حوار مع شاب يهودي!

 

ذكرَ لي الصديق المفكر والاديب سعد محمد رحيم، في جلسة خاصة جمعتنا مؤخرا، ما قرأه للمفكر الفلسطيني الشهير ادوارد سعيد، في احد كتبه، التي لم اطلع عليها. ان سعيدا، الذي يقيم في اميركا، ويعمل استاذا في جامعة كولومبيا، دعي من قبل جامعة اخرى، قريبة من جامعته، في ولاية نيويورك، وعندما وصل وجد الحضور حاشدا والقاعة ممتلئة بالكامل، وبعد ان انهى محاضرته وهمّ بالمغادرة، تقدم اليه شاب وطلب منه ان يوصله بسيارته الى بيته، لكن ادوارد سعيد شكره قائلا، ان لديه سيارة وسيعود بها، لكن الشاب اصر على ان يوصله. وعلى الرغم مما بدا له من كرم الدعوة، لكن سعيدا ارتاب بعض الشيء وطلب من الشاب السبب الذي يدفع به لهذا الاصرار، عندها، قال الشاب؛ استاذ انا احد طلابك في جامعة كولومبيا، لكني يهودي، وممنوع عليّ بشكل أو بآخر حضور محاضراتك لكنك اليوم أبهرتني!

من المعلوم للجميع ان ادوارد سعيد، له موقف واضح من الاحتلال الاسرائيلي، ويعمل من اجل استعادة حق شعبه الفلسطيني، والاهم من هذا انه يمتلك الحجة التي تدين اسرائيل، وهو ما لاينبغي ان يطلع عليه الشباب اليهودي في الاقل، ومنهم طبعا هذا الشاب الذي انكشف امامه جانب من الحقيقة!

الواقعة ذات بعد رمزي كبير، من دون شك، وتكشف لنا زيف دعاوى احترام الرأي الآخر الذي يتحدث عنها بعض دعاة الليبرالية، فمن المؤكد ان هذا الشاب استمع لعشرات او مئات المحاضرات التي يلقيها يهود صهاينة او متصهينين من غير اليهود، يتحدثون فيها عن حق اسرائيل في ما تقوم به وتمارسه ضد الفلسطينيين، كنوع من الدفاع عن النفس ضد (الارهابيين) الفلسطينيين. وقد اصبح هذا الشاب كما غيره من اليهود وغيرهم هناك، ضحايا هذا التثقيف ومعبئين ضد هؤلاء (الارهابيين)!

ان ازمة الحوار، تبقى من اهم الموضوعات التي تعاني منها البشرية، ولعلها اليوم باتت اكثر تعقيدا، على الرغم من اتساع مساحته، لان قوى نافذة في العالم، تريد له ان يوجه وفق ما تريد هي، او بما ينسجم مع رؤيتها المتعارضة مع رؤية الآخر، وليس وسيلة لانضاج رؤية مشتركة باقتراب الطرفين من بعضهما من خلال ايجاد مشتركات انسانية تتجاوز الخلاف وصولا الى الحلول الممكنة بعيدا عن منطق التخندق، الذي جعل هذا الشاب اليهودي الطيب يتوقف مندهشا عند محاضرة ادوارد سعيد، وما كشفه خلالها من بعض الحقائق التي ارادت تغييبها المؤسسات الصهيونية، في اطار مشروعها غير الانساني الذي تسعى لاستكماله بالاستحواذ على حقوق الشعب الفلسطيني، في الارض والحياة. مدفوعة بعقيدة لم يعد يتحملها منطق عالم اليوم.
نعم، لقد اتسعت مساحة الاعلام ووسائل الاتصال التي قربت المسافات بين بني البشر، لكن المشكلة تكمن في المستوى الاعلى من الحوار، ونقصد الثقافة التي يأتي الاعلام تابعا لها او متاثرا بحمولتها ومبشرا بها ايضا، وبذلك فان كثرة وسائل الاعلام المعبرة عن الثقافات المتناشزة والتي تنقل خطابها هذا الى الناس، صارت تشوه الحقائق، وتقطع الحوار الحقيقي القائم على مبدأ التنافذ الثقافي الراقي بين البشر، وهو ما نحصده اليوم، للاسف من خلال اتساع مساحة التطرف بمختلف اشكاله، والذي يجد له مبررات اخلاقية من خلال الاعلام، وتسويقه على انه يأتي في اطار حرية التعبير عن الرأي، الذي يستحق ان نصفه، بأنه حرية تخريب الحوار الانساني بامتياز. والدليل ما كان يحمله هذا الشاب اليهودي من حمولة زائفة سقطت في داخله بمحاضرة واحدة من ادوارد سعيد، مع انه يجب ان يعرف زيفها قبل هذه المحاضرة بكثير، لو ان هناك حوارا حقيقيا قد تحقق!

لا تعليقات

اترك رد