الفن التشكيلي والتراث

 

لا أحد يجرؤ على نكران حسنات التراث لكونه عمدة هويتنا الثقافية ، ولكونه مصدرا من مصادر الإبداع ، منه نستوحي تميزنا الحضاري ، ومنه نمتح فرادة التفنن في ثقافة العيش و طبيعة التواصل الإنساني الذي لا حدود لتنوعه ، كما يخول لنا فرادة تجسيد معطياته فنيا ضمن قوالب تعمق جماليته وتضفي عليه مزيدا من الرمزية الضاربة في عمق وقلب الثقافة ، و نعارض من يحاول وضع قطيعة مع التراث ، كما نعارض من يحاول التمسك بكل معطياته بعيدا عن الغربلة و التبصر في الانتقاء ، فالتراث إرث حضاري يحمل الكثير من العناصر التي بلغت نضجها رؤية وإبداعا ، إلا أن هذا الإرث لن يكون كله مناسبا كمنبع للإبداع ، فلكل عصر إبداعه الذي يحمل من عناصر الماضي بقدر ما يحمله من عناصر الجدة و المحاينة. . فالتراث بهذا منبع يصل الماضي بالحاضر عبر المبدعين الذين يستندون إليه فيمدهم بخلاصة وزبدة تجارب مبدعين أمثالهم عبروا ثم رحلوا وتركوا إرثهم الإبداعي ثروة قابلة للنمو والتزكية بالتمحيص والإضافة والتجديد ، لذا فالتراث فارض لنفسه في عدة زوايا منها الحفاظ على الهوية والبناء على أساس متين ،مع التفاعل معه تفاعل الأجداد والآباء مع الأبناء.

فالتراث منبع للأخذ والإلهام ، وأساس للحاضر والمستقبل ، ووسيلة تأصيل لإبداعاتنا مهما تجددت ، حقل قابل للتجديد واستنبات المختلف المواكب للعصر…

والحال أن الإبداعات الأمازيغية سينما وتشكيلا وشعرا وأغنية… اتخذت التراث منبعا للاستيحاء والإلهام مما أضفى عليها سمة الفرادة والتميز والأصالة ..1 . ومن المعلوم أن العناية والاهتمام بالتراث قد شهد طفرة هائلة اليوم أملتها العولمة الساعية إلى إقبار الثقافات والهويات ومحو المميزات الثقافية والاجتماعية للأمم . وإذا كانت السينما في كثير من البلدان العربية وغيرها قد اتجهت للمتح من التراث ، فقد سبقها إلى ذلك الفن التشكيلي الذي حاول ـ قديما ـ ويحاول الآن أن يجسد الملح التراثي عبر أدوات وتقنيات تشكيلية متنوعة .

ففي كل بلد نجد اتجاها خاصا بالإبداع التشكيلي الماتح من معطيات التراث بتنوعاتها وضروبها المائزة مقارنة بتراث الآخرين .

ولأن المبدع عادة يحرص على اقتناص ما يراه قابلا للقولبة الجمالية والفنية ، فإنه يجد ضالته في التراث بأدواته بعمارته وأزيائه .. إلا أن التعاطي للإبداع ضمن هذه المعطيات تختلف درجاته وضروبه من مبدع إلى آخر وفيما ذلك نميز بين :

ـ من يتمسك بالمحاكاة في نقل مفردات تراثية بما هي عليه من شكل ولون .. ونعتبره أقل إبداعية من غيره أخذا بعين الاعتبار طبيعة الإبداع الحقيقي المجاوز للمحاكاة .

ـ من يحاول أن يزود المحاكى بما يجعله مختلفا يحمل جمالية وإبداعية إضافية ، معتبرا ذلك ضمن غايات الإبداع. إذ يعتبر هذا الأخير استحداثا وابتكارا لشيء جديد ، فهو إنتاج لعمل غير مألوف، ضمن شروط وسياقات اجتماعية وذاتية تجعله ذا قيمة من قبل صاحبه ومن قبل المتلقين له . ولا شك أن الإبداع عملية ليست هينة الإنجاز ، ويدل على ذلك نسبة المبدعين في كل المجتمعات مقارنة بغيرهم ، فخصائص الإبداع تقتضي من المبدع صفات ومواصفات لا يمتلكها غيره . وطبيعته الخاصة تجعله يقتضي التخطيط والتركيب عبر رؤية بها من شخصية وقدرات المبدع ما يعطيها تميزها عن غيرها من الإبداعات ، فهو المالك للقدرة على إعادة بناء علاقات في قالب مستحدث مخالف مُبتَكر.

ـ من يحاول أن يعبر عن نقائص أو فوائد هذا التراث انطلاقا من استحداث رؤية رامزة إلى ما ينبغي وما لا ينبغي ، فتصير اللوحة بمثابة نص يحبذ أو ينتقد جانبا من جوانب التراث .

ـ من يحاول بناء لوحته بناء سرياليا يثير الأسئلة ويبعث على التأويلات ، والتساؤلات ، وبذلك تصير اللوحة مجال مفتوحا للتواصل والاستغراب والإعجاب وغير ذلك .

ـ بين من يجمع بين أكثر من اتجاه وأكثر من تقنية وخامة في العمل الفني الواحد .

ـ …

في كل هذا تجليات لما يشكله التراث من منابع إبداعية غائية تحاول أن تنخرط في المحافظة على التراث وخلخلته بحثا عن الإيجابي فيه لتعزيزه ، وعن السلبي لتقزيمه واستكراهه في النفوس . وانطلاقا من مما سبق ، يبدى لنا دور الإبداع في إعادة تشكيل المشكل ، وإعادة تحيين جمالية الجميل وفق رؤى حداثية اقتضاها تطور العصر.

إن التراث الإنساني سيظل رفيق الإنسان في كل زمان ومكان ، يفرض نفسه عليه في إبداعاته المختلفة، ونعتبر الفن التشكيلي منخرطا في المحافظة عليه بل في تجديد نظرتنا إليه ، ولذا نرى كون التشكيلي الحقيقي من لا يكتفي بالنقل الأمين للتراث ، بل هو من يحاول أن يضع بصمة جمالية وغائية في تجسيد ملمحه ، ويجعل معطياته تحيل على شيء أعمق من مظهرها وشكلها.

ــــــــــــــــــــــ

هامش :

ـ 1 انظر كتابنا ” قراءة عاشقة لإبداعات أمازيغية “[ مركز الطباعة بأيت ملول ، الطبعة 1 ،2011م] ص 4 وما بعدها ، للوقوف على فصل خاص بعلاقة التراث بالإبداع.

1 تعليقك

  1. Avatar لحسن ملواني

    شكرا لصحيفة الصدى نت على المجهودات الكبيرة التي تسديها للثقافة والفكر العربي والإنساني ، فهي منبر يعمل جاد على التواصل بين المبدعين والأدباء والمكرين في كل بقاع المعمور.

اترك رد