أوّلُ الغيثِ ( خَمْرٌ ) !


 

ليس شرطاً أن يكون كل معارض لحظر استيراد وتصنيع وبيع المشروبات الكحولية ، وهي فقرة أقرها مجلس النواب مؤخراً عند تصويته على تعديل قانون واردات البلديات ، أن يكون من المدمنين أو ممن يعاقرون الخمر ليل نهار كما يروج أنصار الحظر فحتى غالب الشابندر انتقده فيما اختُلف بشأن موقف نواب معممين عارضوا إقراره وقيل أن معارضتهم لا علاقة لها بالحريات الشخصية بل بتضرر مصالحهم حيث تربطهم علاقة عمل بكبار مستوردي الخمور يقدمون لهم التسهيلات ويحجبون عنهم بالضرائب ، و تردد أن هؤلاء التجارعرضوا 50 مليون دولار لمنع تمرير الفقرة ، لكن يبدو أن هذا المبلغ لم يكن كافياً فمرت الفقرة

لو أخذنا بنظر الإعتبار الإتهامات التي كالها خلال مؤتمرات صحفية نواب عارضوا الحظر لأحزاب متنفذة تقف وراءه لعرفنا ان الورع و التقوى ليست الأسباب الحقيقية للحظر فمن يمول حزبه من صالات القمار و شبكات الدعارة و من يقدم الرشى مقابل أصوات انتخابية عليه ان لا يتحدث باسم الدين لا في هذه المسألة و لا في غيرها . دعونا إذن نبحث عن الدوافع الحقيقة

في بلد تسرق فيه ميليشيات مسلحة مطاراً في وضح النهار كما فعلت قبل أيام في البصرة لا تعجز هذه الميليشيات أن تكون بديلاً كفوءً و مقتدراً لتجارة رائجة بعد تحويلها من علنية إلى سرية ، على أية حال هم من يحمي هذه التجارة في علنيتها و سيحمونها في سريتها ، كل ما هناك اننا شرعنا قانونا و عرضنا للشارع المغرم بورعنا و تقانا جانباً من هذا الورع و التقوى . التجارة السرية تدر مالاً أوفر بكل الأحوال ، مسألة الحلال و الحرام و هذا الموال المكرر حد الملل هي تحصيل حاصل يفيد الأحزاب و هي تسعى لتجديد ولاء البسطاء لها عندما تقترب الانتخابات ، في الانتخابات السابقة جمعوا آلاف الأصوات مقابل سندات تمليك أراض ثم ألغوا السندات بجرة قلم ، إعترفوا بتقديم السندات كرشوة ودفعوا غرامتها و هي مبلغ تافه لا تتجاوز قيمته وارد إسبوع عمل في مجلس النواب ، هذه المرة هم بحاجة لتقليعة جديدة فعثروا على هذه . ثم أن العراق أصبح ممراً و سوقاً لأنواع المخدرات الأفغانية و الإيرانية و هذه أيضاً لها تجارها ، من المتنفذين طبعاً . عندما تصبح حاكماً أو مشرعاً عليك أن تعدل بين تجار المخدرات و تجار المسكرات ، بسم الله الرحمن الرحيم ، العدل أساس الملك ، صدق الله العلي العظيم .

كان الحشاش الكبير بطل رواية ثرثرة فوق النيل للراحل نجيب محفوظ يقول في حوار داخلي : (الخمرة تلطش المخ و الحشيش يطير المخ الخمرة حرام و الحشيش حرام الخمرة غالية و الحشيش أغلى .. مش عارف ليه القانون يسمح بالخمرة و يمنع الحشيش ) ثم يستنتج ( لازم القانون بيشرب خمرة ) ! إبسط ياعم ، القانون في العراق يقول لك العدل أساس الملك ، سنعدل بين الحشيش و الخمرة و حبوب الكبسلة كمان و نقّي اللي يعجبك

ليس العراق البلد الوحيد الذي حظر تجارة الخمور ، في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً كان هناك قانون فدرالي بين عامي 1920 – 1933 عرف بقانون فولستيد حظر بموجبه بيع و تصنيع و نقل المشروبات الكحولية و اعتُمد ضمن التعديل الثامن عشر للدستور، و كان له مناصروه الذين اعتبروه قانوناً نبيلاً وانتصاراً للأخلاق الحميدة فيما احتج معارضوه بأن القانون يفرض توجهات بروتستانتية ريفية على سكان المدن . باختصار لم يصمد القانون طويلاً حيث ألغي بعد أن تسبب بارتفاع نسب الفساد بين السياسيين وضباط و منتسبي الشرطة وبانتشار العصابات المسلحة و اشهرها عصابة آل كابوني . كم آل كابوني في العراق اليوم قبل تطبيق القانون و كم سيكون فيه بعد التطبيق ؟

كل هذه الأسباب و النتائج مشخصة و معروفة و لا تحتاج لخبير ، لكن الأخطر من هذا و ذاك ما سربه نائب لأحد الإعلاميين من أن حظر الخمور ليس إلا أول الغيث وليس إلا بالونة اختبار لقياس ردود فعل الشارع العراقي ، فإن مر على خير فإن هناك سلسلة من القوانين ستشرع بذريعة تطبيق (الشريعة الإسلامية ) منها فرض الحجاب على غير المسلمات ناهيك عن المسلمات طبعاً و فصل الذكور عن الإناث في الجامعات ناهيك عن رياض الاطفال طبعاً و سنشهد رجماً بالحجارة و جلداً بالسياط و قطعَ أطرافٍ علنياً في الأسواق و الساحات العامة ، سنجد وظيفة للرافعات المتوقفة في المشاريع المتعطلة بعد نكول المقاول إذ سنعلق عليها جثث المتهمين ب 4 سفور و 4 سكر و 4 حشيش ألذين يبتاعون بضاعتهم من غير المنافذ المعتمدة و 4 بغاء للّائي يعملن في غير المباغي المعتمدة . في ذلك الوقت ستكون الموصل قد عادت لحضن الوطن و سيصبح أبو بكر البغدادي عاطلاً ، قد نغير قَصّة لحيته و لباسه ونستوزره ، من العدل ان نستفيد من خبرته ، أليس العدل أساس الملك ؟

لا تعليقات

اترك رد