سيدي الوزير..هل الريفيون في المغرب حقا معروفون؟

 

“دعاة الاحتجاج معروفون, هم نفس الشريحة التي تدعوا إلى التظاهر كلما استدعى الأمر… ” هذا ما ورد على لسان السيد وزير الداخلية محمد حصاد على إثر فاجعة طحن بائع السمك, المسمى قيد حياته محسن فكري في شاحنة جمع النفايات من طرف من يحسبون أنفسهم أنهم رجال أمن وأمان. فهل الريفيون حقا معروفون؟

فرغم أن عبارة”إنهم معروفون” أغضبت الحراك الشعبي الريفي الذي انتفض في وجه النظام المتمسك بسياسته القمعية والتعسفية ضد أبناء الريف عقب الفاجعة التي ذكرناها آنِفاً في مظاهرات حاشدة طالبوا فيها بالكشف عن الجهات المتورطة في الحادثة, إلا أنني أتفق تمام الاتفاق مع معالي الوزير في استعماله لعبارة “إنهم معروفون”, فالظاهر أن السيد الوزير قد اِطَّلَعَ على بعض الأسطر من تاريخ الريف, واستنتج أن الريف بقعة لم ولن تطأطئ رأسها يوما أمام من يسلب منها كرامتها وشهامتها وأصالتها,

فرغم مرور السنين, وتعاقب الأجيال, ورغم كل أنواع القمع الذي قوبلوا به, ورغم كل التحالفات الغربية والمحلية ضدهم, ورغم العنف الأمني الكبير والاعتقالات الواسعة, والخطابات ذات اللغة الحادة والمهينة لكرامة الإنسان الريفي, ناهيك عن سياسة التهميش بكل أصنافه, ظل الريفيون متمسكون بعرفهم كأول من يخرجون إلى الساحة من أجل مواجهة الطغيان والمطالبة بإنصاف الشعب بالريف والمغرب عموما.

فانتفاضة ” الغضب” التي شنها الريف على إثر فاجعة طحن بائع السمك محسن فكري لم تكن انتفاضة وليدة اللحظة, بل إنها استمرار لنهج أسسه الزعيم محمد بن  عبد الكريم الخطابي والذي يحث على المقاومة والمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية, كلما دعا الأمر لذلك, فالريفيون ليسوا حديث العُرْفُ,فقد تعرف عليهم العالم في المجابهة الشرسة التي أبانوا عليها في مناهضتهم للمحتل الاسباني في بدايات القرن العشرين, وانتصاراتهم الكاسحة في معارك باتت مرجعا يقتدى به في حرب العصابات, نذكر منها معركة أنوال التي عرفت هزيمة شنعاء للجيش الاسباني التي فقد فيها 15000 جندي ما بين قتيل وجريح, من بينهم الجنرال سيلفيستري الذي قتل في المعركة, التي نال من إثرها الريف استقلاله وأسس جمهوريته  الريفية بتاريخ  18 سبتمبر 1921. وبعد أن نال المغرب استقلاله سنة 1956, كان يأمل أبناء الريف في عيش وديع, ومتعايش مع كل الطوائف والأعراق في مغرب يتسع للجميع, لكن سياسة التهميش والإهمال من الحكومة المغربية للريف بقيت قائمة بل زادت من حدتها, مما عجل من تمرد الريف سنة 1958-1959 ضد النظام المستبد في حقبة الحسن الثاني, ورغم أن المطالب كانت عادلة ومشروعة نذكر منها:
– تخفيض الضرائب في المغرب كله وخاصة بالريف
-حل الأحزاب السياسية وتكوين حكومة وحدة وطنية
-إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين
-جلاء جميع القوات الأجنبية عن المغرب
-عودة محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى المغرب
إلا أن المظاهرات قوبلت بردة فعل شنيعة, وإجرام فضيع في حق أبناء الريف, رجالا نسوة وأطفالا, من طرف المخزن المغربي.

ولأن أبناء الريف باتوا معروفين على حد قول الوزير وباتت الانتفاضة والثورة عرفا لهم عادوا سنة 1984 وانتفضوا في انتفاضة عرفت بانتفاضة الجوع أو انتفاضة الخبز, ضد سياسة التقويم الهيكلي التي أفرزت عن فشل اقتصادي مهول وارتفاع باهر في كلفة العيش ،التي أدت إلى وضع 40 % من سكان المغرب تحت عتبة الفقر, وبالطبع كما جرت العادة تم تخميد الانتفاضة بعد أن استعرضت قوات الجيش و الأمن عضلاتها باستخدامها لطائرات عسكريات قذفت المتظاهرون بالرصاص الحي ,وقد قدرت جريدة إلبيريوديكو دي كاتالونيا عدد القتلى على المستوى الوطني في 400 قتيل.
وهكذا ظل الريف معروفا سباقا لمناهضة الطغيان السلطوي, وبهذا التاريخ الذي اخترنا ذكر منه ققط المحطات الكبيرة في سلسلة نضال الريف ضد القمع والاستبداد ودس الكرامة, يكون الريفيون “معروفون” حقا, لدى معالي الوزير ولدى كل من بحث في تاريخ الريف الحر.

لا تعليقات

اترك رد