الديموقراطية في خطر


 

نحن الآن في الساعات النهائية و نشاهد المشاهد النهائية لأكثر الإنتخابات الأمريكية غرابة و سخافة و لا معقولية و إنحطاطا في مستوى الحوار و النقاش و الفضائح و الإتهامات ما بين الحزبين و المرشحين الرئاسيين الرئيسيين ترامب و كبينتون ..

الحقيقة طوال سنين سابقة كانوا يطلقون على الإنتخابات الأمريكية، ” السيرك الإنتخابي ” ، و كنت غير مقتنع بالضبط كيف و لماذا أطلقت هذه التسمية، هذه المرة إقتنعت تماما أحقية و صدقية هذه التسمية، فهذا السيرك الإنتخابي يجاري أكبر و أشهر عروض السيرك في العالم في ما يقدمه من أحداث و حوارات و خلافات و حوارات مضحكة و محزنة و مؤلمة نظرا لسخافتها و إنحطاطها في أحيان كثيرة ..

المرشحين الأثنين الرئيسيين في إنتخابات هذا العام هما كل من هيلاري كلينتون، و دونالد ترامب ..

كلينتون معروفة جيدا كونها زوجة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، و هي من مواليد عام ١٩٤٧، و حاصلة على شهادة في القانون و مارست المحاماة و السياسة لسنوات طويلة، إضافة لكونها وزيرة خارجية سابقة في الأربع سنوات الأولى من حكم الرئيس أوباما، و تاريخها المهني و السياسي يضفي عليها مزيد من الإحترام و التقدير، بالرغم من كثير من المشاكل و الأزمات و الخلافات و الصراعات السياسية التي مرت عليها ..

ترامب رجل أعمال بليونير، له العديد من المشاريع و الشركات داخل و خارج أميركا، أكبر عمرا من كلينتون بسنة واحدة، أي أنه في السبعين من عمره الآن، و خلال هذه الحملة فاق كل التصورات في حجم الفضائح و التفاهات و السخافات التي حملها و عرضها من خلال حملته الإنتخابية، حتى بات مهددا من قادة حزبه الجمهوري بعزله عن الحزب و عدم ترشيحه، كما أعلن العديد من أعضاء الحزب الجمهوري و مؤيديه، رفضهم ترشيحه خلال هذه الإنتخابات، و أعلن العديد من المثقفين و الفنانين الأمريكان رفضهم إنتخابه لإسباب كما تبدو جوهرية و أخلاقية و تتعلق بمستقبل أميركا و الأمريكان، و كما قال أوباما و كلينتون، أن ترامب لا يليق بمنصب الرئاسة، و لا يؤتمن بسبب أخلاقياته و تصرفاته و مفاهيمه، أن يسلم مفتاح الحرب النووية، و خير تعليق على ترشيحه ما سمعناه من البعض، أنه : لا ترشحوا ترامب لكي لا تساهموا في قلب الكوميديا الحالية التي نشاهدها و ربما نستمتع بها الآن إلى تراجيديا و مأساة في حالة إستلامه للحكم فعلا ..

و نقلا عن أحد الأصدقاء المهتمين بالموضوع، فأن أبلغ ما قيل حول حملة انتخابات الرئاسة الامريكية صدر على لسان الامريكيين أنفسهم حيث نشرت صحيفة نيويورك تايمز يوم الأثنين ٧ تشرين الثاني تعليقا على صفحتها الاولى جاء فيه : ” بمعزل عمن سيفوز، فبعد حملة انتخابات رئاسية مرغتها الفضيحة، والعنف السياسي، وادعاءات الفساد، والخوف من الاحتيال على الناخب، باتت صورة امريكا ملطخة في اعين الامريكيين انفسهم والعالم ككل. نادراً ما تعرض النظام السياسي الامريكي الى مثل هذا الازدراء والسخرية واسعتي النطاق. وبعد مرور ثمان سنوات قصيرة اُشيد فيها بالولايات المتحدة لانها تمكنت من تجاوز أعمق تعصب عاشته عندما اختارت رئيساً اسود البشرة، فقد عرّت الحملة الانتخابية الجسد القبيح للسياسات الامريكية. كما فضحت هذه الحملة مقدرة أمة تميزت بمُثلها الديمقراطية لتسقط ضحية القوى غير الديمقراطية ذاتها التي وقفت عقبة في طريق نهوض بلدان العالم الثالث ” ..

الشعوب و الحكومات العربية و الإسلامية في حيص ميص فيما يتعلق بهذه الإنتخابات، فأحسن الإختيارات سيكون مرا كالعلقم، فكلينتون مرشحة أن لا تسير بعيدا عن خط أوباما، أما المجنون النزق ترامب، فلا أحد يمكنه توقع قراراته و أفعاله، و كما سماه البعض من المعلقين الأمريكان هو ملك عدم التوقعات، و ما سمعناه فأنه يهدد الجميع بالويل و الثبور و عظائم الأمور، العرب و المسلمين و الحلفاء و غير الحلفاء، الأصدقاء و الأعداء معا ..

البعض من العرب و المسلمين يتمنون، على بلاهتهم و بساطتهم، أن يفوز ترامب، لكونه برأيهم سيؤدي إلي إنهيار أميركا، الشيطان الأكبر، من خلال تصرفاته و قراراته المجنونة النزقة المنحرفة، غير عارفين أن الرئيس الأمريكي ماهو إلا جزء من آلة كبيرة لصناعة و إتخاذ القرارات في أميركا، تتضمن هذه الآلة العديد من الأجهزة و الإدارات و المؤسسات و الهيئات الحكومية و غير الحكومية، ربما يكون للرئيس الأمريكي الحق في وضع اللمسات الأخيرة و إتخاذ القرار النهائي، لكن الأمر لن يكون بهذه البساطة و السهولة التي يتخيلها البعض ..

أنا شخصيا أعتقد، و نشرت هذا الرأي المحزن في منشور سابق لي، أن : ” العرب و المسلمين. في. انتظارهم لنتائج الانتخابات الامريكية غدا. لا ينتظرون من يخلصهم من همومهم و معاناتهم. بل هم كالشخص المحكوم عليه بالإعدام ينتظر القرار فقط. كيف سيعدم. رميا بالرصاص. ام مشنوقا. 
فقط لا غير. 
لا أمل يرتجى من هذا الانتظار. و لا تلك النتائج. “ ..

في ضوء هذا الواقع المؤلم و الحزن، لمرشحين إثنين تسببا في إنقسام هائل داخل المجتمع الأمريكي، و إهتزاز جوهري في الإعتقاد الراسخ لدى الكثيرين بأحقية و صحة و صدقية و أفضلية النظام السياسي الديموقراطي الأمريكي كونه نموذجا يحتذى به، هذه الديموقراطية و هذا البلد الذي يفترض أنه أكبر قوة إقتصادية و سياسية و عسكرية في العالم، و المفترض أن يكون فعلا نموذجا يحتذى به من حيث نوع و مستوى المرشحين و مستوى النقاش و الحوار و الخطاب الإنتخابي، نلاحظ أن كثيرين بدأوا يبحثون في أسباب ما وصلت إليه الأمور اليوم في هذه الإنتخابات المحرجة، و تأثيرات ذلك على المستقبل السياسي و السمعة العالمية و على النظام الديموقراطي و تطبيقاته حول العالم ..

و الواقع، القلق ليس في أميركا فقط بل في كل أو معظم الدول التي تدين بالمذهب الديموقراطي الحر المنفتح كنظام وحيد للحياة السياسية و الإقتصادية فيها، القلق من وصول شخصيات غير متزنة و غير كفوءة و غير قادرة مثل ترامب ليقود أقوى نظام ديموقراطي و البلد الأم للنظام الرأسمالي أو الرأسمالية العالمية، ما قد يقود إلي ردات فعل خارجية و داخلية قد تكون على درجة من القوة و الجدية بما يهدد كيانات الأنظمة الديموقراطية و الرأسمالية في العالم الحر، مما يعطي مجالا أوسع و أكبر للمعسكر أو المعسكرات في الجانب الآخر لتحرز نتائج و خطوات أكبر نحو الأمام، و المقصود هو طبعا روسيا و الصين و كوريا الشمالية و غيرها من الدول التي تعتبرها أميركا معادية أو مناهضة لها من حيث الفكر السياسي و الإقتصادي ..

و هذا ما عبر عنه الكاتب السياسي برايان غولد في مقالته ” العالم الديموقراطي يحتاج رئيس أمريكي جيد ” ، حيث يشير إلى أن الملايين من الأمريكان و غيرهم من الملايين خارج أميركا، في العالم الحر إن صحت التسمية، إحتفلوا و صفقوا عام ٢٠٠٨ عند إنتخاب أوباما رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، و أشادوا بالجرأة و الشجاعة الأمريكية لأختيار رئيس أسمر اللون ليكون قائدا على قمة الهرم السياسي الأمريكي المعقد،في حينها كان معظم الأمريكان سعداء بهذا الحدث، و فرحين بأنهم على أبواب مرحلة جديدة من العلاقات و التضامن و التعاضد الإجتماعي في أميركا، و الأمل في مزيد من هذه الإنجازات بنفس الإتجاه في المستقبل، كذلك كانت الدول الأخرى التي تؤمن بالديموقراطية و تقر لأميركا قيادتها للعالم الديموقراطي الحر فرحة و سعيدة بمثل هذا الإنجاز الذي يعزز من قوة النظام الديموقراطي الحر حول العالم و تطبيقاته، في مواجهة الأنظمة الأخرى التي لا زالت خارج هذه الحلقة ..

و برأي الكاتب، فقد أثبت أوباما قدرته و كفاءته على قيادة النظام الديموقراطي العالمي كقدرته بشكل ما على قيادة النظام الأمريكي، على الرغم من أن هناك الكثير من الأمور التي لم يتم معالجتها بعد على صعيد العلاقات بين الأعراق و الأجناس المختلفة، و الحقوق او الإمتيازات الممنوحة لها، و غير ذلك من الأمور التي كشفت الأحداث خلال الفترة السابقة، أن هذا النظام الديموقراطي الحر الأمريكي لا زال يعاني من العديد من الهنات و نقاط الضعف و الخلل ..

كذلك، فأن فترة إدارة الرئيس أوباما لم تكن يسيرة و مريحة، لكن بشكل عام يشير المختصون أنه نجح في إدارة معظم الملفات و المواجهات و الأزمات، منها مثلا موضوع الأزمة المالية العالمية، و موضوع التغييرات في الطقس حول العالم، غير أن ملفات أخرى أثبتت إنها عصية على المعالجة، إن لم نقل بصراحة إن نظام أوباما قد فشل في التعامل معها، و على رأسها ملف الأزمة السورية و اللاجئين السوريين ..

بالرغم من كل ذلك فأن الرئيس أوباما تمكن ،كما يراه الكاتب برايان ،بنجاح أن يكون قائدا مدافعا عن مبادئ و مفاهيم النظام الحر الديموقراطي، و كان نموذجا لقائد فرض نفسه على بقية الدول الديموقراطية التي ترى في أميركا حاميا للديموقراطية حول العالم و رافعة لرايتها و مبشرة بأفكارها و مبادئها .. ( كما نتذكر في حالة إحتلال العراق و رغبة أميركا نشر الديموقراطية هناك، و نحن نحصد اليوم ثمار أو مآسي هذه الديموقراطية الأمريكية المزعومة، كذلك الحال في سوريا و ليبيا و دول أخرى، برأي الأمريكان هي متعطشة لوصول خيرات و بركات الديموقراطية إليها ..؟؟!! ) ..

و كون أوباما مدافعا جيدا عن الديموقراطية، و قائدا ديموقراطيا ناجحا، يتيح له المجال أن يكون مقبولا خارج أميركا كقائد للعالم الديموقراطي، و هذا ما لا تريده الأنظمة و الدول الأخرى التي لا تدين بالمذهب الديموقراطي الأمريكي، و كل ما تأمله تلك الدول ( الخارجة عن النظام الديموقراطي و الأرادة الأمريكية ) أن يظهر قائد جديد ضعيف و متردد و غير مناسب يقود أميركا و النظام الديموقراطي الأمريكي و العالمي ، يقوده نحو الهاوية، و تتمكن من خلال ذلك من تحقيق إنجازات و نجاحات كدول معادية و مناهضة للمفاهيم الحرة الديموقراطية الرأسمالية، على هذا الأساس و كما يؤكد الكاتب، أن من مصلحة العالم الديموقراطي الحر أن يكون النظام السياسي الديموقراطي الأمريكي قويا و متينا و محصنا، و هذا بالتبعية سيمنح تلك الدول قوة و مناعة و حصانة بدورها ..

أن مجئ أي شخص ليحتل كرسي الرئاسة في أميركا بعد أوباما، لا يتمتع بالمزايا و المواصفات التي يحتاجها هذا المنصب سيحط من موقع و مرتبة و مستوى الرئاسة الأمريكية و بالتبعية النظام الديموقراطي العالمي، و هذا سيمنح الأنظمة الأخرى المعادية، كروسيا و الصين مثلا، سيمنحها الفرصة في إثبات قوة وجهة نظرها في معاداة الديموقراطية، و تأكيد وضعها أمام شعوبها كون الديموقراطية هي ليست بالنظام الأمثل للحكم في أي مكان ..

لذلك فأن المواطن الأمريكي، و العالم ينتظر أن يكون الرئيس الجديد، برأي كاتب المقال، قادرا على جمع و توحيد الرأي العام الداخلي و توجهات الداخل الأمريكي، و أن يتعامل مع مختلف شرائح المجتمع الأمريكي بمختلف تقسيماته و شرائحه و أثنياته بشكل واضح و عادل و متكافئ و مقبول و ناجح، و أن يتمكن عالميا التعامل مع الأزمات و المشاكل و الخلافات الدولية بما يعكس درجة عالية من الحكمة و الخبرة و المهارة، و أن يتمكن من أن يقدم نموذجا قياديا مقبولا للعالم الديموقراطي، و أن يتمكن من توفير المساعدة و الصداقة لجميع من يشارك أميركا أفكارها و مبادئها و قيمها الديموقراطية ..

يختم الكاتب مقالته بعبارة يتوسل فيها من الله، بشكل ما، أن يمن الله على أميركا و نظامه الديموقراطي برئيس يكون محترما في الداخل و الخارج الأمريكي كما هو الحال مع أوباما، و أن يكون قادرا لأن يكون نموذجا يقتدى به عالميا و أمريكيا، و يذكر الأمريكان بأن تصويتهم هو لإختيار رئيسا لأميركا، لكن هذا الرئيس سيكون رئيسا و قائدا للعالم الحر كله، لذلك يتوسل منهم أن يكونوا أكثر حرصا و دقة في إختياراتهم ..

ما أشمه من هذه المقالة، و كأن السيد رايان غولد مرعوب من فكرة أن يكون ترامب رئيسا تاليا لأميركا، فكما يبدو أن هذا الشخص، ترامب، يحمل في شخصيته الغريبة كل العبر و ما جاء في الحكم و الأمثال، و أكثر ما يعجبني هو قول أوباما عن ترامب أنه ( غير مؤهل UNFIT ) ..

ما هي إلا ساعات، و نستمع للخبر الذي قد يقود أميركا و ربما معها ألعالم الحر نحو الهاوية، و ننتظر في حالة فوز ترامب حدوث تغيرات كثيرة في أمور كثيرة، منها تدهور سعر الدولار الأمريكي، و على سبيل المزحة فأن مكاتب هجرة عديدة داخل و خارج أميركا باتت تروج لبرامج هجرة للأمريكان إلى كندا و أستراليا و نيوزيلاند، في حالة هروبهم من أميركا و رغبتهم في عدم العيش تحت رحمة الرئيس المجنون المنحرف ..

أما رؤساءنا العرب، و في حالة قدوم ترامب و ركوبه كرسي الرئاسة الأمريكي، فعليهم السلام و الرحمة، و أعتقد أنهم يعيشون أياما تعيسة و تجافي عيونهم النوم بإنتظار الخبر المشؤوم اليوم أو غدا ..

و من الله العون والرحمة ..

لا تعليقات

اترك رد