نـــــــــــعم وزيادة


 
(لوحة للفنان صباح اياد)

كان عليّ بن الحسين النّفزاوي جمّاعا للملح راوية لها وشغوفا بسماعها .وكان غالبا ما يبدأ يومه في كلّ صباح بنكتة أو قصّة مضحكة قد يستغرق سردها الدّقائق العديدة .ولكن وللأسف الشّديد ,كان نادرا ما ينجح في اقتلاع بعض الضّحكات التي كانت لا تتجاوز المجاملات الباهتة فالموظّفون لا يجدون الرّغبة في الضّحك وهم عادة ما يكونون في نهاية فترة صراع الرّغبة المملّة في النّوم وما كانت تتهلّل أساريرهم إلاّ في الرّبع الأخير من النصف الأخير من يوم العمل… وعندها تتباطأ عقارب الساعات وتعشى أبصار سعاة البريد ومشعلي الفوانيس تطوى الملفّات وتشعل السّجائر ويطلب حينها من السيّد علي بن الحسين النّفزاوي أن يعيد عليهم بعض ما كان قد حدّثهم به في الصّباح ولكنّ لهجاتهم كانت مضمخة بالسّخريّة الخبيثة واللمز الواضح وبيد أنّ عليّا لم يكن يجيب إلى ذلك فهو الوحيد الذي يظلّ مكبّا على دفاتره إلى آخر دقيقة من حصّة العمل فحتّى السّيجارة فهو لا يشعلها إلاّ وهو على باب الإدارة يغادرها إلى البيت….
…..”كيف أجابت الفتاة الشّيخ يا سي النّفزاوي ؟ أمّا هو فمتصاب أعدها علينا يا نفزاوي . لكنّ عليّ بن الحسين النّفزاوي لا يزيد على الهمهمة وهو مكبّ على دفتره الكبير يعدّل من نظّاراته ويقتفي أثر الحروف والأرقام التي تحرزت بظلام الحواشي.لا شيء يمكن أن يحول بين عليّ ورواية الفكاهات إلاّ تلك الفترة الأخيرة من العمل حيث يكون متوتّرا جدّا, وعادة ما كان يجد متعة في الالتفات إلى صورته المنعكسة على بلور نافذة المكتب فهي تجعله يوغل في انزوائه بين الدّفاتر ويبحث فيه عن التعويض,ولكنّه ما كان يرى شيئا وكان يكتفي بما يرويه لنفسه في صمت دون أن يضحك لأنّه لا يرى أنّ المُلَحَ لا تضحك مرّتين … ويخرج عليّ عند المساء من مكتبه حينما يكون الفصل شتاء ويخرج عند الظّهر عندما يكون الفضل صيفا …وفي الطّريق تصنع الحكايات وتؤلّف الملح في زمن قياسيّ لا يستطيع هو نفسه أنّ يجد له تفسيرا وإذا أدرك الدّار سلّم وانبرى يحكى عجائب الخلق لزوجته ولكن حزنه وأسفه يتعمقان لأنه كان في كل مرة يتفطّن إلى أنّه يعيد ملحة استطاعت أن تراوغه دون أن يتمكّن من قطع الطّريق عليها ويمنعها من التسلل وبات متيقنا من أنّ الزوجة قد ملت هذه الدعابة الممجوجة ذلك أنها لم تعد تترقب نهايتها لتضحك بل أضحت تتكفل هي نفسها بتكملتها وتضرب كفا بكف وتخرج يائسة من شفائه.ولكنهما يضحكان وبصوت واحد في النهاية يضحكان من وطأة الخيبة لا من الملح والحكايات.
عالمه المليء بالضحك والظرف لم يشغله عن التفكير في طموحاته المهنية إذا لاشيء يمنعه من أن يمني نفسه برئاسة المصلحة في المستقبل القريب ولذلك تقدم بمطالب عدّة يعرض فيها خدماته على الإدارة ويبرز رغبته في خدمة شعبه فالشروط جميعها متوفرة فيه.ولكن بقي أن يبحث في ذاكرته عن
ملحة في هذا السياق تكون مدخلا لخطبة التقليد يوم مباشرته مهامه الجديدة .ولطالما أجهد نفسه ولكنّه
لم يظفر بها .أحسّ فجأة أنّ هذه المسؤولية قد تقلب ملحه ونوادره جدّا يابسا بلا طعم بل أحسّ أن العالم يخلو تدريجيا من المولعين بسماع الملح ولَكَمْ كان يتمنّى أن يبكّر ذات صباح إلى عمَله فيجد النّاس في الشّارع وهم يمسكون بطونهم من شدّة الضّحك وسيكون هو واحدا من الضّاحكين المقهقهين وسيكون راوية ذلك اليوم بدون منازع وستنقل الإذاعات والصحف هذا الحدث الغريب و لَكَمْ كان يُحزنه أن يَعلم أنّ ذلك الضّحك قد يكون مجّانيّا ,هستيريّا ,أو جنونا لا منطق له وأن كثيرين سيتهمونه بالجنون . وفجأة تذكّر عليّ أن الضّحك ما يزال بخير فرئيسه في الإدارة مازال قادرا على الضّحك المتواصل لمدّة ساعات متواصلة بل مازال قادرا على القهقهة رغم تقدّم سنّه واعتلال صحّته ورغم الرعدة في صوته…
كان السيّد الرئيس يقضّي أغلب وقته في مكتبه وقد أغلق بابه بالمفتاح وقطع خطه الهاتفي ليستمع إلى الملح, وإذا حدث أن غفل مضحكه الأجنبي عن زيارته في مكتبه فإنّه يخرج إليه تحرّكه رغبة تُحْسِنُ صنع مقدّماتها وفواتحها ,إنّها رغبة شبيهة بالرّغبة الجنسيّة التي تستبدّ بصاحبها .قال في نفسه المتورّمة رغبة : سيأتي اليوم الذي يكونون فيه سمّاعين للنّكت محدّثين بها سيأتي اليوم الذي سيسارعون فيه إلى مكتبي لسماع ملحي وسأخصّص حينئذ يوما في الأسبوع لرواية الملح والضّحك,سيكون ذلك خارج أوقات العمل …لن أترك الأمر بلا ضوابط .
ويشعر عليّ فجأة بألم عميق وخوف ينفذ إلى أوصاله فهذه الأحلام الجميلة قد تتبخّر فجأة إذا ما ترشّح عمر وفاز رئاسة المصلحة ..عمر لا تعرف الابتسامة إلى وجهه سبيلا …سيمنع الموظّفين من تبادل الملح والأحاديث المسلّية وعندها سيتنكّر له كلّ الزّملاء دون استثناء وسيسعون به عند رئيسهم الجديد ليخبروه أنّ النّكت مازالت تتردّد في الإدارة …ستكون الكآبة بديلا من المرح …ستغدو المكاتب جحيما لا يطاق …الجحيم يزيد من حدّته ذلك التّثاؤب الصّباحيّ الذي يبدو أنّه سيصبح صباحيّا وظهريّا وعصريّا وفي كلّ الأوقات …أمّا عمرُ فسيجد متّسعا من الوقت لينام في مكتبه دون أيّ قلق فلا رقيب ولا عين ساعية واشية …ورأى أن لا حيلة له للانتصار على عمر إلاّ بالملح وتمنّى أن يستطيع أن يؤلّف حول الرّجل مضحكات …ما أحوجه الآن إلى ذِكْرٍ ساخرٍ …ولكنّها لم تكن كاليوم امتناعا فلماذا يا إلهي؟ لا شكّ أنّ طرفة ما ستطرق خاطره على حين غرّة وسيصفّق لها وهو في مكتبه دون أن يعلم زملاؤه سببا لذلك ..ثمّ سيرويها في الصّباح الموالي ولكنّهم سيضحكون هذه المرّة ملء أشداقهم وسيقضّون اليوم وهم يكرّرون هذه الملحة التي عرّضت بالسيّد عمر …ويتفطّن بعد أن سبح به الخيال بعيدا إلى أنّ الزملاء لن يتثاءبوا فقط بل سيؤنّبون عليّا على جرأته على رجل سارت الأخبار تحمل نبأ تعيينه القريب على رأس الإدارة .سيقولون له : أنت أولى بأن يعرّض بك لأنّك كنت تطمع في ما كان يطمع هو واستطاع هو أن يظفر بما حلمتبه.هو عمر يستويان في كلّ شيء ولا فرق بين حظوظه وحظوظه .غير أنّ رئيس المصلحة قد يرجّح كفّة عمر فهما صديقان حميمان رغم ما بينهما من اختلاف في المزاج والمصيبة أنّ السيّد المدير لم يكن يوما قريبا من عليّ بل لم ينجح يوما في أن يضحكه كما يريد, فغالبا ما كانت
ابتساماته السّريعة كانت لا تكاد تكشف عن أسنانه التي نخرها التبغ. بئس ما سيفعل بك يا عليّ بن الحسين النّفزاوي .هل ستعود لسرد ملح قديمة رويتها في السّابق ملّها النّاس وكرهوا حديثك المكرور.فحتى زوجتك ملّتك وعافت أحاديثك..بئس ما أنت فيه من حال يا عليّ بن الحسين النّفزاوي , ليس لك إلاّ أن تقلب الضّحك إلى نكد متواصل وغضب لا يُقتحَم ليعرف النّاس أنّك قادر على إتيان النّقائض .ولكن ما جدوى ذلك ؟ ليته يستطيع إبقاء الرّئيس على الحياد ..إذا ما نجح عمر في رئاسة المصلحة سيتحوّل عليّ بن الحسين النّفزاوي إلى “ملحة الوداع “,سيضحك منه الزملاء كلّ صباح وستفتح شهيّتهم للضّحك بفعل تلك المقبّلات التي سيخلقها فوز عمر.
وقبل إغلاق باب التّرشّح بيوم بدت على عليّ بن الحسين النّفزاوي أمارات التّوتّر والخواء الدّاخلي وانكفأ على نفسه ولم يرو حكايات مسلية جديدة ولم يكلّم أحدا من زملائه وظلّ يعمل بجدّ مفرط دلّ على عصبيّته المفرطة .وعاد إلى منزله ككلّ يوم ولكنّه لم يكن راغبا في تناول العشاء ودلف إلى بيته واستلقى على سريره .لم يكترث بأسئلة زوجته ولم يطلب شيئا وظلّ بصره شاخصا في السّقف وكان يقول في صوت يكاد يسمع ” إذا صدق الظنّ فسأقضي على كلّ أمل له في الفوز ” ولم يكن يجيب زوجته التي تجد لغمغمته معنى.وفي صباح الغد أفاق باكرا وقد علت وجهه ابتسامة عريضة .كان منتشيا رغم أنّه لايجد رغبة في رواية الملح كما لم يجد رغبة في تناول طعام الإفطار …بكّر إلى عمله كَدَأبِه دائما,لم يذهب لتناول قهوته وفضّل الجلوس على عتبة باب الإدارة .لم يكن مكترثا بنظرات المارّة …ستفتح الإدارة أبوابها بعد زهاء السّاعة والنّصف …بعد نحو السّاعة والنصف سيقابل السيّد المدير ويشرح له الأمر..
“سيّدي أنت تعلم أنّني وعمر متكافئان في المؤّهلات المعتمدة في مقاييس الفوز بإدارة المؤسّسة .وأنا أعلم أنّك تفضّلُهُ عليّ .لم أت لأروي لك ملحة ولن تتشاغل عنّي بالهاتف والأوراق .اليوم جئتك بالحجّة والدّليل القاطع على تقدّمي إياه يا سيدي جليل وغاية في الأهمية رغم أن مقاييسكم لم تنتبه إليه لم تشر إليه..وإذا تبيّن لك صدق ما أقول فإنّك لن تجد بدّا من أن تغيّر رأيك فيّ وترجح كفتي على كفته.البارحة فحصت الأمر فحصا طويلا وتثبّتّ منه بما لا يدع مجالا للشكّ ووجدتني نتيجة فحصي هذا متفوّقا لا على عمر فقط بل على جميع الرّجال في ما أعلم …لعمر ولكلّ الرّجال شيئان ولي من النّوع نفسه ثلاثة ولله في خلقه شؤون وتبعا لذلك فإنّي أرى نفسي حقيقا بالمنصب وأولى به من غيري .وإنّي لن أمانع في أن تتثبّتوا من الأمر على أن تكلّفوا طبيبا تثقون فيه …” وضحك عليّ بن الحسين النّفزاوي حتّى أمسك بطنه
ضحك الرّئيس ضحكا مبالغا فيه وضرب على المكتب بيديه عديد المرّات …لم يتشاغل عنه بالهاتف ولا بالملفّات .لم يأمره بالعودة إلى مكتبه كما كان يفعل في كلّ مرّة …دخل الحاجب يحمل القهوة ولم الضّحكُ لا ينقطع …طلب الرّئيس من عليّ بن الحسين النّفزاوي أن يعيد عليه الحكاية …ألحّ في الطّلب ولكنّ عليّا لم يكن يرغب في ذلك وكان يقول في كلّ مرّة :” إنها حقيقة وليست حكاية كبقيّة الحكايات
…خرج عليّ بن الحسين النّفزاوي من مكتب المدير وكلّه إصرار على إثبات الحقيقة …كان متّجها إلى أقرب عيادة طبيب …كانت الأصوات من حوله تتعالى وهي تتضاحك …أصوات تصمّ الآذان …النّاس في الشّارع يستلقون على ظهورهم ويضغطون على بطونهم من شدّة الضّحك

لا تعليقات

اترك رد