فهم المصطلح في التصميم


 

في خضم الدراسات والبحوث التي تقدم في فكر التصميم ،فأن المصطلح يحضر بقوة في اغلبها ،على الاخص ذات الحاضنة الادبية ، من ذلك الاستعارة ،التأويل، الظاهراتية ،التداولية ، وما افرزته السيمياء، في مختلف معطياتها ،فضلا عن المناهج النقدية المعاصرة ،الى غير ذلك ،حتى ظن البعض ان التصميم ابتعد عن هدفه الاساس الذي يكمن في مجالات التطبيق الوظيفي – الجمالي ليكون منتجا للمنظرين السرديين الحالمين بالتنظير والغارقين في البحث عن جماليات الصنعة ، بل ان الاغراق في البحث المفاهيمي ادى الى ان تتحول بعض الاطروحات والرؤى الى مرتع للفلسفة وتفريعاتها ، والمشتغلون فيها اشبه بحفظة نصوص يرددونها في كل مكان ، بمعنى اخر غيب بقصد او دون قصد الجهد الابتكاري في صناعة عقل مفكر له اطروحته وتنظيراته ، رغم القراءة والاطلاع والحوارات التي تجري في هذا المحفل ،او ذاك .

ان الواقع العقلي التنظيري في التصميم ليس كذلك طبعا،بل هو اكبر من يتحول الى جهد حفظي ببغاوي لايجدد نفسه كل ما استجد جديد ، نعم هناك كثير من المشكلات التصميمية التي لم ينظر لها بدقة ،ولو دققنا النظر في تصميم اغلفة المجلات على سبيل المثال ،سنجد الكثير مما يريد ان يوصله المصمم الى المتلقي سواء بالاظهار ،او الاضمار(التشفير )، والاجابة عن تساؤلات عديدة:

– مالذي يريد ان يقوله المصمم؟

– مادور الشروط الضاغطة على المصمم ؟

– مادور المؤسسة في تصميم الخطاب البصري؟

– هل تتوافر لدى المصمم مساحة من الحرية للتفكير بعيد عن رقابة المؤسسة وشروطها؟

ان الغالب الاعم في الأجابة ،هو الخضوع الى سياسة المؤسسة الاعلامية ، ما يعني ان المصمم مسلوب الارادة والحرية الا في تصميم الفكرة وفق مقتضيات ومتطلبات المؤسسة (هذا في كثير من المؤسسات الاعلامية العالمية)،اذ يتحول فيها المصمم احيانا الى منفذ يستخدم مهاراته التقنية ليس الا.

ان البحث وتقصي الافكار التي تطرح تتطلب دراستها من قبل الباحثين والدارسين المتمكين من علم التحليل والتفكيك والمناهج النقدية التي تطرح كل يوم مشكلات عديدة مرتبطة بطريقة ، او باخرى بانشطة الحياة والكم التصنيعي الذي يضخ الى الاسواق ،فضلا عن مؤالات التحدي البصري التي تجابه المتلقي،ويسوقنا الحديث الى موضوعات تتعلق بالصورة والنص البصري ،والعلامات والرموز ،وتصميم الاعلانات ،وتصميم الاطقم الحروفية ، وصولا الى البحث في دور التقانة الحديثة التي تعد شقا مهما في تجسيد الافكار وطرحها جاهزة امام المتلقي،اذن هناك مايقتضي البحث فيه ،على الاخص وان العالم يمور بالاحداث ويطرح عديد المنتجات الصناعية ،او الكرافيكية ،وبمستطاع المصمم الولوج اليها وتعرف مابها من مشكلات ،لان التصميم لاينتهي عند وضعه بيد المتلقي او المستخدم ،بل هو يستمر ،ما يعني انه يتطلب التحديث المستمر ،وهو عين ما تقوم به المؤسسات التصميمية عندما تقدم اجيالا جديدة اثر كل جيل سبق طرحه،هذا من جهة ، ومن جهة اخر فأن البحث السردي للمفاهيم(المصطلحات) يتطلب قدرة من المشتغل ، اذ تكمن الصعوبة في ترحيل المصطلح من حاله اللفظي الى حاله الشكلي ،وهذا لايحصل بسهولة الا بعد ان يفهم المشتغل اليات التحويل ومديات التلاقي بين بيئتين ربما تكونا غير متشابهتين ، والاهم تمكن المشتغل من فهم مايقوم به ، فلو اخذنا

الاستعارة على سبيل المثال لوجدنا انها تختلف عندما تكون في بيئتها اللفظية ،او الادبية ،عنها عندما تكون في بيئتها الشكلية ،اعني بيئة الاشتغال والتوظيف ، ربما يكون المفهوم واحد او متشابه ،لكنه يختلف في نسقه البنائي عندما يتحرر الى بيئة شكلية تتطلب عملا مختلفا ،لقد قال ابن قتيبة في معرض تعريفه للاستعارة: كان العرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة إذا كان المسمى بها بسبب من الآخر، أو مجاورا لها أو مشاكلاً، اما الجرجاني فقد قال ان الاستعارة ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت مكان غيرها، وملاكها تقريب الشبه ومناسبة المستعار له للمستعار منه، وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر،اما في الفن والتصميم فهي تمثل منظومة احضار واستحضار بصري للعلاقات والاشكال تعطي للمصمم خيارات عديدة لاحلال مفردة بديلا عن اخرى، الى غير ذلك ،وواضح جدا ان المعنيين مختلفان يحتاجان الى فهم معمق من قبل المشتغل ،على الاخص وان عالم اليوم هو عالم تتمثل فيه مفاهيم الاستعارة البصرية بطريقة،او باخرى ، ولو ذهبنا الى مفاهيم اخرى مرتبطة فيه كالتشبيه والتضمين لوجدنا ان الفهم يحتاج الى بصيرة ونفاد من المشتغل، وهي عموما مفاهيم متصلة بالاستعارة كمفهوم ،وهكذا لو راجعنا مفاهيم اخر دخلت بقوة في فكر التصميم ،لوجدنا انها في غالب الاحيان مفاهيم يمكن ان تعمل في البيئة التصميمية التطبيقية ،فهناك على سبيل المثال التناص في الافكار مثلما حصل في اختيار شعار اولمبياد طوكيو قبل الغاءه بعد ان انبرى احد المصممين من خارج اليابان ليقول انه صاحب الفكرة ،وحينها وبعد اخذ ورد بين الاثنين برر المصمم الياباني مجريات طرحه بقوله انه يمكن ان حصل تناص بينه وبين المصمم الاخر ،لان الافكار عموما تتشابه ، لكن الامر لم يقنع احدا الا ان تم الغاء التصميم الياباني وتقديم شيء مختلف،وهكذا لو اخذنا السرد لوجدناه متوافر في التحليل والوصف وفي مجالات التطبيق ، واليوم يعمل السرد بقوة في عموم اطروحات التصميم ، وهناك الكثير ، لكن ذلك لم يحصل الا بعد ان توافرت القدرة على سحب المصطلح واعادة تصميمه بما يتفق مع فكر التصميم وانتاجاته،مع اسباغ صفة الفن والتصميم عليه.

ان الاغراق في ترحيل المصطلح الادبي الى عالم التصميم بالنتيجة لاينبغي ان يجعل من عمل المصمم تنظيريا بحتا ، بل ان يعمل المصطلح مع التطبيق وفق مسار واحد ،لان احدهما يكمل الاخر ،كما ان ولادة منظر(بضم الميم وفتح النون) مصمم يفكك اليات اشتغال الناتج التصميمي هو شيء جيد ،او ان يتحول الى مصمم مؤلف ،هو الاخر جيد شرط ان يتمكن من الحالين ، ان يفهم مايعمل ومالذي يريد قوله ،ان يمتلك ادواته وسياقاته اللغوية ،عارفا بالنص وشروط تنظيمه ،لا ان يقول لمجرد القول كنتيجة لما حفظ من مصطلحات ومفاهيم لها جرسها اللفظي والبلاغي البراق، دون معرفة ببواطنها ومكنوناتها، وفي هذا المجال ليس عيبا ان يبقى المصمم متمكنا من ادواته التقنية دون النظرية فهو مجال مهم كذلك، كما ليس عيبا ان يتحول الى منظر(بضم الميم وفتح النون) يمتلك القدرة في سبر غور التصميم والمعارف المتصلة به ،التي كثرت في الاونة الاخيرة ،لانه مهم في عصر فيه صراع واضح بين الافكار الواردة او المصدرة الى امم اخر،لان التصميم بالنتيجة محفل تنافسي لصراع الافكار الجيد منها والسيء.

1 تعليقك

  1. مقال جميل .. سلمت دكتور.. فالبحث العلمي وكل ما يرتبط به من تنظيرات ومصطلحات يعد بمثابة رسالة أبلاغية لايصال فكرة محددة الى الآخر .. بل هي استشارة تقدم المعونة اللازمة لمريديها بأسلوب منطقي وموضوعي وعقلاني .. فالبحث أمانة علمية تؤسس قيم المعرفة وتلزم الكاتب ان يكون مؤتمن على صواب المعلومة ودقتها وحقيقتها .. لا ان يستعرض كم المصطلحات الادبية او الفلسفية التي يحفظ !! الفلسفة فن المنطق وايصال الفكرة بالحجة والبرهان والتجربة وهكذا كان إفلاطون وفلاسفة الميتافيزيقا يحاورون تلامذتهم .. ولم يجري وضع المصطلح الفلسفي الا ليكون مساعدا في ايجاز فكرة متكاملة بأقل جهد صياغي وباسلوب يستند الى قاعدة معرفية رصينة .. وما دون ذلك من استخدام فوضوي للمصطلحات لا يسيء للكاتب فحسب, بل يعد إساءة كبيرة لمجموعة القرّاء والمهتمين الذين ربما يأسسون معرفتهم على حقائق زائفة وسينقلوها بالتأكيد للاحقين .. سؤل احد العلماء : لماذا قدمت المشورة لفلان وهو عدوك ؟!! فأجاب: “لقد استشارني .. والمستشار مؤتمن”.

اترك رد