عرفتُ السَّلَامَ


 
(لوحة للفنان ياسين حراز)

كثيرون هُمُ اليومَ مَنْ يَتحَدّثُونَ عنِ السّلام، كلٌّ من وجهةِ نظرهِ، ومن منطلقاتٍ إيديولوجيةٍ وعقائديّة مُعَيّنة، وكلّ في وادٍ يهيمُ بليلَاهُ ويُصَوّرُ هذا السّلامَ كما شاءَ وأرادَ، بل هناك من يَبْنِي قصوراً من الأوهام والأحلام فوقَ أرضيتِهِ الهشّة، يبغِي الوصولَ إلى جائزةٍ مَا، أو الحُصولَ على دعمٍ مادّيٍ من وزارة ما، وقلّةٌ هُمْ أولئكَ منْ يعرفُ حقّاً ما السّلامُ في زمن هُو اليوم زمن حربٍ وتضارب مصالح، وقضايا أخرى لا أوّل لها ولا آخر، بل في زمنٍ تلبسُ فيه الحربُ ثوبَ السّلام، وتجّارُ السّلاح والمخدرات والدّعارة عباءةَ أهلِ السلام والوئام والتصالح مع كلّ الناس والأمم والشعوب على اختلاف عقائدهم ومللهم، وبينَ هذَا وذاك ضاعَ كلّ شيءٍ: ضاعَ السّلامُ، وفرّتْ حمائمُه من نوافذ المعابد والكنائس والمساجد وصالات المؤتمرات والجمعيات المُزيّفَة والوهميةِ واللقاءات التي تروّجُ لكلّ شيء ماعدا للسّلام الحقيقي. مع كامل الأسف هذا هو واقعُ الحال اليوم، وكيف لا يكونُ كذلك والسلامُ مُغيّبٌ في البيوت وفي المدارس، في الجامعات وفي دور العدل والقضاء، وفي المؤسسات السياسية والاقتصادية العالمية وفي كل شيء يحيط بنا. ولقد كذبَ لليومِ من قالَ إن الأصل في الإنسان هو السّلام، فحالة السلام لم تكن أمرا فطريا في قلب وعقل إنسانٍ أبداً، لأنّ الأصلَ في هذا الأخير هو حالة الحربِ، ونظرة طبّية وفحص إكلينيكي لجسده ونفسِه وما يضطرم فيها من صراعاتٍ يُثبتُ أن الأصل في الحياة كلها لا الإنسان فقط هو الحربُ لا السّلم، وأنّ الحرب والسلام الأرضيين حالتان متكاملتان ولا وجود

للآخر في معزل عن الثاني. هذهِ هيَ النّظرةُ المنطقيةُ والعلميةُ لكلّ الأشياءِ، مادامَ الكونُ في حالة نمو وتطور دائم يقتضيانِ معاً، حالة الصراع لا الوئام، أمّا السّلام الحقّ فهو حالة روحية، يتمُّ الوصول إليها بقطع أشواط مُكثّفة وعميقة من العمل على حفر الذّات البشرية وصقلها، وتشذيب عيوبها، ونواقصها للوصول بها في نهاية المطاف إلى حالة إنسان السّلام، وهذا أمر لا يبدأ في أية مرحلة من مراحل عمر الإنسان، ولكن على عكس المتوقع يبدأ منذ مرحلة المُضغة ويستمرُّ خلال رحلة الحياة الطويلة القصيرة حتى يصل إلى مرحلة الشيخوخة التي قد تُتَوَّجُ بالوصول إلى الهدف الروحاني فيتكللُ القلبُ بتاج السلام، وقد يرحلُ الإنسان بعد شيخوخته وهو لم يُكمِل طريق تطوره الفكري والروحي، ولم يعرفْ بالتالي ما معنى السّلام ولا ما معنى أن تكونَ إنسان سلام.

السّلامُ لا تأتي بهِ الكتبُ ولا الجمعيات ولا المجلات ولا الإذاعات ولا أيّ شيء من كل هذا، ربّما قد يكونُ لكل هذه الأشياء مجتمعةً دورٌ تَوْعَوِيٌّ ليسَ إلّا، ولكنها لا يمكنها أن تجلب السلام إلى بيوت الناس، وتحملَ لهم ما يكفيهم عناء السؤال والحاجة والعوز، ولا يمكنُها أيضا أن تحمل السلام إلى قلب إنسان يضجُّ بيتُه بالصراعات العائلية المتطاحنة حيث الأبُ مستبدٌّ والأم مهيضة الجناح، والأخ منافقٌ والأخت انتهازية السلوك إلى غير ذلك من الآفات الأسَريّة، ولا إلى مجتمع كل أسرة فيه هي على هذا المنوال الذي ذكرتُه، مجتمع يُعاني من شيزوفرينيا حادة لا يعرفُ أإذا كان علمانيا، أم دينيا أمْ هُما معا، ولا إذا كانت تحكمُه المؤسسة الدينية أو المؤسسة القانونية، ولا إذا كان شرقيا أو غربيا أو هُما معا، ولا إذا كان عليه أن يُرْضِيَ الشرق أو الغرب، ولا حتى إذا كان دُستوره الكتاب المقدس أو القانون الوضعي، وهلمّ جرّ من هذه الحالات والقضايا التي

جعلتْ منَ الإنسان في كل العالم كائنا مُتشظّيا تحكمه الحروب النفسية، التي أصبحت بمضيّ الزمن حروبا طاحنة كبرى تسودُ الأرض والسّماء وتأتي على الزرع والعباد.

إنّ السّلامَ هو سلام الروح والبدن والعقل، فإذا سلمتْ في الإنسان كل هذه الأشياء سَلِمَ العالمُ من شرّه. وفي روحِ الفردِ تُغْرَسُ مبادئ السلام الذي ينهضُ بالحياة ويُرَقّيهَا، ولا أقصُد هنا أبدا سلام المتحذلقين والمتملقين أصحاب المصالح الذين يقبلون بأيّ شيء من أجل تحقيق أهداف معينة لا يَعرفُ ماهيتها إلّا علّام الغيوب.

والحالُ أنني رأيتُ اليومَ ما آلَ إليه السلامُ في عالمنا المريض، قررتُ أن أترك الكتابة عنه لمن لا يعرفُونهُ حقّ المعرفة، فهُمْ أقدر منّي على الحديثِ في كل المنابر عن كلّ شيء وعن لا شيء. إنّ الأمر في اعتقادي أشبه بأولئك الذين تراهم يتحدثونَ عن الله وأنبيائه صباحَ مساءَ في كلّ مكان وزمانٍ، والنتيجة كانت أن افتضحوا وبانَ المستورُ: لا أحد فيهم يعرفُ اللهَ ويقدره حقّ قدره، ولا أحد فيهم يعرف بالتالي السلامَ الحقّ، لأنّ اللهَ هو نفسهُ السلام، ومادامت الغالبية العظمى لا تعرف الله فشيء طبيعي ألا تعرف حتى معنى السلام الذي هو اسم من أسمائه الحسنى، هو وحده الذي سَلَّمَ حضراتِ الوجودِ من تدحرُجِهَا في العدم والخواء، ووحده منعَ المراتبَ من اختلاط بعضها ببعض، لذا فإن اسم السلام هذا هو صفة سلمية سلامية تشير إلى تجلّيه تعالى في سائر أسمائه وصفاته حتى تُحْفَظَ الموجوداتُ من انبهام بعضها ببعض والسقوط بالتالي في مهالك الانعدام. ومنْ نظرَ إليه الخالق بنظرة من عيْنِ سلامه الحقّ فاز بالسلام الذي انسترَ عن العديد من الناس لكثرة الحُجُبِ الظّلُمانيةِ في أنفسهم، وأصبح لا يملُّ

منْ محبّةِ النّاسِ والصّفْحِ عنهُم وإن كثرت إساءاتُهم، وذلكَ بسرّ اسم السّلام والحِلْم واللّطفِ الإلهي الذي هُوَ تصرفُ الخالق بالرحمة في ومعَ العصاة.

ولمعرفة اللهِ وجبتْ معرفةُ النفس، ولمعرفةِ السلام وجبت معرفة النفس والله معاً، إنها كلّها أمور حتمية لا مجال فيها للخطأ، ومن توصّلَ إلى معرفة هذا وذاك كفَّ عن الكلام، وانتقلَ من مجرّد فعل الكتابة والخطابة في الناس إلى فعْلِ الفِعْلِ وتطبيقهِ في صمتٍ. وبهذا وجبَ الإعلامُ، وبهذا وجبَ صمتِي أيضا وعدم الخوضِ في سلامِكُمُ، لأني تركتُهُ لكم واكتفيتُ بسلامي الذي لا يتحمّلُ المزيد من الكلام أبدا، لأنني اليومَ وأكثر من أيّ زمن مضى عرفتُ السّلامَ اسما وصفة وحالةً، فرُفِعَ الحرفُ والكلامُ، ورُفِعَتِ الصُوّرُ والتمثلات، ولمْ يبقَ شيءٌ في قلبي سوى صوتٍ يهتفُ عاليا: هَذَا مَا تُوعدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ منْ خشيَ الرَّحمَن بِالغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ، ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ.

شارك
المقال السابقاعتراف
المقال التالىلا لاحتكار المشاعر
ناقدة، ومترجمة، وشاعرة، مقيمة في إيطاليا .. حاصلة على شهادة الدكتوراه بدرجة امتياز وبمرتبة الشرف الأولى .. مستشارة في هيئة التحرير لدى مجلة السّلام الصادرة من السويد (ستوكهولم) مديرة الفرع الإيطالي للبيت الثقافي العربي في الهند؛ حصلت سنة 2006 في إيطاليا على لقب أوّل امرأة عربية تتخرّج بمرتبة الشرف ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد