فلسفة الواقع و الأكوان الممكنة

 
(لوحة للقنان ماضي حسن)

ما هو الواقع و مما يتكوّن ؟ و هل يرتبط الواقع بالأكوان الممكنة أم لا ؟ تؤكد فلسفة الأكوان الممكنة على أنه توجد أكوان عديدة و مختلفة. و لهذه الفلسفة أسس علمية صلبة. لكن هل من الممكن فهم الواقع من خلالها ؟

تشير النظريات العلمية المعاصرة في الفيزياء إلى أنه توجد أكوان ممكنة متنوعة. هذه الأكوان ليست المجرات المختلفة في عالمنا ، بل من المفترض أن تكون منفصلة عن بعضها البعض ، و كل كون منها له حقائقه و قوانينه الطبيعية التي قد تشبه أو تختلف عن حقائق و قوانين الأكوان الممكنة الأخرى. يتفق العديد من العلماء على أن هذه الأكوان الممكنة موجودة بالفعل. فمثلا ً , يستنتج بعض العلماء كالفيزيائي ” إيفريت ” أنه توجد أكوان ممكنة على ضوء نظرية ميكانيكا الكم . بالنسبة إلى ميكانيكا الكم ، من غير المحدَّد سرعة الجُسيم و مكانه في آن كما من غير المحدَّد ما إذا كان الجُسيم جُسيما ً أم موجة. و يعبّر الفيزيائيون عن ذلك أيضا ً بقولهم إنه من غير المحدَّد ما إذا كانت قطة شرودنغر حية أم ميتة. لكننا نعلم أن أية قطة لا بد أن تكون إما حية و إما ميتة ما يعارض ميكانيكا الكم بشدة. على هذا الأساس حلّ بعض العلماء كالفيزيائي إيفريت هذه الإشكالية من خلال الموقف التالي : قطة شرودنغر حية في كون ممكن ، لكنها ميتة في كون ممكن آخر. و بذلك تتجنب ميكانيكا الكم مشكلتها السابقة. هكذا تؤدي نظرية ميكانيكا الكم إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عديدة و مختلفة. كما أن فيزيائيين آخرين كالفيزيائي ميشيو كاكو يصلون إلى النتيجة ذاتها بطريقة أخرى هي التالية : بالنسبة إلى ميكانيكا الكم ، يوجد الإلكترون في كل الأمكنة الممكنة حول نواة الذرة بدلا ً من أن يوجد في مكان معين حول النواة. لكن العالم كان أصغر من الإلكترون قبل الانفجار العظيم . و بذلك إذا طبقنا ميكانيكا الكم على الكون كله سيتضمن ذلك وجود الكون في كل الحالات الممكنة المختلفة تماما ً كما يوجد الإلكترون في كل الأمكنة الممكنة حول النواة. و ما هذه الحالات المختلفة للكون سوى الأكوان الممكنة المتنوعة في حقائقها و قوانينها الطبيعية. هكذا نصل أيضا ً إلى نتيجة أن الأكوان الممكنة موجودة من خلال ميكانيكا الكم. (1)

كما يوصلنا المفهوم العلمي للعدم إلى نتيجة أنه توجد أكوان عديدة و ذلك اعتماداً على مبدأ التقلب الكمي الخاص بنظرية ميكانيكا الكمّ. يقول الفيزيائي آلن غوث إن الكون قد نشأ من العدم من جراء التقلبات الكمية التي تصيب الفراغ. يتكوّن العدم من طاقات متعارضة و بذلك تختزل هذه الطاقات بعضها البعض فيتشكّل العدم. و لأنه لا يوجد ما هو ثابت من جراء التقلب الكمي الخاص بنظرية ميكانيكا الكم بل كل شيء محتمل ، إذن من المحتمل أن تنجو طاقة من العدم ولا يتم اختزالها ما يؤدي إلى نشوء عالمنا. وإذا جمعنا طاقات عالمنا سنجدها تساوي صفرا ً لأن الطاقة الإيجابية لعالمنا تساوي طاقته السلبية . من هنا يستنتج الفيزيائي ” غوث ” أنه يوجد الوجود لأنه عدم ؛ فجمع طاقات الكون يساوي صفرا ً. يضيف آلن غوث قائلا ً : بما أن عالمنا وُلِد من نقطة في العدم من جراء التقلب الكمي ، و بما أن العدم يتشكّل من نقاط عدة إن لم تكن لامتناهية في العدد ، إذن من الممكن أن تنمو أكوان ممكنة عديدة إن لم تكن لامتناهية في العدد من نقاط العدم المختلفة. هكذا تصر هذه النظرية العلمية على أرجحية وجود أكوان ممكنة متعددة. (2)
من جهة أخرى , تؤدي نظرية الأوتار العلمية أيضاً إلى نتيجة أنه توجد أكوان ممكنة عدة. بالنسبة إلى نظرية الأوتار، يتشكّل العالَم من أوتار قائمة في عشرة أبعاد مكانية وبُعد زماني واحد بينما العالم الذي نحيا فيه يتشكّل من ثلاثة أبعاد مكانية وبُعد زماني واحد. أما الأبعاد الأخرى فملتفة بشكل يجعلها خفية عنا ، و قوانين الطبيعة فيها تعتمد على طبيعة هندستها الرياضية. و بذلك الأبعاد الأخرى تُشكِّل عوالم ممكنة عديدة و متنوعة بسبب اختلاف هندساتها الرياضية. هكذا تقترح نظرية الأوتار أن العوالم الممكنة موجودة. و تضيف نظرية الأوتار قائلة إن الكون يتكوّن من أوتار و أنغامها ؛ فمع اختلاف ذبذبات الأوتار تختلف مواد الكون و طاقاته. لكن ثمة بلايين من الحلول لمعادلات نظرية الأوتار، و كلها حلول ناجحة رغم اختلافها و تعارضها. بذلك كل حل منها يصف عالما ً ممكنا ً مختلفا ً عن الأكوان الممكنة الأخرى التي تصفها الحلول الأخرى. هكذا تصل نظرية الأوتار إلى نتيجة أنه فعلا ً توجد أكوان ممكنة عديدة و مختلفة. (3)

الآن , من الممكن تحليل الواقع من خلال الأكوان الممكنة. فعالمنا الواقعي ليس سوى مجموع الأكوان الممكنة. لكن كل النظريات المختلفة صادقة في الأكوان المتنوعة و إلا لم تكن أكواناً مختلفة. بذلك تصدق كل النظريات في عالمنا الواقعي ما يحتم عدم رفض الآخرين و معتقداتهم. و مثل على أن الواقع مجموع الأكوان الممكنة هو التالي : بالنسبة إلى ميكانيكا الكم , يعبر الجُسيم كالإلكترون من كل الممرات الممكنة في الوقت نفسه حين ينتقل من نقطة إلى أخرى, و بذلك الواقع يتكوّن من الممكنات كافة المتحققة في الأكوان الممكنة. من هنا , عالمنا الواقعي مجموع الأكوان الممكنة المختلفة و المتنوعة. و بما أن العقائد و النظريات المختلفة في الدين و الفلسفة و العلوم صادقة في أكوان ممكنة متنوعة و إلا لم توجد الأكوان المختلفة, إذن كلها صادقة في عالمنا الواقعي. و لذا لا تفضيل لنموذج فكري على آخر ما يضمن قبول الآخر و تحقيق إنسانيتنا الأسمى.

يتكوّن الواقع من كل الممكنات. لذلك النظريات العلمية المتعارضة ناجحة رغم اختلافها. لو كان الواقع ليس كل الممكنات لنجحت نظرية علمية واحدة فقط. لكن كل النظريات العلمية المعاصرة ناجحة في تفسير الكون و إن تعارضت. لذلك العالم الواقعي مجموع كل الممكنات أو الأكوان الممكنة التي تصفها و تفسِّرها النظريات العلمية المتنافسة. فمثلا ً , نظرية أينشتاين العلمية القائلة بحتمية القوانين الطبيعية ناجحة تماماً كما أن نظرية ميكانيكا الكم القائلة بأن القوانين الطبيعية ليست حتمية بل احتمالية هي أيضاً ناجحة كما أثبت الاختبار العلمي. و على هذا الأساس , من غير المستغرب أن يوجد الواقع و أن يستمر في الوجود بما أنه مجموع كل ما هو ممكن. واقع بلا ممكنات واقع بلا وجود.

المراجع

(1) Brian Greene: The Hidden Reality. 2011. Knopf

(2) Alan Guth: The Inflationary Universe. 1997. Jonathan Cape

(3) Michio Kaku: Parallel Worlds. 2005. Doubleday

لا تعليقات

اترك رد