فواعل النقد المؤثر جمالياً

 
(لوحة للفنان عبد الملك التميمي)

لاشك في أن النقد الشعري من أصعب أنواع اختصاصات النقد في النظريات الأدبية الحديثة، لأن النص الشعري حمال أوجه، ورؤى ودلالات جديدة على الدوام،ودليلنا أن النص مهما تنوعت قراءاته،وتعددت طبقاته الدلالية يبقى يستقبل مزيداً من التأويلات، ومزيدا من القراءات المتعاورة والمتناقضة أحياناً،مما يعني أن النص الشعري خلاق أوجه، ورؤى، ودلالات لاتستنفدها قراءة، أو قراءات محدودة، ولهذا يصعب تحديد رؤاي المستقبلية في مسار نهائي، جامع ومانع، هذه الرؤى تقبل مزيداً من التطور في المستقبل ،تبعاً لتطور النتاجات الشعرية في المراحل القادمة،ويخطئ من يظن أنه بإمكانه أن يضع نظرية، أو منهجاً نقدياً معيناً لدراسة أي نص شعري،يمتلك خاصيته الإبداعية الفريدة،وأقول: أخدع نفسي وأخدع القارئ إذا زعمت أنني قدمت له رؤية نقدية جديدة لايأتيها الباطل من خلفها أو بين يديها، لأن ذلك يبدو مستحيلاً، لأن الحركة الشعرية والإبداعية في تطور رؤيوي مستمر؛لا يكاد ينتهي،وبمنظورنا: إن الدراسة النقدية المتطورة تنبني على الأسس والمقومات التالية:
1) دقة المصطلح،وفاعليته في الكشف عن قيمة الظاهرة المدروسة:
لاشك في أن أية دراسة نقدية مهمة تنطلق من مؤثرها النقدي الناجع، والأهم وهو المصطلح النقدي المعتمد،ومدى فاعليته في الكشف عن الظاهرة المدروسة،فالفوضى المصطلحية تضعف من قيمة الدراسة النقدية، وتضعف من مردودها الجمالي، ومصداقيتها الكشفية، وأحكامها المستوحاة،لاسيما حين تكون المصطلحات وليدة إبراز عضلات معرفية، ومفاهيم، ومصطلحات غربية لا تمت إلى واقع نصوصنا الشعرية بصلة،وهذا يقلل من قيمة المصطلح، وفاعليته في الدراسة النقدية، ومن ثم تضعف قيمة الدراسة النقدية،ومؤثرها الجمالي الدقيق الناجع.
2) – الكشف النقدي الدقيق:
لاشك في أن الكشف النقدي الدقيق لايتأتى إلا من عمق الرؤيا، وبداعة المنظور الرؤيوي في التقاط المحاور النصية، والقيم الجمالية التي تنطوي عليها القصيدة، فالناقد إن لم يتغور أعماق الرؤيا النصية من الداخل يبقى نصه الشعري في عزلة عن القراءة المتميزة التي تدخل عمق النص وسراديبه الداخلية المتشعبة،لاسيما إذا أدركنا أن القراءة الناجعة هي التي تخدم المبدع والنص والمتلقي الجمالي لهذا النص؛ وهذا يدلل على أن الناقد المبدع هو الذي يستنطق النص بمافيه، وليس فيه، محققاً قراءة جمالية أو رؤيا جمالية في تحليل النص، من خلال الدخول أتون التجربة الشعرية من الداخل.
وبتقديرنا: إن الموهبة النقدية الفذة هي التي تمتلك أسهمها الجمالية الخاصة في الكشف النصي، لاسيما حين ترتكز على وعي رؤيوي عميق،ومؤشر نقدي دقيق وكاشف عن عمق النص،وعمق مردوده الإيحائي الذي يرتكز إليه، فكم من القراءات النقدية مازالت رهينة وريقاتها وصفحاتها الجافة لأنها لم تدخل نبض الواقع النصي، أو المناخ النصي الذي تشي به النصوص الشعرية،ولو دقق القارئ الحصيف في هذه الدراسات، لأدرك أنها لم تكن سوى إحالات نصية، أو شذرات نصية إحالية لاتغني النص،ولاتحقق مردوده الجمالي الفاعل، فكل نص يبقى رهين حركته السرابية،أورهين رؤيته العشوائية التي ينطوي عليها ،وهنا، يأتي دور القارئ الناجع الذي يكتشف النص، ويرى ما خلف زجاج الكلمات من إيحاءات ودلالات جديدة،ما كانت لتظهر لولا هذا التغور النصي في البواطن الخفية أو السراديب الخفية للنص المنقود،والرؤى المستعصية التي ينطوي عليها، وكم من النصوص الممتعة جمالياً لم تظفر بقارئ ناجع أو ناقد حصيف، وذلك نظراً لضحالة الرؤيا النصية، التي تنطوي عليها ،وغناها بالتقنيات، والمؤشرات، والفواعل الجمالية،لكن ما إن دخلت حيز الرؤيا سرعان ما تدرك العجز الرؤيوي، أو الاضمحلال الدلالي في المكنون النصي.
ومما لاشك فيه أن كثافة المعارف النصية من مؤشرات الحركة الجمالية في تفكيك النصوص الشعرية، وإبراز ملمحها الجمالي،لاسيما إذا استطاع الناقد أن يستثير الرؤيا الشعرية من الأعماق، وهذا يرتد إلى شعرية الموقف،وشعرية الحدث،وهذا لن يحدث بتمامه وكماله لولا شعرية الموقف الذي تنطوي عليها الحركة الجمالية في مثل هذه القصائد.
ج) دقة الحكم النقدي:
إن أبرز مؤثرات الحكم النقدي دقة إصابته جوهر الرؤيا في الصميم،وهذا يعني أن دقة الحكم النقدي تعتمد على براعة الاكتشاف عما تختزنه القصيدة من مضمرات، فالناقد لايحقق حكمه النقدي الدقيق إلا من تغوره عمق المضمر النصي؛ وبتقديرنا : تظهر قيمة الحكم النقدي من شعرية التحليل، وتضافره مع الأحكام النقدية الأخرى،وهذا يؤكد أن الحكم النقدي البليغ، يظهر من إصابته مرمى القصيدة، وتفاعله مع مؤثرات الموقف الشعري.
ء)التركيز على النتائج المبئرة لجوهر الرؤيا:
إن النقد البليغ المؤثر هو الذي يعتمد الحكم الموضوعي والأحكام الموضوعية التي تنطلق من عمق النص، ولا تكون مسقطة عليه من الخارج،وهذا يعني أن المقدمات والنتائج الشعرية تصب في بوتقة واحدة،أو تكون نتيجة عن بعضها البعض، بمعنى أن لكل مقدمة حكمها النقدي، ونتيجة ماتتمخض عنها، ولذلك فالدراسات النقدية الموفقة، أو المؤثرة هي التي تخلق نتائجها من مقدماتها، وهذه المقدمات هي بمثابة الفرض في النظريات الرياضية ،وتأتي النتائج بمثابة البرهان، مما يدلل على أن الحكم النقدي البليغ هو الذي يصيب الموقف الشعري، ويحقق القيمة البليغة في الكشف عن جوهر الرؤيا النصية ومضمونها الرؤيوي.
وبتقديرنا:إن التركيز على النتائج المبئرة لجوهر الرؤيا من مؤثرات الدراسة النقدية المؤثرة أو المثمرة التي تكون خلاصة جهد نقدي لابأس به من الكشف، ودقة الحكم النقدي، وعمق التحليل.
ه) الخلاصة المعرفية،والموقف الرؤيوي الجمالي المتخذ:
لاشك في أن أية قيمة نقدية في الحكم على شعرية التحليل، تكمن في الخلاصة المعرفية، والموقف الرؤيوي الجمالي المتخذ في التحليل النصي، وهذا يعني أن قيمة الكشف النقدي تكمن في عمق الدخول أتون النص، وكشف مضمراته الخفية ،ورؤاه العميقة،ومحاوره المفصلية التي يرتكز عليها، وتقنياته الفنية والجمالية التي يثيرها في تكوينه الفني؛ووفق هذا التصور والوعي المعرفي يمكن القول: إن دهشة الحكم النقدي تتأسس على الوعي المعرفي والموقف الرؤيوي الجمالي المتخذ في الوقوف على تقنية نصية، أو قيمة جمالية يرتكز عليها النص في تحقيق مظهر هذه الإثارة، ولولا شعرية الموقف الرؤيوي الجمالي المتخذ لفقدت القصيدة عمق إثارتها، سواء في الكشف النصي ، أو مراوغتها القارئ، لارتيادها مرات ومرات،ووفق هذا التصور، يمكن القول: إن قيمة الكشف النصي، وفاعلية الدراسة النقدية المؤثرة تكمن في براعة الاكتشاف، ودقة الحكم النقدي، وعمق الوصول إلى جوهر الرؤيا الشعرية التي ينطوي عليها النص، وهذا ما يحقق إثارتها، ومكنونها الجمالي المؤثر.
وصفوة القول:
إن أية دراسة نقدية ناجعة لابد أن تحقق ما قلناه في هذه الجولة السريعة من دقة الحكم النقدي،ودقة المصطلح، وبراعة التحليل، والموقف الرؤيوي الجمالي المتخذ، لاسيما إذا استطاع الناقد أن يأتي برؤيا جديدة، وموقف رؤيوي جديد، ومنظور مغاير، وهذا يضمن شعرية التحليل، ومنتوجه الجمالي والرؤيوي العميق ،وحكمه الموضوعي،وتأسيسه المعرفي

لا تعليقات

اترك رد