أتمتها الشركة في العراق في 2011 والتي شملت محافظة بغداد وساهم بانجازها مجموعة من الخبراء الدوليين وكان برفيسور حسام صالح جبر مسؤولا عن الماء والتدريب في المشروع. حتى أن الجهة العراقية الرسمية المختصة لم تكلف نفسها بالرد بشكل يليق بجهة رسمية مسؤولة.

بعد لقائي بزملائي مستشاري رئيس الوزراء للأعمار والخدمات والزراعة والمياه، بحضور أستاذ جامعي بكلية العلوم في مكتب رئيس الوزراء في 5/9/2011 والذي كان لقاءً مثمرا، وكذلك اللقاءات التي تمت مع المسؤولين في وزارة البيئة وآخرين، بذلتُ كل الجهود لإقناع وحث الشركة السويددية على التعاون مع الجانب العراقي لإنجاز مشاريع تساهم في تحسين البيئة وبخاصة فيما يتعلق بمياه الشرب ومياه المجاري. وعلى بالرغم من تردد الشركة بسبب الأوضاع الأمنية في العراق فقد سررتُ لإستعداد الشركة السويدية للتعاون في تطوير نظام توزيع مياه الشرب ابتداءً في بغداد ومن ثم التوجه لدراسة مقترح تطوير مياه المجاري، حيث أجريتْ عدة لقاءات واتصالات بين الشركة والمسؤولين العراقيين في دائرة ماء بغداد ومجاري بغداد، وبعد انجاز كافة الاجراءات الضرورية الأولية واستكمال خطة العمل المقترحة، جاء الرد من دائرة ماء بغداد بإيقاف المشروع بطريقة غير متبعة بمثل هذه المعاملات مما سبب خيبة أمل كبيرة لدى الشركة وأدى الأمر إلى انسحابها كليا من الموضوع. إن الاهمال الصحي بشكل عام ومياه الشرب بشكل خاص من قبل للحكمومة العراقية منذ أكثر من عقد من الزمن يصل إلى مرتبة الخيانة العظمى.

“تضمن الرد المرسل إلى شركة SWECO  بتاريخ 23/2/2012 من دائرة ماء بغداد هذه الجملة: (دائرة ماء بغداد غير مستعدة لأية مصاريف) هذا هو الرد المقتضب فقط، وجاء الرد بدون ذكر

اسم أي مسؤول، والتوقيع من قبل دائرة ماء بغداد. وذلك جوابا على عرض الشركة المؤرخ في 27/1/2012 والذي تضمن مقترح المباشرة الفورية بالمشروع. كما وأنه لم يتم الإتصال ومناقشة العرض لا مع مسؤولي الشركة المعنية، ولا مع البروفيسور حسام صالح”.

نتسائل، بعد كل هذه المكاشفات والمتابعات مع ذوي الأختصاص، هل يحتاج المواطنون في بغداد، والعراق برمته إلى ماء صالح للشرب؟ نترك الجواب للمواطنين وللمسؤولين على السواء؟


البرفيسور العراقي والخبير الدولي حسام صالح جبر:

  • مهندس في مديرية المشاريع العامة/ وزارة البلديات/ 1966ـ 1971. قام خلالها:
    – الأشراف على تصميم وإنشاء العديد من مشاريع الماء ومنها مشروع الكوفة ـ النجف الموحد. مشروع  ماء الرمادي وغيرها..
    – تصميم شبكات الماء في عدد من المدن الكبيرة والقصبات ومنها شبكة ماء أربيل، السليمانية، النجف، الكوفة، الكوت، السماوة.. وغيرها.
  • باحث علمي في مؤسسة البحث العلمي 1976 ـ 1979. ساهم مع الدكتور صالح المطلك في إنشاء مركز بحوث تلوث البيئة التابع لمؤسسة البحث العلمي. 
  • التدريس والبحث في عدد من الجامعات في هنغاريا والجزائر والسويد.
  • خبير دولي في شركة SWECO  منذ عام 1995.
  • شارك بالعديد من البحوث والمؤتمرات العلمية على الصعيد الدولي، ونشر ما يزيد على الثلاثين بحثا في المجّلات العلمية المختصة في علوم المياه.

تتوفر جميع الوثائق الرسمية التي تخص الحوار بين الشركة السويدية والجهات الرسمية العراقية. تم الحصول على الموافقة من قبل الشركة السويدية العالمية SWECO بنشر هذا الحوار ودعمه بالوثائق.

 

 

 

 

 

شارك
المقال السابقصمت الضوء
المقال التالىعنق الزجاجة

علي حسين عبدالعال كاتب عراقي مواليد العراق ـ الديوانية 1956 درس القانون والسياسة في جامعة بغداد 1975 ـ 1979 عمل بالصحافة العراقية والعربية والسويدية عضو اتحاد الكتاب السويديين منذ عام 1996 غادر العراق 1979 مقيم في السويد منذ العام 1990 من مؤلفاته : 1. “المشي في الحلم” قصصية. دار الصدا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد