الناس أعداء ما جهلوا !


 

يقف الإنسان كثيراً عند محطات الحياة، وله في هذه الوقفات عبر ودروس تجعله يتكيف مع ما يأتي في العالم الإنساني. ومع كل تقدم في الزمن تزداد المتطلبات الاجتماعية مع ظهور بوادر الجهل والانحراف، وحاجة النفس البشرية لبوصلة المسيرة.
“الناس أعداء ما جهلوا” رؤية فكرية ساحرة تحمل في طياتها الكثير من المعاني، فما أراد منها الإمام علي “ع” إلا وضع ضوابط لحركة الحياة عبر الاستمرارية والإنسانية.
لكن .. كيف يعادي الناس ما جهلوا؟
هل السبب في العداء بين الناس هو الجهل؟
وما المعنى من أن تعادي ما تجهله؟
بالطبع، الجهل عكس المعرفة، سبب في تفكك المجتمع وذوبان صور الحب والتآخي بين الناس، وعدم إدراك البعض للآخر وفهمه بالطريق الصحيح.
فعدو الحب جاهل لمعناه، وعدو الصدق جاهل للصواب وقريب من الشك، وعدو الناس جاهل لكيفية التعارف والانسجام، وعدو الثقافة جاهل لا يعرف اقتناص ثمرتها وعدو لنفسه لأنه جاهل لنفسه فاقد للثقة.
هؤلاء الناس يخافون السير في الحياة لأنهم يخشون ما جهلوا، ولا يعرفون الطريق الواضح الذي لا يدركون إلى أين سيصل بهم، لأنهم قرروا السير في طرقهم من دون إدراك قوانين لعبة الحياة بكل تفاصيلها الواقعية. والحقيقة أن مجهولات الإنسان أكثر بكثير من معلوماته، ويقول الشافعي بهذا الشأن:
كُلَّما أدَّبَـنــــــِي الدَّهْــــــــــــرُ … أرَاني نَقْصَ عَقْلِي
وإذَا ما ازددتُّ عِلْمًا … زَادَنِي عِلْمًا بِجَـهْلِي

الناس الذين وصلوا إلى مرحلة إدراك الحياة والوعي للأشياء، تمكنوا من السير على بوصلة الاستقرار ومعرفة البعض للآخر بكل مودة ورحمة وإخاء ومحبة. هذه هي المعرفة بالمستوى الثقافي، فالإنسان العارف بالحقوق لا ينكر منها شيئاً ولا يجهل عيش الناس بكل حرية، والعارف بالأخلاق لا يجهل الضمير والتقاليد والمجتمع، والعارف بالشر لا يجهل معنى إلحاق الأذى ولا يمارس انحطاط الأعمال، والعارف بفضل الآداب لا يجهل جمال الآخرين واليد الممدودة، والعارف بالحُب لا يكره بل يحارب أية فكرة للحقد والتفريط بالآخر.
لذا فالناس أعداء ما جهلوا بينهم وبين أنفسهم وبينهم والآخر، و(من جهل شيئاً عاداه)، اعتادوا على الأنانية واستباحة حياة الآخرين، لا يرون إلا ما يرون في أنفسهم، لا يسمعون إلا لما يريدونه، لا ينسجم الحق مع أهوائهم، خائفون من التقريع بالنقص، فالجاهل لا يرتدع وبالمواعظ لا ينتفع.

لا تعليقات

اترك رد