الدافعية واثرها على المتعلم في اقليم كوردستان

 

تشكل الدافعية اهمية خاصة لجميع العاملين في العملية التربوية من طلبة ومعلمين ومرشدين ومديرين وكل من له علاقة بالعملية التعليمية، وقد لاقت الدراسات الحديثة حول الدافعية اهتماما وقبولاَ واضحاً لدى المختصين بالشؤون التربوية والتعليمية بشكل خاص، وعامة الناس بشكل اخر، كما تم تخصيص الكثير من الدراسات الاكاديمية والعلمية حول الدافعية سعياً من الباحثين والعاملين في هذا المجال الوصول الى نتائج تساعد على تطوير الملكات الخاصة بالميقيمين على السلك التربوي التعليمي من جهة وذلك لكسب المزيد من الخبرات اللازمة لتطوير العملية التربوية والتعليمية وكذلك لمعرفة الميول والدوافع الخاصة بالطلبة وتسخيرها من اجل اكسابها المزيد من الخبرات التعليمية، ومن جهة اخرى تعمل هذه النتائج على ايجاء افضل الوسائل التي يمكن اتباعها لاستمرارية النهج التربوي ولاستكمال العملية التعليمية.

ومما لاشك فيه ان عملية التعلم تخضع لمجموعة من الشروط و العوامل بعضها يتعلق بالنواحي الداخلية للمتعلم وبعضها الأخر يرتبط بالعوامل الخارجية التي تؤثر على المتعلم في الموقف التعليمي ، ولهذا فان عملية التعلم وخاصة في المستوى الإنساني تخضع لعديد من الشروط المميزة والتي تؤثر بشكل فعال على سلوك الفرد، وتعتبر الدافعية من الشروط الأساسية التي يتوقف عليها تحقيق الهدف من عملية التعلم في أي مجال من مجالاته المتعددة ، سواء في تعلم أساليب وطرق التفكير ، أو تكوين الاتجاهات والقيم أو تعديل بعضها أو تحصيل المعلومات والتفكير أو تكوين الاتجاهات والقيم أو تعديل بعضها أو تحصيل المعلومات والمعارف أو في حل المشكلات والتي تعد جميعها أساليب السلوك التي تخضع لعوامل التدريب والممارسة.

كما ينظر الى الدافعية على انها المحركات التي تقف وراء سلوك الانسان والحيوان على حد سواء، فهناك سبب او عدة اسباب وراء كل سلوك، وهذه الاسباب ترتبط بحالة الكائن الحي الداخلية عند حدوث السلوك من جهة، وبمثيرات البيئة الخارجية من جهة اخرى، وهذا يعني اننا لانستطيع ان نتنبأ بما يمكن ان يقوم به الفرد في كل موقف من المواقف من خلال معرفة منبهات البيئة وحدها، اذ لابد من معرفة الحالة الداخلية ايضاً.. ولهذا نجد بأن البعض يعرف الدافعية على انها حالة داخلية في الفرد تستثير سلوكه وتعمل على استمرار هذا السلوك وتوجيهه نحو هدف معين ، وهي ضرورة أساسية لحدوث التعلم , وبدونها لا يحدث التعلم فهي تعمل على تنشيط السلوك وتوجيهه وتثبيته او تعديله، وبمعنى اخر ينظر الى الدافعية على انها المحركات التي تقف وراء السلوك البشري في مختلف مجالات الحياة والذي يسبب الاندفاع نحو هدف محدد.
وعلى هذا الاساس فان للدافعية وظائف متعددة يمكن تلخيص بعضها كي نستطيع الوقوف على المؤشرات الخاصة بالدافعية بصورة اعمق، فمن اهم تلك الوظائف هي تزويد السلوك بالطاقة المحركة باعتبار ان الدوافع تطلق الطاقة وتثير النشاط حيث تتعاون المثيرات والحوافز الخارجية مع الدوافع الداخلية على استثارت وتحريك السلوك وتوجهيه نحو الفرد، وكذلك تعمل الدافعية على تحديد النشاط واختياره، لان الدوافع والحوافز تجعل الفرد يستجيب لموضوغات ومواقف معينة ويهمل غيرها كما تحدد الطريقة والاسلوب الذي يستجيب بها الفرد لتلك المواقف والموضوعات، ومن الوظائف الاخرى للدوافع توجيه السلوك او النشاط، فالطاقة التي يطلقها الدافع او الحافز داخل الكائن الحي لا تجدي شيئا الا اذا تحرك السلوك باتجاه الهدف لتحقيق تلبية الحاجة وازالة التوتر واشباع الدافع.

من خلال الاستقراء الدلالي للمصوغات التعريفية حول الدافعية ووظائفها واسقطاها على الواقع في اقليم كوردستان يمكننا ان نقف على الملامح التي يتشكل منها المؤثرات الداخلية والخارجية معاً لسلوك المتعلم بشكل خاص، على انه لايمكن في الظروف الحالية التي يمر بها الاقليم فصل تلك المؤثرات عن بعضها لكونها تكاملية تناظرية تعمل كل واحدة منها بشكل واخر على ابراز الملامح الرئيسية للسلوكيات الفردية والجمعية، فبسبب الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية غير المستقرة التي يمر بها الاقليم يعيش الفرد والمتعلم حالة من المواقف المتناقضة حول اغلب المسائل الحياتية، ولم يستثنى من تلك التناقضات المجال التربوي التعليمي الذي يعيش هو الاخر حالة من اللااستقرار المنهجي الذي يتغير من فترة الى اخرى دون ايجاد رؤية توحيدية لا على المستوى المواضيع المقررة ولا على مستوى اللغة ” اللهجة ” الموحدة من جهة، وغياب الرؤية التربوية التعلمية الاكاديمية ذات البعد الزمني المبرمج والمخطط من جهة اخرى، بحيث يمكن للاقليم جني ثمارها ولو بعد حين، فكل تغيير سياسي يصاحبه تغيير منهجي خططي برمجي في اروقة التعلم والتعليم والتربية، ومن ثم ان اللااستقرار الحركي المتعلق بالزمنية او بدء الموسم الدراسي في الاقليم بشكل منضبط ومستقر من جهة اخرى يضع الشؤون التربوية التعلمية هي الاخرى على المحك، وذلك بسبب الاوضاع العامة سواء على الصعيد الداخلي للاقليم او الداخلي للحكومة الاتحادية او على الصعيد الاقليمي والدولي، فالحرب الدائرة في المنطقة منذ سنوات اثرت بشكل كبير على الاستقرار بكل الاصعدة الحياتية وكما سبق وان اسلفنا لم يستثنى الصعيد التربوي التعليمي منه.

ومن يدقق النظر في حالة اللا استقرار المتعلقة بالزمنية الدراسية سيجد انه قبل سنتين مثلاً اغلب المدراس في الاقليم كانت ممتلئة بالنازحين مما شكل تأخيراً جبرياً للبدء بالموسم الدراسي وكذلك في الموسمين التاليين وبسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الاقليم وعدم دفع المستحقات المالية للمعلمين والمدرسين سواء في المدارس او في الجامعات والمعاهد ظهرت اشكالية اخرى والتي تمثلت بقيام الكثير من المدارس بغلق ابوابها امام المتعلمين بعد ان رفض التدريسيين البدء بالدوام الا بعد اخذ مسحقاتهم المالية وبالتالي ادى ذلك ايضا على جملة تأثيرات سلوكية سواء للمتعلمين ام للقائمين على العملية التربوية، ومن ثم اثرت بشكل واضح على الدافعية لدى المتعلم والجماعات التدريسية والتربوية والمتخصصة بالشأن التعليمي.

ولان للسلوك علاقة مباشرة ووطيدة بالدافعية من حيث القدرة والظروف فان المحصلات وراء هذه الاوضاع المتردية واللامستقرة خلقت تراخياً واضحاً في جميع المجالات التربوية والتعليمية وبمعنى اخرى حتى لو توافرت قدرات عالية للمتعلمين، وكانت ظروف التعلم مواتية لهم، فانها لن تؤثر على السلوك ما لم يتوافر قدر من الدافعية، ولذا فان مثل هذه الظروف التعجيزية التي يمر بها الاقليم خلقت ضغطاً غير مستحباً على الدافعية لدى غالبية المتعلمين والمعلمين والتربويين، مما اثرت بالتالي على القدرات العالية ايضاً.

ويمكن الوقوف على المعطيات التي تجعلنا نؤمن بغياب الدافعية لدى المتعلم في الاقليم عبر عدة مشاكل تربوية تعليمية تتكرر وبشكل متفاوت في اغلب المدارس ويمكن ملاحظتها من قبل التدريسيين او حتى المتابعين للعملية التربوية التعليمية، فالمتعلم بشكل عام ونسبي في الوقت نفسه، يعيش حالة من التشتت الذهني بسبب المؤثرات الداخلية والخارجية معاً، وهذا ما يؤدي بالتالي الى قيامه بالانشغال باغراض الاخرين، ويعتبر هذا السلوك ايضا من مشكلات غياب الدافعية، وهذا السلوك لايؤثر عليه فحسب بل يتعداه الى اثارة المشكلات داخل الحصة الدراسية مما يؤثر على الاخرين، وحصيلة هذه السلوكيات نسيان الواجبات واهمال حلها، ونسيان كل ما يتعلق بالتعلم الصفي من مواد ومتطلبات من كتب واقلام ودفاتر، وتدني – اذا لم يكن انعدام – المثابرة في انهاء او حتى البدء بحل الواجبات ، واهمال الالتزام بالتعليمات والقوانين الخاصة بالمدرسة، وكثرت الغيابات وكره المدرسة وكثرة التذمر والتأخر في الوصول الى المدرسة والتسرب منها في احيان كثيرة، وبالتالي الفشل والتأخر التحصيلي.. والعديد من الامور الاخرى التي يمكن الوقوف عليها ولو بشكل نسبي متفاوت من مدرسة الى اخرى، الا انها اجمالا تعد ابرز الملامح المثارة ضمن الموضوعات التي يناقشها اصحاب الشأن التخصصي التعليمي التربوي في الاقليم، من مدراء ومعلمين ومدرسين ومشرفين واخصائيين.

وهذا ما يجعلنا ننظر الى الموضوع من خلال تأمل اعمق لابرز المشاكل التي اثرت على الدافعية والسلوك معاً فبالاضافة الى ما تم ذكره سابقاً ، يعد تلاشي القيم السلوكية التحفيزية التي سرعان ما خضعت للواقع العياني وابتعدت عن مداراتها ومسالكها مما اصبحت تشكل عبء على العملية التربوية باكملها،من الاسباب المؤثرة جدا على انعدام الدافعية، فحين تنقطع الاواصر بين الفيئات التعليمية والمجموعات التخصصية بسبب المؤثرات الداخلية والخارجية معاً فانها بذلك تحدث شرخاً واضحاً في الرؤية التربوية والتعليمية على حد سواء، وبالتالي فانها تتعدى الرؤية القائمة على القيمة الدافعية التي من خلالها يتم تنشيط دافعية الفرد حتى يقبل ممارسة سلوك الموضوع المراد تعلمه، ومن ثم تنشيط دافعية الفرد حتى يواصل تعلم الموضوعات التالية للموضوع الذي تم تعمله، وحين تغيب هذه القيم التعليمية او لنقل الخصائص التي تتميز بها الدافعية كعملية تبدأ بالتحفيز والنشاط وتنتهي بتحقيق الهدف فانها تؤثر بشكل كبير على العملية التربوية والتعليمية معاً وتسبب تأخراً لكل المعطيات التلازمية لهذه العملية، باعتبارها لاتحقق هدفها في استثارة الكائن الحي، مما يعني عدم استثارة سلوك الفرد للبحث عن الهدف، ومن ثم تحقيق الهدف لن يكون من الاولويات الوجودية لديه، واخيراً الامر سيؤدي الى اختزال حالة الاستثارة والتي لايمكن التنبأ بالزمنية التي قد تنفجر فيها او انها ستؤدي الى اثار سلبية جانبية على سلوك الفرد باعتبار ان التراكمات والكبت يؤثران كثيرا سلباً على السلوك.

ووفق هذه المعطيات التلازمية للمؤثرات الداخلية والخارجية على الدافعية، يمكن التوصل الى بعض الاستنتاجات التي قد تساهم بشكل ايجابي لتحفيز المتعلم على الاندماج في العملية التربوية التعليمية وذلك عبر اتباع المعلمين والتدريسيين بعض الارشادات التي تؤدي الى زيادة دافعية المتعلم.. بغض النظر عن ان الاسرة ايضاً لها تأثير كبير على هذه العملية الا ان الاساليب التي من الضروري ان يتبعها المقيمين على عملية التعلم هي في النهاية التي يمكنها ان تغير مسار حياة المتعلم لاسيما فيما يتعلق بزيادة ثقته بنفسه ومحاربة المؤثرات الداخلية والخارجية التي تزعزع هذه الثقة والتي بدورها تقوم بتثبيط تقدير المتعلم لنفسه ومن ثم تؤدي الى دافعيته للتعلم، فتعريف المتعلمين بالأهداف السلوكية للموضوعات الدراسية التي يتم تناولها، ومستويات التمكن المطلوب منهم الوصول إليها عقب الدراسة تعطي للمتعلم مساحة محددة يمكنه من خلالها الاعتماد على بعض التوقعات والمخططات الخاصة به بعيداً عن العملية التعليمية اي انه يستطيع ان يثابر للوصول الى المستوى المحدد ومن ثم ينطلق الى اموره الاخرى، لاسيما حين يقوم القائم على التعليم بربط محتوى المناهج الدراسية ببيئة المتعلم والتأكيد على أهمية الموضوعات في حياتهم بحيث تصبح المعلومات والمهارات المستهدفة وظيفية في حياة المتعلم بالاضافة الى استخدم أساليب تدريسية تساهم في زيادة دافعية المتعلم للتعلم كأساليب تفريد التعليم، والتعلم الكشفي الموجه، وتوظيف أجهزة الحاسوب في التعليم وكذلك توظيف الموجودات الاخرى الفعالة ضمن دائرة حياته ، ومساعدته على التعلم من خلال العمل و اللعب المنظم فذلك يثير دافعية المتعلم ويحفزه على التعلم ما دام يشارك فعلياً بالنشاطات التي تؤدي إلى التعلم، واستخدام أساليب تقويمية تؤدي إلى تصويب وتطوير أداء المتعلمين لا التخويف والتهديد بحيث يتم تحفيزهم للتنافس والتنافسية في مثل هذه الظروف تعد من العوامل الايجابية التي تجعل المتعلم يقدم افضل ما لديه،ويمكن خلق هذه الاجواء التنافسية بمعايير صادقة بعيداً الغش والانحياز وهذا ما يجعل المربي قدوة للمتعلمين بالصبر والجد والإخلاص في الوقت نفسه، مما يساعده بالتالي الى التقرب للمتعلمين والتفاعل معهم والاهتمام بتعليمهم وتحبيبهم في المعلم، فالمتعلم يحب المادة وتزداد دافعيته لتعلمها إذا أحب معلمها ويمكن وقتها للمعلم ان يقوم بتعويدهم على أن يحلوا مشكلاتهم بأنفسهم وأن يشاركوا في تحمل المسئولية ويدربهم على ذلك. لاسيما اذا استطاع من ان يمنحهم الفرصة للتعبير عن مشاعرهم التي تتعلق بتعلمهم أو نشاطاتهم أو علاقاتهم داخل المدرسة حيث ذلك يساعدهم على مقاومة المشتتات لتحسين مستوى تركيزهم وزيادة مدى انتباههم وهذا يؤدي إلى مزيد من المثابرة وبذل الجهد لتحقيق نتائج دراسية أفضل وبذلك تتحسن دافعيته ويرتقي مستوى إنجاز وبلاشك هذه العمليات التربوية التحفيزية والتعليمية لتحسين الدافعية لدى المتعلم لاتتم بصورة متكاملة الا اذا تعاون المقيمين على العملية التربوية التعليمية مع اولياء امور المتعلمين وبصورة مباشرة لأطلاعهم من تقارير يومية وأسبوعية على اداء المتعلم.
قائمة المــــراجع
1- احمد دوقة، واقع لدافعية المدرسية واستراتيجيات التعلم، ديوان المطبوعات الجامعية، د/ط.
2- آمال ابو حطب، صادق فؤاد ، علم النفس التربوي، مكتبة الانجلو المصرية،ط2 ( القاهرة:1994).
3- د . صالح محمد علي ابو جادو، علم النفس التربوي، دار المسيرة، ط6 (عمان:2006).
4- رجاء ابو علام، علم النفس التربوي، دار القلم للنشر والتوزيع ( الكويت: 1986).
5- محمد خير عرقسوس، واخرون ، التعلم نفسياً وتربوياً ، دار اللوائ للنشر والتوزيع (الرياض:1983).
6- محمد محمود الحيلة، التصميم التعليمي، نظرية وممارسة، دار المسيرة (عمان:1999).
7- محي الدين حسن،دراسات في الدافعية والدوافع، دار المعارف(القاهرة:1988).
8- موريس فايز بقلة، الاستراتيجيات التي يستخدمها المدرسون في التعامل مع المشكلات الصفية وعلاقتها بجنس المعلم وادراكه لدوره التدريبي، رسالة ماجستير غير منشورة، عمان، الجامعة الاردنية.
9- نجاح احمد، العاومل الممؤثرة على تنمية الدافعية لدى الطلبة في المدارس الاساسية في منطقة عمال الكبرى، رسالة ماجستير غير منشورة، عمان، الجامعة الاردنية.
10- وصفي عصفور، تطبيقات وممارسات صفية على مبادئ التعلم، معهد التربية الاونرا/ اليونسكو( عمان:1996).

لا تعليقات

اترك رد