الإصلاح والعقد الإجتماعي العربي – ج٢


 

من خلال العنوان يتضح أننا أمام أمرين إثنين وهما الإصلاح ثم العقد الإجتماعي العربي كهدف أسمى يهدف إلى تحقيق العمل العربي المشترك والمتكامل، يعني نحن أمام قضية الإصلاح كجوهر لبناء الدولة الوطنية القطرية ويتعلق بإصلاح ثقافي اقتصادي اجتماعي وممارسة سياسية حكيمة ومشروعة تساهم في بناء الدولة ورقيها الحضاري.

وفي الشطر الثاني هناك العقد الإجتماعي الذي يتحقق بتكامل شروط الدولة الوطنية وتحقيق أهدافها، أنه الخطوة الثانية بعد نجاح واكتمال شروط وجود الدولة الوطنية. إذن فهو يتحقق تلقائيا حين تتوفر أسباب وجوده حين تكون الدولة الوطنية قد ساهمت في التقريب بين الدول وأدت إلى وحدة الهدف والفكر والخطاب العام.

الحديث عن الوحدة العربية أو على الأقل تقارب عربي في ظل الوضع الحالي يعتبر شبه مستحيل، ويدعو إلى الحسرة والتأسف عن ما آلت إليه الأوضاع في بعض البلاد العربية وما يعانيه الإنسان العربي. كما أن غياب دور الجامعة العربية في لعب دور حاسم في النزاع جعل منها سوى جهاز مؤسساتي غير فاعل ووجوده صوري فقط.

يعني نحن أمام نموذج تاريخي ربما غاب عن مسار الفكر العربي المعاصر لأسباب عدة منها أسباب سياسية كالإستبداد وانعدام هامش الحرية وفكريا كون الليبراليون اقتصوا ما يحلوا لهم من النماذج الغربية وغرسوها في تربة غير تربتها فذبلت وانبهروا بما وصل إليه الآخر وحاولوا تقليده وتطبيق أساليبه. في حين ركن المحافظون يدافعون بشراسة عن الماضي والأمجاد وتقوقعوا وأغلقوا كل المنافذ خوفا من الرياح الآتية من الجهة الأخرى وخوفا من نسمات التغيير والمماس بموروثهم الفكري.

نحن اليوم إذن في مفترق الطرق إما الإحتكام إلى نموذج متكامل وصريح لبناء الدولة من جديد أو إكمال المسيرة معوقين ومنقسمين بين الولاء لهذا الفكر أو ذاك وبنفس الوجوه وإن تعددت الأزمنة والأمكنة. كل الأحزاب والتيارات السياسية العربية برهنت عن فشلها وافتقادها لمشروع بناء يقود الدولة نحو الأمان، فهي إما أحزاب تهالكت مع الزمن وهرمت أو تيارات إيديولوجية مذهبية قبلية عشائرية لا ترى أكثر من موطأ قدمها فلا تصلح لقيادة البلاد، وعليه فالواقع يقتضي إفراز وإتاحة الفرصة لشريحة مجتمعية شابة من كل الأطياف والأصناف همها الوطن أولا وقادرة على القيادة و وضع الحجر الأساس لدولة عصرية حديثة ومتوازنة.

فالهدف المقصود هو بناء دولة وطنية والوسيلة هي الإصلاح الشامل لكل بنيات المجتمع وعلى جميع الأصعدة لكي تتبين لنا ملامح الدولة والمجتمع المنشود، يذهب الكثيرون إلى الدعوة بإصلاح المنظومة السياسية أولا كشرط ضروري أي البدء من الأعلى، لكني أرى العكس الإصلاح يجب أن يبدأ من الأسفل أي من العامة.

الأمر ليس سهلا وليس مستحيلا، فالإصلاح كوسيلة لبناء الدولة الوطنية يجب أن يبدأ من الأسفل أي النهوض بالشأن الثقافي التربوي الإجتماعي مما يتيح للفرد فهم شروط وجوده والإنخراط في الحياة العامة والمشاركة في صنع القرار والمصير.

لا يمكن للصراع السياسي وحرب الكراسي الفوقي أن يساعد في الرقي بالمجتمع فكريا وثقافيا في ظل المفاهيم السياسية والسلطوية الحالية والمستحوذة على كل شيء. كيف يتحقق هذا الرقي والكثير من شيوخنا ومفكرينا منهمكين في نقاشات وفتاوى بأمور تافهة والمجتمع بحاجة إلى فكر تنويري مبسط وممنهج ومحاربة الجهل والحث على التعليم وتشجيعه والرقي بالفكر الإنساني وبالإنسان نفسه.

في نظري، العدالة الإجتماعية والديمقراطية أو على الأقل تحقيق سبل التعايش الحضاري والإنساني لا يمكن أن تتحقق في مجتمع إلا إذا فاقت نسبة متعلميه أكثر من الثلثين حينها يدرك الفرد مفهوم الدولة والوطنية والحق والواجب ويستطيع ممارسة مواطنته كاملة.

لا تعليقات

اترك رد