لا لاحتكار المشاعر


 
(لوحة للفنانة منى غريب)

المشاعر والأحاسيس تصرفات راقية ومحببة للنفوس وكبتها أو كتمانها يؤذي النفس ويجعلها مريضة وتائهة أغلب الوقت، وهي تعني باختصار تفاعل الانسان بمكونه البشري مع الأشياء والأشخاص من حوله، وتظل هي الفارق الأكبر بين الانسان والجماد، فلما الكتمان والحرمان؟.
وللأهمية الكبرى لهذه للمشاعر، كان لابد أن نهتم بتوجيهها صحيحًا وصحيًا، ولابد أن تنفس في مكانها الحقيقي والذي يستحقها، أي نعم لا نملك ذلك كثيرا فنحن نحب فجأة ونعشق فجأة ونلتقي بأناس صدفة ليصبحوا في لحظات جزءا هاما من حياتنا تصعب الحياة بدون رؤيتهم وحديثهم.. لكن نحاول توجيه المشاعر والأحاسيس نحو من يستحق حتى لا نرجع نندم ونبكي…

حديثي هنا ليس دينيا ولا اجتماعيا، بل اعتبره مجرد خاطرة بعضها مواقف شخصية لي والآخر نقل لي أو عايشته عن قرب، وجدت أن هناك احتكار كبير ممارس ضد المشاعر… فالمرأة تعشق أبنائها وفقط وترى فيهم البراءة والصفاء، وربما تجدها غليظة مع أطفال غيرها.. هنا مشاعر محتكرة.. الزوجة تعشق زوجها وتريد السيطرة عليه وفقط وعندما يرتبط بأخرى لظروف معينة أو حتى يبدي إعجابه أو يعجب أحدا به.. تنقلب المشاعر إلى غيرة قاتلة ربما تخرب البيوت على إثرها.. وهنا لا ألوم على غيرة الزوجة لكني أتحدث فقط عن المشاعر.. وهنا أراها أنانية واحتكار ومعالجة خاطئة جدا.
ومن أنواع احتكار المشاعر، اعتبار الزوج العاشق “بمعناه الايجابي” كافر بقداسة الحياة الزوجية وفاشل في بناء أسرة وتحمل مسؤولية ونظرة دونية من مجتمع في حاجة لمصحة نفسية، رغم أن العشق لا يستأذن في دخول القلب، وهنا تعامل غريب مع الأمر: وهو اعتبار حب الرجل لأخرى يساوي كره الزوجة ونسيان فضلها وسنوات العشرة وغيرها من المصطلحات المعلبة التي خربت بيوتنا، أعرف أناس حبوا غير زوجاتهم بل وتزوجوا غيرها وظلت الأولى هي رمز الصفاء والحب والعشرة ولم ينقص من حقوقها قيد أنملة ولم تتأثر حياتهم أبدا.. العشق لايعني هجر الحب الأول أو نسيانه..
وعندما ناقشت بعضهن أن الرجل يمكن أن يحب واحدة أو أكثر، ردوا بقوله تعالى :”ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه..”، بحثت في تفسيرها ولم أجد لها ارتباطا واحدا بموضوع الحب أو التعدد، لكن الآية كلها تدور حول الإيمان والتوحيد، ومن تفسيرها: “أن الإنسان ما دام لا يملك إلا قلبا واحدا، فلا بد أن يتجه إلى إله واحد وأن يتبع نهجا واحدا”، انظر تفسير الطبري، تفسير ابن كثير، في ظلال القرآن.

الفراق لا يعني الكره: نعم حتى لو افترق الزوجان فإن ذلك ليس معناه فقط الكره بينهما أو الفشل، بل قد يكون تصحيح مسار للطرفين، وهنا تذكرت قصة جميلة في حضرة النبي الأعظم محمد صلّى الله عليه وسلّم، الذي قال عن الحب: (لم يُر للمتحابين مثل النكاح)، وهي قصة رجل يسمى مغيث وزوجته بريرة، تحابا ثم تزوجا ثم افترقا، فكان مغيث يمشي خلفها وقد أصبحت أجنبية عنه، ودموعه تسيل على وجنتيه، فقال النبي للعباس: (ألا تعجب من حب مغيث لبريرة ومن بغض بريرة مغيثا)، ثم قال لها الحبيب: (لو راجعته) فقالت بريرة أتأمرني؟ فقال (إنّما أنا شافع) قالت لا حاجة لي فيه… ما يعني أنه لا داعي لاحتكار المشاعر على الحياة الزوجية وفقط.

ومن أنواع الاحتكار الممارسة من قبل كثيرين، احتكار مشاعر الرقة والحنو عن غير أبنائنا، فتجد اغلبنا رقيقا سهلا لينا مع أولاده، وبالعكس تماما مع غيرهم أو على الأقل نظرته لأبناء الآخرين، والجزء الأول طبيعي بحكم الفترة والغريزة ولا يمكن لأحد ان يحتل مكان أبنائنا، لكني هنا اتحدث عن أنانية المشاعر، فلا مانع من توزيع بعضها على أطفال كثر مع الاحتفاظ بالنصيب الأكبر للأبناء، النبي القدوة بكى كثيرا على فراق ابنه إبراهيم لكن مشاعره لم تقف عن أبنائه بل كان يقبل أطفال كثر ويلاعبهم، توزيع مشاعر جياشة تجاه الملائكة الصغار.
العدل في الحب: من المؤكد أن المشاعر والأحاسيس ليست مجرد تصرفات يمكننا توجيهها بسهولة، لكنها لست بأيدينا، وأرقى انواع الحب والعشق هي ما تكون بين زوجين متفاهمين متكافئين، لكن حتى هنا التحكم في كامل المشاعر ليس بأيديهما، لو حكمت الظروف القاهرة “مثلا” في الزواج بأخرى، كان العدل في الحب صعب جدا، لا تغضب وتثور علي.. معك حديث للنبي الكريم المحب لأهله، عن عائشة، قالت: كان رسول الله يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: “اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك”، صححه ابن حبان، والحاكم، وأما معناه؛ فقال العيني في عمدة القاري: قَالَ التِّرْمِذِيّ: يَعْنِي بِهِ الْحبّ والمودة؛ لِأَن ذَلِك مِمَّا لَا يملكهُ الرجل وَلَا هُوَ فِي قدرته، وَقَالَ ابْن عَبَّاس ـ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا ـ: لَا تَسْتَطِيع أَن تعدل بالشهوة فِيمَا بَينهُنَّ وَلَو حرصت”.

هنا تأكيد أن المشاعر ليست مما يملكه الانسان، ولكنها في الوقت نفسه لايجب ان تخرجنا عن العدل حتى في توزيع مظاهرها من الاهتمام والتلطف، لكن ما في القلب في القلب..

الخلاصة: مشاعرنا هي تصرفات راقية لا يجب أبدا كتمانها ولا كبتها.. ولا يمكن احتكارها حتى لاتفسد، ولا يمكن تأجيلها حتى لا تبرد وتذبل، ولا يجب إنكارها على آخرين والاستهزاء منهم لمجرد إظهارها، ولا يوجد احدا مهما كان كبير على هذه المشاعر، فلا يجب أن نكابر في عدم الاعتراف بها.. هي ملكية خاصة يستفيد بها كثيرون فلا تبخل بها أو تحتكرها عن غيرك.. فلا تكن أنانيا .. كن محبا وتفاعل مع الحياة.

المقال السابقعرفتُ السَّلَامَ
المقال التالىبعد هزيمة تنظيم داعش
كاتب صحفي مصري، وباحث سياسي مهتم بقضايا الشرق الأوسط وعلاقتها بالفاعلين الدوليين، دراسات عليا في المفاوضات الدولية، كلية اقتصاد وعلوم سياسية، جامعة القاهرة، متخصص في الشؤون العربية والدولية، له عدة دراسات حول ملف المغرب العربي وخاصة الملف الليبي، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالنقابة العامة للعاملين ب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد