العراق الجديد و حقوق الإنسان


 

أثار إنتباهي و إستغرابي معا قبل أيام خبر أوردته قناة السومرية العراقية، أن وزارة الخارجية العراقية قد أعلنت عن تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على إنتخاب العراق، و لأول مرة، عضوا في مجلس حقوق الإنسان التابع للمنظمة الدولية، إلي جانب ١٣ عضوا جديدا آخرين، علما أن هذا المجلس أسس عام ٢٠٠٦، و يعقد إجتماعاته الدورية في مكتب الأمم المتحدة في جنيف، و يتكون من ٤٧ دولة، و يعتبر هذا المجلس هيئة حكومية دولية داخل منظمة الأمم المتحدة، و ” يعتبر مسؤولا عن تعزيز جميع حقوق الإنسان و حمايتها في جميع أرجاء العالم ” ..

و ربما العبارة الأخيرة آنفا هي التي أثارت إنتباهي و إستغرابي، فالعراق أصبح سجله الإنساني و الحقوق الإنسانية و البشرية فيه ما يندى له الجبين، و التقارير المنشورة منذ الإحتلال و حتى اليوم تقدم يوميا برهانا و تأكيدا على تردي الأوضاع الإنسانية و الحريات و الأمن و السلامة و غيرها من المعايير و الأسس بشكل لم يشهده البلد سابقا، و أصبحت هذه الأوضاع مثار تندر و إستنكار مختلف الشخصيات و المنظمات و الهيئات الدولية و المحلية المهتمة بهذا الجانب ..

لقد فاقت تجاوزات حقوق الإنسان في العراق، سواء من قبل الحكومة هناك أو من يمثلها أو من تدعمهم من الميليشيات و المافيات المختلفة، فاقت كل المقاييس و تجاوزت كل المعايير الدولية، سواء كان ذلك قتلا أو تعذيبا أو إغتيالات أو إعتقالات عشوائية طويلة أو أبدية، و تهجير و تدمير و حرق بيوت و مساجد و مستشفيات، و كل ما يمكن أن نتخيله، و ما سمعناه و لم نسمعه من هذه الحالات، و أنا هنا أشارك إستغراب الكثيرين في كيفية إيجاد الرابط و العلاقة ما بين عراق اليوم و مجلس حقوق الإنسان هذا ..

في تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر مؤخرا، أشار إلى أن قوات الحشد الشعبي تشارك في فعاليات و نشاطات أمنية مختلفة في العديد من المدن السنية منها الموصل و الرمادي و الفلوجة، و بدعم من الحكومة و رئيس الوزراء العبادي، على الرغم من سجل الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان لقوات الحشد هذه ضد المسلمين السنة في العراق ..

كما أشار التقرير المذكور، أن العديد من هيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، بما في ذلك ” لجنة حقوق الطفل “، و ” لجنة مناهضة التعذيب “، و ” لجنة حقوق الإنسان “، قد أعربت عن قلقها بشأن تدهور أوضاع حقوق الإنسان في العراق، إثر مراجعات لحالة حقوق الإنسان أجرتها خلال عام ٢٠١٥ ..

و يشير التقرير إلي أن ممارسات قوات الجيش الحكومية و قوات الحشد و الميليشيات المختلفة في العديد من المدن و المناطق السنية، تحت غطاء محاربة ما يسمونه ب ” داعش ” قد تسبب في قتل و تهجير الآلاف و تدمير و حرق المئات من المساكن و المباني و المساجد و المستشفيات ، إضافة الى أعداد كثيرة و متنوعة من حالات الإعتقالات العشوائية و التعذيب ..

و ركز التقرير بشكل خاص على عمليات القبض و الإحتجاز بصورة تعسفية، حيث أشار إلى قيام قوات الأمن العراقية بعمليات قبض دون مذكرات قضائية و دون إبلاغ من قبضت عليهم أو عائلاتهم بأي تهم موجهة إليهم، كذلك القيام بإحتجاز المعتقلين لا سيما المشتبه بصلتهم بالإرهاب بمعزل عن العالم الخارجي لأسابيع و أشهر طويلة، و غالبا في ظروف ترقى إلى الإختفاء القسري و في سجون سرية تسيطر عليها وزارتي الداخلية و الدفاع العراقيتان و لا تخضع للتفتيش من قبل النيابة العامة أو أية هيئة رقابية، و قد أفرج عن العديد من المعتقلين بعد فترات إعتقال طويلة دون توجيه أي تهم إليهم، إلا أنه لا زال هناك الآلاف من غيرهم لا زالوا محتجزين في ظروف قاسية جدا، خاصة في سجن الناصرية جنوب بغداد، و الذي يستخدم غالبا في إعتقال و إحتجاز الرجال السنة ممن أدانتهم المحاكم أو يواجهون تهما تتصل بالإرهاب، و يتعرض هؤلاء المحتجزون لمختلف أشكال الإنتهاكات ..

في مجال آخر يشير التقرير إلى إستخدام ممنهج و مبرمج للتعذيب مع المعتقلين إضافة إلى أنواع أخرى من سوء المعاملة في السجون و المعتقلات العراقية، حيث يخضع المعتقلين لتعذيب شديد و قاس لإنتزاع الإعترافات و المعلومات منهم، حتى لو كانت ملفقة و غير حقيقية، و من ثم إستخدامها ضدهم عند محاكمتهم، هذا إذا بقوا على قيد الحياة و صمدوا لمواجهة محاكمتهم، حيث أن كثير من المعتقلين يفارقون الحياة خلال فترات إعتقالهم الطويلة تحت وطأة التعذيب الشديد المبرح، و قد إنتقدت ” لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب ” عدم فتح الحكومة العراقية تحقيقات في مزاعم التعذيب و محاسبة مرتكبيها ..

و يستمر التقرير، و هذا واحد من العديد من التقارير الشاملة متعددة الجوانب التي تفند إدعاءات الحكومة العراقية و مآثرها في مجالات حقوق الإنسان و الحريات العامة، و مرة أخرى نعلن إستغرابنا لهذا الإختيار، و اللطيف إني قرأت تعليقا على هذا الإختيار، و حسب التعليق أنه تم إختيار مصر و السعودية و الصين أيضا لعضوية هذا المجلس بالإضافة للعراق، و كلها دول عليها علامات إستفهام عديدة فيما يتعلق بحقوق الإنسان و الحريات، حيث يشير المعلق متهكما أنه عليهم الآن دعوة كوريا الشمالية أيضا لعضوية المجلس في ضوء إختياراتهم هذه لتكتمل لديهم الصورة الجديدة للمجلس ..
على أية حال نعود لتقريرنا هذا و هو يشير في فقرة لاحقة إلى نظام العدالة الجنائي في العراق و كونه يعاني من مثالب خطيرة، كما يفتقر القضاء للإستقلالية المطلوبة و الضرورية، في حين إتسمت المحاكمات و لا سيما تلك المتعلقة بتهم الإرهاب و التي يمكن أن تفضي إلى عقوبات الإعدام، بالجور الفاضح منهجيا، و كثير ما تعتمد تلك المحاكمات على الإعترافات المثلومة و المرتبطة بالتعذيب كدليل ضد المتهم جورا، كما يواجه المحامون الذين يمثلون من يشتبه بهم بعلاقتهم بتهم الإرهاب، تهديدات و ترهيب على أيدي المسؤولين الأمنيين، و يتعرضون لإعتداءات بدنية من جانب أفراد الميليشيات الطائفية المدعومة من الحكومة العراقية، و هنا لا بد من إستذكار المادة ٤ إرهاب التي باتت أشهر من نار على علم في ساحات القضاء العراقي، و التي يعتقل و يحاكم و يعدم و يقتل على أساسها العديد من أبناء الوطن زورا و بهتانا ..

و ينتقل التقرير لمحور آخر، هو ربما المحور الرئيسي الذي بررت فيه قوات الإحتلال إحتلالها العراق عام ٢٠٠٣، رغبة منها في توفير الديموقراطية و حرية التعبير و الإعلام و الحريات الشخصية للمواطن العراقي ..؟؟!! ، فيبين تقريرنا هذا أن الحكومة العراقية قد فرضت قيودا على الحق في حرية التعبير بما في ذلك حرية الإعلام، حيث أقرت الحكومة مؤخرا قانونا جديدا لتنظيم الشبكات الإعلامية، وصفته ” المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان “، و هي هيئة رسمية عراقية، بأنه فرض قيودا مبالغا فيها على حرية الإعلام ..

و مثال على محاولات النيل من حريات التجمع و التظاهر و الحريات الشخصية و حرية الرأي، كلنا نتذكر التظاهرات التي جابت شوارع بغداد و البصرة و مدن عراقية أخرى إحتجاجا على الفساد الرسمي و إنقطاع التيار الكهربائي و شحة المياه و عدم توفير السلطات العراقية العديد من الخدمات الأساسية الأخرى، حيث قتل في حينها خمسة أشخاص على أيدي قوات الأمن العراقية، فيما بعد قتل عدة أشخاص من قادة الإحتجاجات و التظاهرات على أيدي معتدين مجهولين في بغداد و الناصرية و البصرة، دون أن تزعج السلطات المعنية نفسها بالتحقيق في هذه الأحداث، و التي يرى البعض أن البعض من سلطات الأمن العراقية الحكومية أو الميليشيات الطائفية المرتبطة بها قد تكون مسؤولة عن تلك الأحداث ..

كذلك فقد إضطر ” نيد باركر ” رئيس مكتب ” وكالة رويتر للأنباء ” في بغداد لمغادرة البلاد في فترة سابقة بسبب تهديدات تلقاها من ميليشيات شيعية، و جاءت التهديدات عقب نشره تقارير بأن الحشد الشعبي قد أرتكب إنتهاكات و أعمال نهب عقب إسترداد تكريت من تنظيم داعش ..

فيما يتعلق بأحكام الإعدام التعسفية و العشوائية، فقد أستمرت السلطات العراقية الرسمية في فرض هذه العقوبات على نطاق واسع، حيث نفذت العشرات أو المئات من أحكام الإعدام سنويا، و كان معظم المحكوم عليهم بالإعدام رجالا من السنة الذين أدينوا بموجب قانون مكافحة الإرهاب لعام ٢٠٠٥ سيئ الصيت ..

في تقرير آخر عن إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق أصدرته منظمة حقوق الإنسان – هيومن رايتس ووتش قبل أشهر قليلة، فيما يتعلق بالانتهاكات التي حصلت في مدينة الفلوجة أبان تحريرها بواسطة القوات و الميليشيات الحكومية من أيدي ما يسمونه بداعش، أشار التقرير أن رئيس الوزراء العراقي العبادي صرح أن حكومته قد إتخذت الإجراءات اللازمة الكفيلة بحماية المدنيين، لكن هيومن رايتس ووتش تلقت إخبار و تقارير عن حصول إعدامات ميدانية و ضرب لرجال عزل و إختفاء قسري و تمثيل بجثث على يد القوات الحكومية و الميليشيات المتعاونة معها ..

كما تلقت هيومن رايتس تقارير عن قيام أعضاء من الشرطة الإتحادية العراقية و قوات الحشد الشعبي بإعدام أكثر من ١٢ مدنيا من قبيلة جميلة أثناء الفرار من قرية سجار الواقعة شمال الفلوجة، و تقارير أخرى عن قيام الحشد الشعبي بإعتقال ما يقارب من ١٧٠٠ شخص خلال هذه الأحداث، و قاموا بضربهم و جرهم و هم موثقون إلى سيارات تتحرك يربطهم بها حبل للسحل، قاموا بعدها بإخلاء سبيل ٦٠٥ شخص ليتلقوا العلاج في مستشفى عامرية الفلوجة، كما وردت تقارير عن مقتل ٤ أو ٥ أشخاص نتيجة التعذيب ..

مع كل هذه التقارير و البيانات التي تؤكد حصول إنتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان، و إستمراريتها لحد يومنا هذا، خاصة و نحن لا زلنا في خضم أحداث الموصل التي نتوقع لها أن لا تنتهي قريبا، و إن إنتهت فهناك دائما جديد في هذا الإتجاه، فأن دولة مهمة في المنطقة تعيش لسنوات عجاف طوال تحت هذه الظروف الإنسانية الصعبة سيكون مؤثرا سلبيا ليس على مستوى العراق وحده و شعبه، بل المنطقة و الدول المحيطة، و سيبقى البلد في حالة قلق و عدم إستقرار ..

و في تقرير لمعهد بروكنز الأمريكي للأبحاث صدر قبل أيام عنوانه، كيفية معالجة مشكلة الميليشيات الشيعية العراقية، لخص المعهد لب المشاكل الأمنية و الإنسانية و المعاناة البشرية في العراق بوجود هذا العدد الكبير من الميليشيات العراقية الطائفية المدعومة من الحكومة العراقية و الحكومة الإيرانية على حد سواء، و التي باتت تشكل قوة كبيرة خطيرة خارجة عن نطاق سيطرة الحكومة العراقية الضعيفة المشتتة و غير المستقرة أساسا، و باتت تشكل ورقة ضغط في أي نشاط حكومي أو عمليات عسكرية أو أمنية تجري في العراق، و بات قادة هذه الميليشيات يتبجحون بقوتهم و سطوتهم، و باتت لهم شعاراتهم و أعلامهم و أجهزتهم الإعلامية و تصريحاتهم، و خططهم و برامجهم التي غالبا ما تكون خارج سياقات العمل الأمني و العسكري الحكومي، و بالتالي فأن مصالح هذه الميليشيات ستتطور لتقوم بعمليات إغتيال و إعتقال و مداهمات ربما لا تعلم بها قوات الأمن و الشرطة و الجيش الحكومية، و بالتالي ستتطور معاناة الإنسان العراقي المواطن البسيط العادي لتكون أضعافا مضاعفة، و ستضيع حقوقه بين أجهزة و تشكيلات لا يعرف كنهها و لا حجمها و لا موقعها و لا مهامها إلا الله تعالى ..

و هنا نستذكر الجيش الثوري الإيراني، و حزب الله اللبناني، و ميليشيات الحوثي في اليمن كمثال و نموذج لهذه الميليشيات المتواجدة في العراق، كيف أنه شكلت تحت غطاء، لكنها تمارس مهامها في إتجاهات أخرى مخالفة و مختلفة و متنوعة، و يتمحور وجودها في خلق حالة من عدم الإستقرار الدائم و التهديد سواء على مستوى البلد أو المنطقة ككل ..

إنها فعلا معاناة حقيقية، و خطر كبير يعيشه العراق اليوم، و هو يسير إلى المجهول، و نحو طامة كبرى إن لم يكن قد وقع فيها فعلا، و إن كان الجميع منشغلا اليوم بموضوع الموصل، و قبلها تكريت و الرمادي و الفلوجة، فأن يوم الحساب و توزيع الغنائم قادم، و ربما سنشهد إقتتالا داخليا بين الميليشيات بعضها مع البعض الآخر، و ربما بينها و بين القوات الحكومية و قوات الشرطة العراقية، و ربما تتطور إلي إقتتال مع البيشمركة أيضا، الحقيقة كل الإحتمالات واردة في ظل فقدان الأمن و النظام و القانون ، و الإنفلات الأمني الذي ربما يكون مقصودا لتمرير المخططات و السيناريوهات التي تتعلق بالعراق و شكله و تكويناته و مستقبله، و بالتأكيد الخاسر الأكبر من كل هذا سيكون شعب العراق الصابر المستجير بالله تعالى ..

و من الله العون ..

شارك
المقال السابقتركيا والموصل والخرائط!
المقال التالىأوسمة الحمير والقرود
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. تحية لك استاذ غسان
    تستكثر على وطنك هذا الموقع البسيط ؟!…الاوضاع الانسانية في العراق سيئة بسبب الارهاب وخرابه اما حقوق الانسانة فمحفوظة حد ا لم تبلغه اي دولة عربية .
    – التظاهر شبه يومي
    -لايوجد سجين راي واحد
    – السجون اشبه بفندق 5نجوم حتى انترنيت متوفر للسجناء ومبلغ 25 دولار يوميا
    -السعودية حكمت على رائف بدوي 15 سنة سجن والف جلدة بسبب تغريدة وقطعت رؤوس المئات خلال عام واحد وتعتبر المراة اداة منزلية ومع ذلك تم انتخاب السعودية رئيس لمجلس حقوق الانسان في الامم المتحدة .
    -التقارير التي ذكرتها زائفة ومدفوعة الثمن وانت خارج العراق واكيد تخفى عليك الكثير من الحقائق .
    – مفكر مثل جنابك يجب ان يكون بعيد عن النفس الطائفي لكنك تحدثت بخطاب شيخ متطرف يحرض على الفتنة …كررت كلمة السنة عدة مرات وصورتهم طائفة مضهدة بينما معاناة الاوضاع السيئة شملت الجميع والسجون تضم مدانين من كل الطوائف .
    – يبقى العراق وطنك وهو اولى بان تتمنى له الخير والاستقرار … فالحكام زائلون والعراق باق .

اترك رد