مابعد تحرير الموصل اراء وتكهنات

 

حين تتغير الثوابت تتبعها المعطيات بالتغيير، وتخلف ورائها كما هائلاً من التساؤلات التي لا يمكن الاجابة عنها الا عبر بعض الاراء المتباينة والتكهنات النابعة من صيرورة انتمائية اما عرقية ” اثنينة” قومية او طائفية مذهبية دينية، او حتى بعض الاحتمالات الواردة خارجياً حسب اجندات لاتخدم الا مصالحها التي لن يشك احد بانها المنفذ الاول والاخير لاية ازمة سواء أكانت داخلية أم اقليمية أم دولية، وحين نتأمل الحدث الدرامي العراقي بصورة عامة، والكوردي داخل العام، سنجد كيف ان الثوابت ليست الا واجهات اعلامية تخص مرحلة مؤقتة جداً لحين تحقيق هدف معين بعدها تتم المبادلات المصلحوية وفق المعطيات التي لاتتوقف عند جغرافية واحدة بل تتعداها الى اصوليات لايمكن حتى التنبأ بالماهيات التي قد تفرزها جراء حركتها العمودية والافقية معاً وفي آن واحد، بحيث تجد ان كل المؤشرات تتحرك في وقت واحد وتجد نفسك بين متاهات لاسبيل للخروج منها الا بالاندماج باحدى التيارات التي تخترق بين فينة واخرى تلك المتاهات.
مشكلة الموصل لم تبدأ بداعش ولن تنتهي بانتهاء داعش، هذا الامر كان ولم يزل متداولاً بطريقة لاتخرج عن التصريح بالرأي او التكهن الاجندي، وفي كلتا الحالتين الوضع ليس الا فصل سياسي اثني مذهبي اقليمي دولي محلي لايمكن وضع اللمسة النهائية للختمة الا من خلال المزج بين كل تلك المكونات، وهنا تبدأ المعضلة الكبرى في الامساك بطرف الخيط المؤدي الى المزج، لأنه ليس فقط الكيفية هي العائق انما المكونات نفسها بتنافرها وتناقضها وصراعاتها التاريخية والحالية وحتى الانقسامات داخل الكتل الاثنية والمذهبية هي كلها عائق لوضع اللمسة المناسبة للختمة الفعالة للفصل الجذري في تاريخ المنطقة والمدينة والدولة والاقليم معاً.
لن نخوض بالتفصيل في معيات التاريخ بتصنيفاته القديم والوسيط والحديث، انما سنتوقف عند معالمه المؤثرة على الحدث المعاصر ان لم نقل الحاضر الاني، حيث ان الموجبات المترتبة على الفواصل التاريخية السالفة الذكر هي معروفة لدى الجميع، سواء ضمن الاستراتيجية الاشورية قديما والان، ام ضمن المنفذ الفرثي الاخميني للوصول الى الفيئات العلوية ذات الوصلة الشامية من جهة، والموجودة في الكثير من المناطق الكوردية في شمال كوردستان، وحتى الى بعض الممرات المؤدية الى الجنوب اللبناني من جهة اخرى، وكذلك الفصل المتعلق باسلمة المنطقة بعد الفتوحات ومن ثم تدشين الخلافات العرقية الاثنية ضمن هياكل متعددة متجوفة في ظاهرها ومتناقضة في باطنها كي تحقق المطلب الرئيسي من الفتوحات باعتبارها اخعصت المتناقضات ضمن هيكلة الدولة المركزية وقتها بالتشريع والفقه الديني، بغض النظر عن الصيرورة والحتمية التي انتفضت بوجهها انذاك سواء بتعرية الثوابت من مقاصدها او من خلال تحوير المركزية الى وصلات طائفية مذهبية( الخليفة – عائشة – الخوارج – السفيانية ” معاوية الشام” – بعد المعارك الداخلية بين الاخوة الاعداء والافرازات التي نمت وارتوت منها وعليها الموجودات – المكونات – الحالية في المنطقة، ومن بعدها التوالي الحدثي التاريخي بسيرورته الحتمية وصيرورته الديناميكية، وتحويل المنطقطة ومن ضمنها الموصل الى ويلايات عثمانية، ومن ثم الافراز التقسيمي الذي وزعت المنطقة بموجبها على اسس لا تنتمي لا الى العرق القومي ولا الى الدين ولا الى المذهب والطائفة، انما على اساس المصلحة الخارجية للقوى العظمى، فكانت كوردستان مثلا من ضحايا تلك المصالح، كل هذه المعطيات ضمن منظومة الفواصل الحدثية التاريخية هنا تجبرنا على التأمل في ماهية وواقعية كل رأي او تكهن قد يصدر من جهة فعلية ورسمية وفعالة او حتى جهة محايدة -مع التحفظ على كلمة محايدة – او من جهة ثقافية و اكاديمية او شعبية عامة في المنطقة دون العودة الى المعيات التاريخية التي لم تنصف اي تلك الاراء والتكهنات سابقاً وضمن صيرورة حدثية مشابهة تماما، من حيث الاداء المصلحوي لتلك الدول الكبرى التي لم تزل نافذة سواء بالظاهر او الباطن في صنع القرار السياسي والاثني والمذهبي الطائفي ليس لدى طوائف وقوميات بحد ذاتها انما لدى دول تحاول ان تبرز عضلاتها امام شعوبها بانها تتحدى كل الجهات التي تحاول التدخل في الشأن الداخلي مع ان الصور واضحة بأن الشأن الداخلي بنظرهم ليس الا ما تقرره تلك الاجندات الخارجية بل ما تفرضه تلك الاجندات دون حتى ان يكون للشأن الداخلي اية اولوية ضمن صياغاتهم – اي الاجندات الخارجية – اثناء الاقرار وفرضه وتنفيذه.
على هذا الاساس نجد بأن الرؤية الانية للموصل والتكهنات لمابعد التحرير لن تتوقف عند التصريحات التي تفرزها الجهات المعنية داخلياً بالشأن الموصلي – حكومة المركز الشيعية – المكونات الاخرى في الموصل من اشوريين وكلدان واثور – من شبك وكاكه يين وفيلين وتركمان – ومن ثم اقليم كوردستان بصفة خاصة لكون الاقليم الساعي لتحقيق بعض المكاسب في استعادة اراضيه من الواقعة تحت سلطة المركز حدوده متاخمة ملازمة وملاصقة بشكل مباشر لحدود الموصل الجغرافية هذا من جهة، وكذلك التصريحات الاقليمية التي تنبع عن الرؤية المصلحوية الاستباقية التي يحاول كل من الحكومة التركية السنية والحكومة الايرانية الشيعية من تحقيقها في المنطقة عن طريق الموصل نفسها لكونها كما سبق وان اسلفنا سترسم خارطة طريق جديدة للمنطقة باكملها اذا تم لهولاء ما يصبون اليه او اذا استطاع طرف تحقيق مقاصده على حساب الطرف الاخر، وبلاشك التحالفات هنا ستكون الرهان الاصعب في تحقيق تلك المعادلات الصعبة كرأي وتكهن، هذا بالطبع اذا لم تكن الرسومات الجيوبولتيكية السبقية والمقننة ضمن منظومة دولية قد دخلت على الساحة وهي لاتحتاج الا لوضع نهاية لبعض الافرازات الجانبية التي خلقتها هي نفسها لتحرك الساكن في المنطقة كي تحقق تلك المنظومة هدفها المخطط والذي لايحتاج الى نقاش انما فقط الى تنفيذ ضمن مراحل محددة من قبلها.
هذا الامر بلاشك ربما سيتفق عليه الغالبية حتى بعض الفئات داخل الصراع المابعدي لكونهم مدركين تماما ان حصيلة تلك الرسوم والمخططات كانت نتيجتها ما هو الوضع عليه الان، وهي الافرازات التي خدمت البعض على حساب البعض دون اية اعتراضات وعوائق يمكن ذكرها على انها غيرت شيء من المخطط وقتها، فتركيا خسرت الموصل مثلا والجزء الجنوبي من كوردستان ضمن مخطط سبقي في مقابل مصلحة اقتصادية وسياسية ضمن المنظومة الاكبر، في حين ايران خسرت العراق العربي لعقود متوالية ضمن صفقات متبادلة وعداء اعلامي مرهون بظرفية غير مستقرة، وبالتالي فان تلك المصوغات كانت موجودة وفرضت على الواقع دون حراكات كبيرة ودون اية انتفاضات بدت وكأنها يمكنها ان تغير ملامح الواقع الجيوبولوتيكي، انما فقط كانت حركات لارضاء الذات السلطوية التي تريد ان تبرهن لشعوبها انها رافضة ومتحدية، على انها في الواقع خاضعة لرسوم موضوعة سبقية ونافذة وغير قابلة للنقاش، وهذا بالتالي يجعلنا نرى ونتكهن بأن كل التصريحات وكل التحركات وكل التلميحات وكل الصراعات وكل التيارات وكل الاثنيات والمذاهب والقوميات والاديان كلها معا خاضعة لتلك المنظومة وتنتظر باطنياً القرار النهائي دون ان تعرف ما ستؤول اليها الامور كي تبدأ بتدوير الوضع اما بالقبول والاندماج ضمن الهيكلة والمنظومة السبقية، او ترفض اعلاميا وتحاول ان تعقد المؤتمرات وتناجي الامم المتحدة وتحاول عقد تحالفات اقليمية وربما دولية وربما مذهبية طائفية وربما قومية لترضي في الواقع شعوبها وكي تبرهن على رفضها لكنها في الباطن ستؤمن كما فعلت من قبل بالحتمية التي هي القاعدة الابرز في التكتيك السياسي العسكري المنظم.
لذا فقط نريد من الساسة والحكومات والجهات المشاركة في الملحمة الموصلية على ان تركز على امرين لاثالث لهما، الاول: الحد من الدمار البشري ومحاولة البت في الماهيات التي ستؤمن الحياة للفارين والعائدين قبل وبعد التحرير الى المدينة كي يتجنبوا كارثة انسانية وشيكة وعلى المحك.. وثانياً: الكف عن استغلال الشعوب وزجها في معارك لاتخدم حتى كرسيهم السلطوي والبت في وضع مسار اكثر اماناً واستقراراً في المنطقة.. لان الانسان في هذه الدائرة الملغومة لم يعد ينظر الى الغد كامر مهم انما فقط اصبح ينظر الى النَفس التاني الذي يلي ما يزفره الان كي يؤرخ لحظة حياة اخرى لنفسه.

المقال السابقظِلال
المقال التالىهمسات
جوتيار تمر صديق.. حاصل على ماجسيتر تاريخ العصور الوسطى/ كلية الاداب . كـــتب ونشر العديد من المقالات والنصوص الادبية من مسرح وقصة وشعر ونقد في الصحف والمجالات المحلية والعربية. صدر له العديد من الدواوين والكتب منها ديوان شعر مشترك مع الشاعرة التونسية ضحى بوترعة بعنوان " دم ميديا سقف قرطاج"... كتاب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد