المجد لأقلامنا


 

لم يحفر عبد المطلب بئر زمزم بوحي هوميروس لتعيش حكاية عبد الله زمناً طويلاً في ضمائر قريش، كما عاشت حكاية إيفيجينيا في ضمير العالم دهوراً من الزمن.

أخبرتنا الإلياذة أن أغاممنون قد ضحى بابنته إيفيجينيا مريقاً دمها على مذبح الربة أرتميس كي تسمح لسفنه بالإبحار صوب اليون لملاقاة جيش بريام في حرب طروادة بعد أن أعلنت إيفيجينيا على نحو بطولي استعدادها للموت في سبيل انتصار الجيش الإغريقي في حرب دامت عشر سنوات، مع ما قيل بأن الربة أرتميس قد ظهرت لتبدد نكبة كلتيمنسترا بأبنتها معلنة أن إيفيجينيا لم تمت، إنما إفتديت بضحية على هيئة غزال. لكن دم عبد الله افتدته الإبل بعد أن أعلن عن استعداده البطولي للموت إنتصاراً لنذر أبيه. إذ أن عبد المطلب يوم حفر بئر زمزم لم يكن منجباً غير ابن واحد أشعره بالضعف أمام قريش التي نازعته على البئر ودفعه لأن يقول(أن الذي سخرني لهذا خليق أن يمنحني من الولد ما أكاثرهم به. وإنني أقسم لئن منحني من الولد عشرة ذكور أراهم بين يدي لأضحين له بواحد).وبميلاد حمزة بلغ له عشرة أبناء فصار عليه أن يفي بنذره. أجرى القرعة بين أبنائه العشرة فوقعت على أعزهم في نفسه-عبد الله- ليسوقه إلى معبد الرب ، رضخ عبدالله للأمر بكل شجاعة غير أن أمه وأخواته حالن دون تحقيقه ذلك الأمر لينتهي بأجراء قرعة بين عبد الله ومائة من إبل أبيه افتدت دمه بعد أن وقعت عليها القرعة.

نجا عبد الله دون أن يتوفر لحكايته كاتب مسرحي مثلما توفر لأفيجينيا فأمعن النظر في حكايتها ليؤلف عنها مسرحيته الشهيرة ( إيفيجينيا في أوليس)0 لقد حالت الأنفة دون توفر كاتب يخوض بذلك المسرح الذي إرتبط بأساطير شعوب وثنية مقابل إستقرار معاني الإسلام في النفوس إستقراراً لم يسهم في دعم إستمرارية ما كان في بابل وآشور والفراعنة والفينيقيين من مسرح كانت له وظيفة تراعي زمنها وظروفها لكنه سمح لأنماط مؤسسة على الراوي أو المداح أو القوال أو الحكواتي أن تعج في أوساط المسلمين عبر أشكال تعبيرية غير فاعلة في الصيرورة الثقافية وهي تراوح بين خيال الظل والسماجة والمحبطين والقرقوز كأشكال يمكن نعتها بالمسرح غير المنظم لتغاير ما جاء به مارون النقاش في العام 1848م من مسرح منظم يستمد حيويته العارمة وتألقه الدائم من نهله المستمر من التراث وارتباطه الوثيق بالموروث الشعبي فيخترق العوامل التي أجهضت استمرارية المسرح وبقاءه وقدرته على التطور.فتح مارون النقاش الباب للمؤلف المسرحي كي يغترف من المنبع ويتمثله ويعيد صياغته بما يوازي نهجه العقائدي السائد مستثمراً حرية التحوير على اعتبارها منفذاً للتعبير عن المنجز الإبداعي المستند على الركيزة وحصيلة التجربة التي تحدد موقفه من الحياة دون أن يهيئ له فرصة اختراق التابوات أو المساس بها خوفاً من أية فتوى تحرم اللعب على خشبة المسرح على اعتبارها موطئاً للدنس. إذ ليس بمقدور المؤلف اختراق حكاية عبد الله للوصول إلى تفسير يقع ضمن البيئة الثقافية أو الحضارية للمؤلف لا للحكاية نفسها. ليس بمقدوره أن يجزم أن عبد المطلب قد تقاعس عن أداء نذره الذي يؤكد شرف موقفه وموقعه كسيد لبني هاشم ضارباً عرض الحائط تلك المبررات التي أكدت سلامة موقف عبد المطلب في إستخدامه الإبل التي إفتدت دم عبد الله. ولأننا لسنا سلفيين لن نتعامل مع التراث على إنه منار للحاضر فنتجنب قدسية شواهد الماضي القريب لنغور في السحيق منه كي نتعامل معه بحيادية أو نتناول ماضي الأمم الأخرى بالتحليل الذي لاينفي حصانة العقل في محاولة التدويل. سيتاح لنا عندئذ إعادة كتابة الأسطورة على وعي متقدم وموقف واع تتعامل معه الذات الخلاقة مع الموضوع المنجز تماما مثلما حملت مملكة الأسّرة ( المسرحية الفائزة بجائزة الدولة للإبداع للعام 2001م لمؤلفها كاتب السطور) ذلك الخطاب الإبداعي الذي يشي برؤية ثورية للعالم الدرامي الذي تجري أحداث المسرحية في إطاره، مشكلاً الأحداث من وجهة نظر منطلقة من موقف تأويلي ينهض النص على رؤية فكرية تحرك أقنعته ويتموضع فيها المؤلف في وعي إحدى الشخصيات( كساندرا) ليكشف عن البيئة الأيدلوجية التي تتحكم بالصراع في النص المقنع برداء الأسطورة والمغاير تماماً للصراع في الأسطورة الأم. فبعد العشر من السنين التي خاضها أغاممنون قائداً لجيوش الإغريق في حرب طروادة يعود إلى مملكته( أرغوس) مستصحباً معه السبية الفاتنة كساندرا ابنة الملك بريام ليجد في استقباله امرأته الملكة كليتمنسترى وفية على عهده وصائنة للعرش في غيابه،منقضة على من راودها عن نفسه فيبارك لها عفتها وحفاوتها به 0ولماكانت(حصان طروادة) المكيدة الإغريقية التي تم بها النصر على طروادة 00قادتفكير السبية الطروادية إلى مكيدة تنتقم بها من الأغارقة،وقد أسمتها(حصان أرغوس)0تعتمد المكيدة على جسدها البض الذي أغوت به اغاممنون وأوهمته فيما بعد بأن زوجته قد حملت في رحمها جنينا من صلب ارغوسي حقير0 كما اعترفت للملكة بأن زوجها الملك قد خانها حين قاسم السبية الفراش وعاهدها على أن تكون الملكة على عرش ارغوس بالرغم من كونها لا تصلح في نظر الملكة لأحقر رجل في الأغريق0 قتلت الملكة مليكها بفعل الفتنة التي أوحت بها السبية التي تمكنت من قتل الملكة بعد موت الملك 0وفي النهاية تشهر كسا ندرا جسدها لأي إغريقي يقايض جسدا بضا بأنفاسه التي ستزهق،معلنة بذلك عن تحقق مكيدتها(حصان ارغوس) في ساحة من المتخيل التأريخي الذي فرض مضمون المسرحية كاشفا عن رؤية معاصرة ومستمدة من فكر ثوري واع للأفق الإنساني الذي يختزل صوت النضال ضد الطغاة من أعداء الأنسانية.

ها قد تكلمنا بما يشبه الصلاة فاضحين ما سرّ قوله عن زمن تمرغ في وحل رداءته بعد أن تنفسنا دقائقه دون أن نرضخ لأشتراطاته0 ولعل البلادة التي أعمت عين الرقيب في تعامله مع لغتنا وتصويب عين الحاكم نحو الدنيء من نزواته00هما ما حالتا دون الوصول إلى نهاية الطريق المؤدية إلى مقابرنا الجماعية
المجد لأقلامنا إذن،تلك التي تدعو إلى تقييمها على وفق ما أنجزته من إبداع اصيل

لا تعليقات

اترك رد