التّجربة الشّعريّة لدى المتصوّفة

 
(لوحة للفنان فؤاد ابو ترابة)

( … بعدما شاع التصوف وقويت شوكته ، ظهر بين المتصوفة شعراء أخضعوا الشعر للتجربة الصوفية ) : د. محمد بنعمارة في الاثر الصوفي في الشعر العربي المعاصر ص 349 .

التجربة الشعرية لدى المتصوفة ، هي غنية بما تجود بها قرائحهم ، وهم يبحرون في خفايا عالم ، مملوء بالطهر والعفة والنقاء ، انهم المتجردون من الدرن ولوثة الواقع الذي يجرّنا – أحياناً – الى الانغماس في لذات الدنيا وزخارفها ، هم المولعون بما خفي ، وبما هو مستور الى حدّ الهوس ، يتطلعون الى الرضا الكامل بما جبلوا عليه .. انهم يحاولون الوصول الى غائياتهم .. معرفية الوجود والذات الانسانية ، لذا تجد ان مجالسهم تغصّ وتضجّ بلذة الاستماع الى الاشعار بطريقة خاصة بهم ، كي يحظوا بالاندماج الصوفي والروحي وسبر اغوار ذلك العطش الخفي ، ولا يخفى علينا ان شعراء المتصوفة سلكوا مسلكين :

الاول / المنظومات التعليمية التي راحوا من خلالها الى نظم ما بين الذكر والأخلاقيات الصوفية ، المغموسة بالحمد والتمجيد للذات الالهية ، وذكر النبي محمد ( ص ) ، والخلق والربوبية والعبودية وما الى ذلك من المفهومات .

أما الثاني / فهو الالهيات ، التي تصل الى درجة الرقي في النظم والإنشاد ، والغوص في اضفاء الاسرار الالهية الخفية ، وإكسابها لغة الاشارة والرمز والكناية والإيحاء ، وصولاً لحالة التجلي المنشودة ، لقد طغت على اشعارهم جملة من السمات ، منها : ( الخيال ) المتمثل ما بين المحسوس والمعقول ، وإظهار عجز العقل امام القدرات السماوية .. اضافة الى الميل الى ( التورية ) البلاغية التي هي خروج من المعنى الظاهر الى معنى آخر بعيد ومختلف عما هو موضوع له … و السمة الاخرى : ( التكثيف ) وهو الايجاز والضغط في دلالة المعاني ، لتأدية ما هو مطلوب بأقصر جمل ، ايثاراً منهم في الولوج الى حالات روحية صامتة ، تتناغم مع خوالجهم الظمأى الى ذلك الفيض الرباني ، اما السمة الثالثة : ( الخطابية والغائبية ) لقد تميزت اشعارهم بأنها خطابات وغائبيات ايصالية من خلال اطلاق اسلوب ( النداء ) الذي شكل لديهم قطب رحى ، ينساب مع ابتهالاتهم وترانيمهم النابعة من عمق النفس السامية .

والأغلب على ابيات الشعراء الصوفيين أنها : ابيات قصار باستثناء القصائد الصوفية المطولة كالتائية الكبرى / وأشعار العطار والرومي ، كما مالوا الى بحور الشعر : الطويل والوافر والكامل ، لما فيها من انسجام واتساع وإمكانية وافرة للتعبير . ومن شعراء المتصوفة : رابعة العدوية ، والحلاج وابن الفارض وابن العربي في الشعر العربي / وجلال الدين الرومي في الشعر الفارسي .

يقول الدكتور شوقي ضيف في كتابه العصر العباسي الثاني ص 113 – 114 ، في هذا السياق : ” ومنذ أواخر القرن الثالث الهجري تلقانا ظاهرة جديدة في بيئات الصوفية ، فقد كان السابقون منهم لا ينظمون الشعر بل يكتفون بإنشاد ما حفظوه من أشعار المحبين وهم في أثناء ذلك يتواجدون وجدا لا يشبهه وجد ، أما منذ أبي الحسين النوري المتوفى سنة 295 . هـ ، فإن صوفيين كثيرين ينظمون الشعر معبرين به عن التياع قلوبهم في الحب آملين في الشهود مستعطفين متضرعين ، مصورين كيف يستأثر حبهم لربهم بأفئدتهم استئثارا مطلقا ، نذكر منهم سحنون أبا الحسين الخواص المتوفى سنة 303، وأبا علي الروذباري المتوفى سنة 322 ، والشبلي دلف بن جحدر المتوفى سنة 334 وجميعهم من تلامذة الجنيد. وواضح أن العصر العباسي الثاني لم يكد ينتهي حتى تأصلت في التصوف فكرة المعرفة الإلهية ومحبة الله كما تأصلت فكرة أن الصوفية أولياء الله ،”
هم الذين غمرتهم النشوة والحبّ الصادق للذات الالهية ، فجعلوا ترميزهم اشارة وميزة تتسامى وتترفع عما يدور في هذه الدنيا ، فالأشياء – لديهم – قد نظنها حقيقة في شعرهم ، وإذا بها نسيج رمز لشيء آخر ، فالخمرة والكأس والمرأة والغرام والنظرة والخلوة والعتاب ، ورجاء السؤال ، والأسماء الانثوية والشوق والهيام واللوعة ومنادمة الآخرين ، هي مدارات تدور في فلكهم ، لأنهم تجردوا من الماديات الجافة. فالرمز والكناية وضرب الامثال ، واستعارة المعاني العذرية للتعبير عن وجدانيتهم الصافية ، اعطاهم خصوصية الانكفاء والتقوقع والهروب من واقع يعجّ بالخراب والانغماس بالملذات ، هذا الامر جعلهم يقعون فريسة المغالاة والتهويل والمبالغة فيما يذهبون اليه في ايراد المعاني الروحية الحسيّة ، وإضفاء صبغة التمجيد التأليهي المفرطة لمشايخهم وأستاذتهم ، فكان ذلك واضحاً في ما نظموه .

لا تعليقات

اترك رد