حين تنساب “أرواحنا”

 
(للفنان غسان غايب)

لحظات، قد ترسم منحنيات تاريخنا القصير على هذه الأرض، فيها ترتقي أرواحنا لعوالم كشفيه، وتعيد نحت قسمات نفوسنا بخيوط مخميله، وتنعكس صورنا على جداول الخمر المنساب، فنجد وجهًا ملائكيًا لا نعرفه.

مهما تشكلت نفوسنا، بخطوط رسام الفحم، مهما اشتد سوادها، إلا أن بين الفراغات بياض الخلفية، من هنا نأتي، من الفراغات، فراغ العاطفة المسمي حب، فراغ العقول المسمى الإحتياج، فراغ الأجساد المسمى أرحام، وبعد أن نأتي من فراغ الكلي المسمى العدم، نسير فى حالة إحتراب إلى فراغ النهاية، إلى الموت.

لحظات قد نعشيها لحظات، ثم ننتقل إلى الفراغ الأخير، قد نفقد الإدراك بعدها، نفقد إرادتنا الحرة، ونفقد كليتنا وجزئيتنا، نتلاشي فى ثقب كوني أسود، حيث لا الزمكان، حيث السكون الأزلي، لكنها تبقي حيث اختارت السرمدية.

العقل، ذلك العاجز عن الإدراك الوجود، لكن يرفض الإعتراف، يستمر فى الغي والبحث عن المبررات، وحين تنتهي ألاعيبه الإدراكية، يخلق دوائر الوهم، دوائر الوهم تتسع، نخرج من دائرة إلى أخري، يستنفذ لحظات، يكبلنا بقيود المعرفة الحسية، لا يكبلنا … نحن من يتمسك بها خوفًا من الأنزلاق إلى أعماق أرواحنا، حيث الحقائق عارية مجردة.

جلّ ما نخشاه الحقائق، إنها مؤلمة للغاية، يصدر عنها نورنيات تعمي أبصارنا، تخترق نفوسنا بسيوف حادة، تطرحنا أرضًا، فى حلبة معركة مصيرية، نبحث عن الفوز، نركض فى كل الإتجاهات، نبحث عن سلاح فعال يكفينا بطشها، ان الحقائق شديدة البأس قوية البنيان، تتعالي إستغاثتنا فى السماء، يأتينا الصوت، إهزموها بالقبول.

الحقيقة أن أرواحنا تنساب من سجنها المادي، تتدفق إلى عالم من الطوبائية، تتجرد من كل الكل وتسير بلا كلية، تمتد إمتداد الكون اللامتناهي، تصبح قادرة على إحتواء ما بين الإمتدادات، لكنها تختار السكون إلى احدهم لحظة من اللحظات.
سخافات الواقع عششت، سيطرت، خلقت وجود من اللاوجود، تطفىء أنوارنا الحدسية، تستعبدنا بمقدسات المنطق العقيم، تأخذ بتلابيب المشاعر، وتلقي بها فى محراب مدنس، حيث يُعبد العقل، تتوسله بلغة لا يتحدثها، بينهما فجوة، ملأها الخوف من المجهول، المجهول هو لعنة العقل، تعوذيته وفزاعته، يضرب بها الأغنام فتسير فى القطيع، وأنا .. أنا “أخاف”.

لا تقرأين سطوري، إني أُزيد حروفها ليعمها السواد، لقد تمردت على فراغاتها البيضاء، إنها آلمتني، في ليالٍ شديدة البياض، أمسكت برماد سجائري، صبغت به الفرشاة، وصعدت للسماء كالمجنون أخفي البياض، يرتعش جسدي، فيزيد جنوني، أختنق … تتصارع الأنفاس فيزيد جنوني، أرسم سواد على السواد، لكن تزداد السماء بياض … فتنساب “روحي” إلى العدم بلا ثمن.

المقال السابقابن بياع الحليب الذي أصبح رئيساَ..
المقال التالىفرهود ياسوك الهنود
صحفى وباحث مصري متخصص فى ملف الجماعات الإسلامية، عمل بعدة صحف مصرية وعربية ومراكز بحثية، كما قدم إنتاج متميز فى رصد ومتابعة النشاط "الأصولي" فى شبة جزيرة سيناء، قبل وبعد أحداث ثورة يناير فى سيناء، حيث أصدر أهم ورقة بحثية تتناول نشأة وتطور وأهداف تنظيم "أنصار بيت المقدس" والمنشور فى عدة صحف ومراكز بح....
المزيد عن الكاتب

3 تعليقات

  1. Avatar هشام سلطان

    مجتهد دائما اكثر من رائع

اترك رد