التصميم: الثقافة الثالثة والنمذجة الشكلية


 

عندما اقترح آرتشر بروس توضيحا للعلاقة بين التعليم العام في العلوم الإنسانية والعلوم والتصميم ، استخدم مجازا المثلث ، الذي ارجع اصوله الى فكرة المجال الثالث الذي قال به أفلاطون، ،اذ شكل تصورا لمنظومة العلاقات ، واضعا مواقف التصميم في الزاوية اليمنى السفلى من المثلث والعلوم الإنسانية في الأعلى ، مع اقرار واضح لهيمنة التعليم منذ القرن الرابع عشر، ووقع العلم في المنطقة اليسرى السفلى،كما حاول تحديد ‘التصميم’ ضمن موضوعات العلوم والإنسانيات ،مع استبعاد ، الفنون المسرحية أو التربية البدنية،لكنه مَثلَ ‘القيم ، وجعلها” الرابط “الثقافي المادي”،وانها ليست مصدر قلق للعلوم الصرفة ،والعلوم الإنسانية ، بل هي سمة أساس في التصميم، واصفا اياها بانها “لغة أساسية” لكل من هذه الثقافات ،كما اشارإلى العلم بأنه ‘التدوين’ ، والعلوم الإنسانية “لغة طبيعية” والى التصميم باسم “النمذجة”.التي تعرف بكونها (عملية إنشاء وتوليد نماذج مجردة أو اصطلاحية. تعرض العلوم بمجملها مجموعة متضخمة باستمرار من المناهج، التقنيات والنظريات حول كل نوع من أنواع النماذج العلمية المتخصصة. بعض النظريات العامة حول النمذجة العلمية يتم عرضه في فلسفة العلوم ونظرية الأنظمة أو حقول جديدة مثل التمثيل المرئي للمعرفة ).

ان وضع التصميم في مرتبة الثقافة الثالثة ياتي للاهمية الكبيرة التي يقوم بها في مختلف الانشطة الحياتية ،وهو دور لاشك فاعل محيط بالانسان ، فضلا عن تاثيره المباشر في تغيير القناعات والسلوك الشرائي والترويجي.

من جهة اخرى فأن براون شرح ثلاثة قيم عدها فاعلة في تمامية هذه الثقافة العلاقاتية التنظيمية الوظيفية ، هي : التفسير والإقناع وتحديد الهوية في شكل انموذج للتصميم والتواصل ، مشيرا الى ان المثلث الايضاحي اظهر مدى الحاجة إلى مناقشة تناول قيم التواصل عند نقل “الرسائل” أو “الأفكار”،التي تعد هي الاخرى مهمة في نقل الفكرة وما تحتويها من طاقة تعبيرية ،او ابلاغية ،كما شرح براون كل الأوجه. في “تفسير” وجهة نظره المعنية بالسلامة والصحة والرعاية الاجتماعية. واقترح أن حصيلة التصاميم في هذه الفئة ينبغي أن تؤدي إلى حل واحد مفضل ، بدلا من مجموعة متنوعة من الخيارات الممكنة،هذا هو الحال بالنسبة للجانب الثاني ، ‘الاقناع’ ، الذي يعد أكثر انفتاحا على البديل،اذ تسعى النتائج إلى اعتراف مهم ودافع رئيس ،فقد تكون النتائج المحتملة واسعة النطاق، وتمثل الوجه الثالث بـ “تحديد الهوية”،التي تنطوي على ضرورة التمييز عندما يسود عدم الكشف عن الهوية،التي تشكل مفصلا مهما في الصراع الدائر حاليا حول الاطر التي يمكن من خلالها توصيف الهوية البصرية ،وبيان انواعها وسماتها ،والبحث عن اليات للتمسك بها،او الانصهار في البيئات الجديدة ،فضلا عن تعرف طرائق الاقناع ،او التفسير، وهنا يورد براون امثلة لتوضيح الأوجه الثلاث على التوالي تشتمل الرسوم التوضيحية لما نريد قوله ،اذ ثمة من يقول أن ارتباط طبيعة كل من هذه الجوانب النشطة ، يعتمد على العلاقة مع الجمهور، فهو يرى ان الشرح والإقناع يمتلكان نشاطا قيميا في مواجهة الجماهير، بالتالي ، ترتبط أكثر إقناعا بقيم التبادل التجاري والتجارة نتيجة لنداء عاطفي محتمل ، في حين أن القيم التفسيرية تمثل نداء لشعورنا الوظيفي ، والحاجة إلى ترشيد

عملية اتخاذ القرارات و “التبسيط”، ومع ذلك ، تحديد الهوية ، والاعتماد على الجمهور في البحث عن قيمة الاتصال هو سلبي.

في خضم ذلك فان عد التصميم بشكل ،او اخر منظومة نمذجة يثير تساؤلات عدةك

– ما حدود فهمنا للشكل قبل كل شيء؟

– اي شكل نريد؟

– مالغاية من تصميم الشكل ؟

– كيف نصل الى نمذجة مقبولة للشكل ؟

– مامرتكزات تصميم الشكل ؟

– من يحدد بنية الشكل ؟

– لمن سيوجه الشكل؟ وهناك الكثير الذي يطرح ،الذي لابد من فهم مسبق له،لان نمذجة الشكل عرضة لنوعين من الأخطاء هما:

– الانحياز: وهو امر يعرض تشكيل الانموذج الى مشكلات ربما تقود الى فشل التشكيل اساسا.

– أخطاء النمذجة: وهذا وارد جدا ،اذ يمكن ان يصاحب تشكيل الانموذج اخطاء تشكلية ،ربما ترتبط بالمواد والخامات ،والتقنيات المستخدمة،ويبرر براون ذلك بقوله : ان غالبية انشطة التصميم تجري في امكنة مغلقة الجوانب والزوايا، وتحديدها يساعدنا في اكتساب بعض الفهم لبعض القيم الأساس في التصميم الكرافيكي والاتصالات ، ومن المفيد توضيح مستويات متساوية الأهمية ، مع انه يقيد إذا كان الهدف هو التقاط صورة أكثر اكتمالا للتصميم الكرافيكي، ويقتصر هذا الأنموذج على القدرة في تغطية الطيف الكامل لنشاط التصميم ، من البدء وحتى انجازه ، ولبناء حجته ،يستخدم براون العديد من الأمثلة على العمل المستمد من تطبيقات التصميم الكرافيكي ،اللوغو،والمخططات التعليمية والإعلانات ، ولكن هذا ما يمكن عده مجموعة محدودة من اثنين من ابعاد وسائل الإعلام ، والكثير من الوقت، اما الانتقادات الأخرى فأنها تكمن في أن هذا الأنموذج لا يتفاعل بشكل كامل مع توافر تأثيرات محتملة يمكن ان تحدث بفعل انعكاسات التكنولوجيا المتغيرة ، وكيفيات عملها ، واسهامها بشكل يُمَكِنْ من تعزيز قيم التفسير، والإقناع ،وتحديد الهوية، وبهذا الصدد ،فأن ((النمذجة الشكلية تشكل تمثلا ذهنيا لشيء ما و لكيفية اشتغاله، اذ عندما نضع شيء ما في انموذج نستطيع أن نقلده اصطناعيا ،مع ملاحظة تصرفه ، و بالتالي الاستعداد لردوده، و هذا يعني أن النمذجة ليست إلا الفكر المنظم لتحقيق غاية عملية، ذلك أن الانموذج هو نظرية موجهة نحو الفعل الذي نريد تحقيقه، و من هذا المنطلق يمكننا القول أن كل إنسان “ينمذج” في حياته اليومية و في كل لحظة، فهو يجمع كل الاشكال التي تحيط به بصورة ذهنية، سواء تعلق الأمر بأشياء مادية أو بأشخاص أو حتى بمؤسسات، وهذه الصورة الذهنية تمكنه من تركيب و تقليد سلوك موضوعه اصطناعيا لتقييم نتائج قراراته )).

ان الحوار مازال مستمرا في المديات التي يمكن ان تبلغها النمذجة الشكلية وسط حوار يعد اكثر شمولية بعد ان طرحت فكرة الثقافة الثالثة ، وهل يصح ان يكون التصميم المتهم بحصرية الوظيفة ان يكون جامعا شاملا يتربع بين ثقافتين هما الاكثر علوا وتصنيفا في عالم يتسع بما فيه ومازال ،،انها افكار مطروحة ،لكني مؤمن بان التصميم يستحق ان يكون في هذا الموضع لما له من دور فاعل في تشكيل وديمومة المجتمعات ،والامة التي فيها تصميم جيد هي لاشك امة حاضرة متحضرة دورها واضح في بنيتها وارتقائها العلمي والفني،والعكس صحيح.

لا تعليقات

اترك رد