دلالات الطير في الميثولوجيا ورمزية الطيران في الحياة اليومية


 

اتسمت علاقة الإنسان بالطير منذ القديم بافتتانه أولا بأشكالها وألوانها وأصواتها، فحرص على تدجينها للإستفادة من لحومها، ولتبقى قريبة منه يستمتع بتغريداتها الشجية ومستأنسا بها في أقفاص داخل بيته، وسخر بعضها للترفيه والصيد ونقل الرسائل.. ووردت في الذكر الحكيم أسماء طيور كالهدهد «وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ » (سورة النمل) وطير أبابيل «وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ) » )الفيل(، والغراب «فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ» (المائدة).

ووردت أسماء الطير في الأساطير القديمة، وتراث الشعوب وثقافاتها لما لها من رموز دينية ودنيوية عميقة ترتبط بحياتهم اليومية وما بعد الموت، ويعتبـر عالم الطير مصدرا خصبا للأدباء والشعراء واستلهام رمزية أصواتها التي تحاكي مشاعر الإنسان ونفسيته، ودلالات سلوكها الموحي والمعبر عن عوالم ملأى بالأسرار والغموض.

اتخذت الأمم العريقة بعض الطيور، كالعقاب، رمزا لقوتها مثل السومريين والرومانيين والبيزنطيين، وانتقل هذا التقليد إلى الدول الحديثة في أوربا وآسيا وأمريكا، فيما وضعته دول أخرى كرمز على أسلحتها مثل النمسا.. والعقاب ذو الرأسين دلالة على زيادة في القوة وما زالت بعض الدول تضعه على أعلامها مثل ألبانيا والجبل الأسود، في حين تضع دول أخرى صورة النسر وطيورا أخرى مثل صربيا ومولدوف والدومينيكا ومصر وغواتيمالا.. وكان النسر في الأساطير القديمة يرمز إلى أقصى ما تتطلع إليه الروح الإنسانية من سمو إلى انتصارها على طبيعتها الشهوانية، لهذا السبب ربما غالبا ما يصورون النسر وهو في صراع مع الثور الذي يمثل الشهوات الأرضية أو مع الثعبان الملتصق بالتراب والذي يمثل الشر(1). واعتمدت الحضارات القديمة ما بين النهرين النسر ذو الراسين كرمز لعظمتها القائمة على تزاوج السلطتين الدينية والدنيوية، وأصبح النسر في المسيحية شعارا للقديس يوحنا الإنجيلي.

استعان المصريون بالطيور في الكتابة الهيروغليفية التي تعتمد على التصوير، فاعتمدوا صور الحدأة والبومة والسقساق إحدى حروفها، ومن المعروف عن السقساق أنه صديق التمساح، حيث يدخل في فمه ويلتقط الفضلات من الطعام من بين أسنانه، وإذا ما حاول التمساح أن يطبق فكيه فإنه سرعان ما يفتحهما لأن للسقساق شوكة في كل جناح تؤلم التمساح إذا حاول إغلاق فمه، وتستطيع فراخ السقساق صيد الحشرات بعد ساعات من تفقيس البيض.

وهناك اعتقادات كثـيرة لدى الشعوب حول الطيور كالتشاؤم من بعضها، والاستبشار بأخرى، وظن الأقدمون أن البجع إذا صرخت فراخه طلبا للطعام، فإن الأم تمزق صدرها وتطعم صغارها من دمها، فأصبح هذا الطائر رمزا للتضحية بالنفس من أجل الصغار، ولذلك صار شعارا للإطعام الديني في الكنيسة الكاثوليكية.

احتل الطير في الموروث الميثولوجي لدى الشعوب مكانة مهمة في رمزيته ودلالاته المتنوعة، فقد وردت أسماء بعض الطيور في الأساطير القديمة مثل العنقاء أو العنقاء المُغرب أو عنقاء مُغرب لبعدها عن الناس، أو الققنس بالفارسية، وهو طائر خيالي يحترق وينبعث من رماده من جديد، ورد ذكره في قصص مغامرات السندباد وقصص ألف ليلة وليلة، ويقول عنه الجاحظ:الامم كلها تضرب مثلا بالعنقاء للشيء الذي يسمع به ولايرى 
ومن ذلك قول أبي نواس:

وما خبزه إلا كعنقاء مغرب ٍ يصور في بسط الملوك لها المثل
يحدث عنها الناس من غير رؤيةٍ سوى صورة ما ان تمرُّ ولا تُحل

والعرب اذا خسرت شيئا تقول: “حلقت به عنقاء مغرب أو طارت به عنقاء مغرب، وتم توظيفها حديثا في هوليود من خلال سلسلة أفلام “هاري بوتر” باسمها اللاتيني (Phoenix)  واستلهم الشعراء العالميون والعرب في الشعر الحديث دلالات ورمزية هذا الطائر الأسطوري مثل قصيدة “العنقاء” لبول لإيلوار، و”القصيدة والعنقاء” لبدر شاكر السياب..
يعتبر طائر السيمرغ أحد الطيور الخرافية في الأساطير الإيرانية الدينية والتاريخية، وفي كتاب الملحمة الفارسية “الشاهنامة” (كتاب الملوك أو ملحمة الملوك) ألفه الفردوسي أبو القاسم منصور عام 1000م، ويوجد مسكن هذا الطائر على شجرة في المحيط الواسع تجتمع فيها كل البذور التي أنتجتها النباتات كلها طوال السنة، وإذا طار السيمرغ نبت ألف عسلوج في هذه الشجرة، وإذا وقع كسر هذه العساليج ونثـر بذورها. واشتهر أمر هذا الطائر على يد الشاعر الفارسي الشهير فريد الدين العطار في ملحمته الشعرية “منطق الطير”.
وعند الفراعنة يعتبر “تحوت أوتوت” إله الحكمة عند الفراعنة، ويصور برأس طائر أبو منجل، اعتبره قدماء المصريين أنه هو الذي علمهم الكتابة والحساب، ويصور دائما ماسكا بقلم ولوح يكتب عليه.
وورد في بعض الأساطير مخلوقات خرافية نصفها طائر، مثلما في الميثولوجيا الروسية يوجد مخلوق خرافي نصف طائر ونصف امرأة. والصينية يوجد طائر “فينغهوانغ” كان الذكر في الأصل “فينغ” والنثى “هوانغ” ومع الوقت انتفت التفرقة بينهما، وأطلق عليهما معا هذا الإسم، ويعتبر برج الديك أحد الأبراج الصينية الإثني عشر.
أما الطائر الشيطان فهو طائر مخيف كان يعيش في سيريلانكا، يحكى أنه نادرا ما كان يُرى، وتشبه صرخاته كصرخات نحيب امرأة، وينظر إليه السكان على أنه نذير موت، وكانت صرخاته في الليل لقرون طويلة هي الدليل الوحيد على وجوده.
وكان للهنود الحمر “طائر المطر” يعتقدون أنه يجلب المطر، وعُثر على صورته على العديد من القطع الفخارية في مناطق مختلفة من الأمريكيتين، وهناك شركة مختصة في الري اتخذته رمزا لها.
في إنجلترا اتخذت مدينة ليفربول طائر الليفر رمزا لها، واستخدم هذا الطائر قديما في تصميم اختام الشركات، ويعود لعام 1350م، وتوجد إحدى هذه الأختام في متحف بريطانيا.
ظل الطائر في الفكر الميثولوجي مثقلا بالرموز والدلالات التي تفسر عدة ظواهر كانت تقلق الانسان، وتُشعره بالعجز أمامها، وكانت رمزية الطيران ذات أهمية في التعالي والتوق إلى الحرية والانعتاق، يقول عالم الساطير جوزيف كامبل:”الطائر هو رمز تخلص الروح من عبودية الأرض” (2) وفي الأسطورة الإغريقية لما فر دَيْدَالُوس مبدع وحرفي ماهر من أثينا إلى كريت بعد ارتكابه جريمة قتل، لجأ إلى حاكمها وابتكر المتاهة وهي شبكة معقدة من الممرات استعملت لحبس الوحش المسمى المينطور. وساعد ديدالوس أريادن ابنة الملك مينوس على الهرب مع ثِزوس، بعدما قتل المينطور. وعاقب مينوس ديدالوس على ارتكاب هذه الجريمة، فسجنه هو وابنه إيكاروس في المتاهة. وحتى يتمكن من الهرب، لجأ ديدالوس إلى ابتكار زوجين من الأجنحة، وذلك من خلال استعماله لريش الطير والشمع والخيط. ولما لبس هو وابنه الأجنحة وقبل أن يطيرا للنجاة من المتاهة الكريتية، نصح ابنه إيكاروس أن يحافظ على طيرانه في الحالة الوسطى، ولكن الابن أخذته النشوة فراح يحلق عاليا فذاب الشمع من على جناحيه فسقط في البحر.
إن الطيران في الأساطير والتراث الشعبي والآداب والفنون هو رمز للتخلص من عبء كل ما هو مادي، والسمو والتعالي والحرية، تقول ميرسيا إلياد: «إن رمزية الطيران في جميع مستويات الثقافة على الرغم من الفروق الكبيرة في السياقات الثقافية  والدينية، إنما تعبر بصورة دائمة عن تجاوز الشرط البشري وعن التعالي والحرية »(3)
فضغط ظروف العيش على الأرض والتضايق من بعض المواقف، وتكاثر الهموم النفسية تدفع بالإنسان أن يرغب في الانعتاق وإنقاذ ذاته بالتعالي واستعادة الحرية عبر التشبت بالأحلام والآمال، لأن رمزية الطيران «تثبت أنه من الضروري البحث عن أصول الحرية في أعماق النفس لا في بعض الشرائط التي توجدها ظروف تاريخية معينة، بتعبير آخر، إنها تقدم الدليل على أن الرغبة في الحرية المطلقة تصنف بين حالات الحنين التي يشعر بها الإنسان أية كانت درجة ثقافته، وأيا كان شكل تنظيمه الإجتماعي»(4).
في الإيديولوجيا الخاصة بالنظام الملكي قديما كان الملوك يحملون على الأكتاف، لأنه من غير اللائق ملامستهم الأرض، وظلت رمزية صعود الملك قائمة في بلدان الشرق الأدنى القديم لآلاف السنين رغم تباعد المواقف بسبب اختلاف الثقافات، وبفعل التغييرات التي يفرضها التاريخ(5) وفي التراث الشعبي الصيني فإن أول ملك نجح في الطيران والتحليق في الأجواء هو الإمبراطور “شوين” (Chouen) الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد، وأشار لوفير (Laufer) إلى أن “الطيران بالسحر” كان هاجسا عند الصينيين، ويعتبر ريش الطيور أحد الرموز الأكثر شيوعا للدلالة على طيران الشامان (الشامانية هي ظاهرة دينية تتضمن مجالات وممارسات الشامان، وموجودة بعدة أشكال حول العالم) (6).
وفي الميثولوجيا السلتية(Celtic mythology) كانت الطيور رمزا للمعرفة التي تعتمد على التنبؤ، ومعرفة الغيب «وكان الناس يعتقدون أن طائر الهدهد يستطيع الاختفاء عن أنظار كل كائن حي، وهذا يفسر الحقيقة التي تشير إلى أنه في أواخر القرون الوسطى ظل الناس يعتقدون بوجود نبتة عطرية متعددة الألوان في عش الهدهد، والتي يستطيع من يمتلكها ان يختفي عن النظار»(7).
يظل الطيـر من خلال تغريداته الشجية وتوقه الدائم للحرية، والتعالي والسمو والانعتاق من كل ما له صلة بالأرض يترجم توق النفس البشرية إلى كل هذه الرموز، وتدفع بالإنسان كي يتخذ الطائر والطيران كرمز ذو دلالات في مخياله الثقافي، مستعينا بايحاءته في الأدب، ومن أشكاله وألوانه كخزان لذاكرته التشكيلية، ومن تناغمه الصوتي في تأليف مقاطع موسيقية، واعتبر المتصوفون الروح البشرية مثل الطائر ترفض أن تظل حبيسة هذا العالم الفاني، وتختار أن تطير في الأعالي لمعانقة الحرية، وهناك بعض الطرق الصوفية تعتبر لغة الطير لغة الطيور لغة الملائكة، وتحدث الفلاسفة القدماء عن لغة الطيور وأسرارها وعلاقتها بالبشر والطبيعة، واعتبروا أن لكل إنسان عصفوره الداخلي الذي يتغنى بالحياة، «وفي “ذاكرة ما بعد الموت” (Mémoire d’autre tombe) ذكر شاتوبريان الملاحظة السرية التالية:”أقمت مركز قيادة، كالعش في شجرة صفصاف، وهناك بين الأرض والسماء أمضيت وحيدا ساعات بين الطيور المغردة»(8).
وحاول عباس بن فرناس الطيران مقلدا بذلك الطيور، إلا أنه دفع حياته ثمنا لهذه التجربة، والتي كانت بداية لإجراء عدة محاولات لتطوير الطيران، وما زال الإنسان المعاصر يعيد هذه التجربة رغم وجود آليات عدة تساعد على الطيران، إلا أنه يفضل أن يتجرد من كل آلة ذات محرك، فظهر منذ بداية الثمانينات زيا خاصا مشابها لهيئة الطائر يرتديه ويرتمي من فوق الجبال والأماكن العالية جدا، فيطير في الأجواء مستعينا بمظلة هبوط. وهذا يعكس رغبة الإنسان الملحة في تقليد الطير في طيرانه.
ومازال الشعراء يستعينون برمزية الطائر والطيـران في إعطاء تجليات فلسفية وميثولوجية لبعث روح متجددة وحركية فنية دائمة لقصائدهم، خصوصا فيما يتعلق بالحرية والانعتاق والانبعاث من الواقع القاسي الذي أصبح مليئا بالحروب والصراعات الإيديولوجية والدينية والطائفية والقلق النفسي والروحي والديني.. ولعل التغريدات التي يطلقها الإنسان في العصر الرقمي عبر موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” لخير دليل على رغبة الإنسان الملحة في محاكاة الطيور للتخفيف عن عبء الواقع وقساوة المعيش اليومي.

______________ الهوامش_____________________
• (قصة أسطورة 2: النسر ذو الرأسين – أكرم أنطاكي – موقع معابر: http://www.maaber.org).
• (“الطائر وتجلياته” – نبيل سلامة – موقع معابر/ www.maaber.org).
• (“الأساطير والأحلام والأسرار” ميرسيا إلياد – ترجمة: حسيب كاسوحة- منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق – 2004).
• (“الأساطير والأحلام والأسرار” ميرسيا إلياد – ترجمة: حسيب كاسوحة- منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق – 2004).
• (“الأساطير والأحلام والأسرار” ميرسيا إلياد – ترجمة: حسيب كاسوحة- منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق – 2004).
• نفس المصدر السابق.
• (“جماليات المكان” غاستون باشلار- ترجمة: غالب هلسا- الطبعة الثانية 1984/ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت).
• (“جماليات المكان” غاستون باشلار- ترجمة: غالب هلسا- الطبعة الثانية 1984/ المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت).

لا تعليقات

اترك رد