الأحلام حين تتنفس

 
(لوحة للفنان حيدر دوغة)

(يا الله، لقد قالت: حبيبي؟!!..

آه، لكم وددتُ سماع هذه الكلمة؟..

وأخيراً قيلتْ لي!!، وبرقة أيضاً ؟..

كم أنا محظوظ هذا اليوم، يبدو أن هذه المرأة طيبة بما فيه الكفاية..)

طفل العاشرة تقريباً، قال ذلك، معترشة قمة قلبه البهجة والدهشة.. فتلك المرأة الفارعة السمينة، فاجأته بوقفة مرصعة خصلاتها المتدلية بوجه وقوام مهيبين، ولقد سمعها تناديه (تعال حبيبي)، نادته في حين كاد يصل إلى برميل القمامة القذر.. بين محتوياته ـ المشابهة لملابسه الرثة، والمتسخة كبشرته الغضة ـ يبحث عن أحد أحلامه الصارخة في أحشائه، وقد لقي من سفره هذا نَصَبا.

استجاب لها، فإذا برجل مهندم بدا عليه بأنه يحترمها كثيراً، حضر سريعاً وأخذ من بين كفيها مجموعة الأكياس التي ملأتها من المحال التجارية الفخمة، وأودعها في الحال سيارة فارهة، خمن الطفل بأنها سيارتها، والرجل ذاته سائقها.

تنفس الصعداء، فأردف مُشعلاً جذوة أحلامه: (آه، ليتها أمي، لسدت أبواب اليتم الذي يقارعني ويعصف بي بشراسته، وأنام في حضن دافئ لطيف حنون)، لكنه سرعان ما طرد هذه الفكرة من رأسه، هامساً (لا، لا، لا.. لا امرأة أبداً، يا أمي، في هذه الحياة، تعوضني حضنك)، وشرع يحدق في المرأة، بينما تنبش أعماق حقيبتها الثمينة اليدوية، وأكمل:

( لِمَ لَمْ تعطني شيئاً مما في الأكياس؟.

أًلِأنَّ ما فيها لا يناسبني، وستعطيني مالاً؟ ) .

وفي رحلة أناخت نفسه جِمَالها على أرض اللهفة، وأنفاسه تسكبُ شوق السنين التي كابد فيها عناء السفر ليحقق فيها مأموله.. قال في نفسٍ تبرجت بالفرح: (أخيراً، وجدتُ من سيعطيني المال).

لم تزل المرأة تنبش في حقيبتها الكبيرة الغزيرة.. أخذ نفساً عميقاً، تزينت فيه حاله بوقفة احترام، وتلفعتْ براحة بيضاء ناصعة، هامساً لنفسه:

( كم يا ترى ستعطيني من المال؟..

لابد أنها ستعطيني الكثير، فهي كما يبدو من ذوي الغنى الفاحش، يظهر ذلك أيضاً من خلال نظافة بشرتها، وتسريحة شعرها، وترتيب لباسها الرائع، الغالي الثمن، المرصع بالأحجار الكريمة، بل يظهر من خلال ما يزدان به معصمها ورقبتها وأذناها من ذهب وجواهر).

أخذ نفساً آخر، درجت فيه ذاكرته نحو أمنية لطالما ظلت تأكل عليه وتشرب، ويمني نفسه بها بكرة وأصيلاً:

( إذا كان المال كبيراً، فلسوف أقنع عمي الكسيح، بأن يدخل مشفى لعلاج نفسه ليعينني على مواجهة الحياة القاسية.. أو سأدخل المدرسة لأتعلم وأحصل على وظيفة تنتشلنا من مأزق العيش القبيح.
أما إذا كان المال أقل، فلسوف أشتري لعمي كرسياً متحركاً، وسأدفع إيجار سنة كاملة – على الأقل – لصاحب غرفتنا الطينية.

أما إذا كان المال أقل، ربما سأشتري فراشين، وسريرين لنا، عوضاً عن الحصيرين الخوصيين اللذين فتكا بأضلاعنا. أو ربما سأشتري بذلة أو بذلتين لنا، عوضاً عن المهترئ الذي نرتديه ).

مازال يعدد متطلباته الكبيرة كلما رأى طابع البذخ الذي عليه المرأة، بينا تردد له: (صبراً حبيبي)، بل ويفرش أحلامه الصغيرة كلما تأخرتْ في نبش حقيبتها ذات الألوان الباهرة، ويدعو الله بأن لا يخيبه.

تقلَّبتْ عيناه في وجهها، فرآها تتأفف وتعبس قليلاً، وتنظر إلى سائقها، ثم تعود في النبش مجدداً.. وما كاد يتوجس هروب السحاب المثقل بالماء عن أرض أحلامه التي تكاد تكون مواتاً، وتتدحرج على أرتال فرحته صخوراً صلبة من فوق جبال شاهقة، إلا وعادت المرأة سريعاً إلي ربوع فرحتها.. فعادتْ فرحته معها..

كررت ابتسامتها في وجهه مجدداً، فتكررتْ ابتسامته أعرض، وكفها مازالت مغروسة في حقيبتها.. وقبل لحظات كاد يصير وجهها قبلة يرضاها.. أخرجت له منديلاً ورقياً مسحوقاً، وقدمته إليه قائلة له بشراسة:

خذ يا وسخ، وامسح مخاط أنفك المتدلي، ولا ترني وجهك مرة أخرى.

لا تعليقات

اترك رد