الشياطين الخُرْس

 

حين يسمع أحدنا عبارة ( الشيطان الأخرس )، يتبادر إلى ذهنه مصطلحان متراكمان مرتبطان بتلك العبارة هما: ( مصطلح الحق ، ومصطلح السكوت )، فقد زُرِعت َ في ذاكرتنا قديما مقولة: ( الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس )، حالها حال الآلاف من المقولات والشعارات التي غرسها بنا السابقون، ونسوا أن يعلمونا كيف نطبقها ، أو ماهي حدود تطبيقها ، أو طبيعة الأجواء التي قد تمنع أو تساعد على تطبيقها، أو أن تطبيقها مطلق لا يمنعه حدود أو أجواء معينة، بسبب أن الساكت عن قول الحق يسبب كوارث آنية أو تراكمية، فهو يساعد من حيث يشعر أو لا يشعر في انتشار الباطل .

إن الحق في معناه اللُغوي يعني: الثبات والصدق ، ويقال : يحق عليك أن تفعل كذا؛ ( معناها يجب عليك أن تفعل كذا أو يسوغ لك أن تفعل كذا) ( معجم اللغة العربية، ص163). هذا يعني بأن من صور الحق: ( الثبات والصدق ووجوب القول في الأمر وتسويغ قوله )، ومن هنا تتضح أهمية مقولة ( الساكت عن الحق ….) والتي يمكن صياغتها بدقة وببساطة ( المتغاضي عن الباطل وساكت عن قول الحق شيطان أخرس )، فتبيين الحق إلى من يجهله يساعد في منع تمادي الباطل لديه. فإن لم يكن بمقدورنا تغيير الباطل ، فمن الواجب أن لا نتغاضى عن قول الحق، وإلا سنكون شركاء في الباطل نفسه.

وبالتركيز على الأمور الحاصلة داخل المجتمع العراقي نجد صراعا ً كبيرا بين الحق وبين الباطل ، وكلٌ منهما له أجنداته الداعمة له والقائمة عليه، فأهل الباطل خلطوا الأوراق ليصعب تمييزها خصوصا من قبل ( الأجيال الحديثة ) التي لاحول لها ولاقوة سوى أنها خلقت في دولة مرتبكة أصبحت مركزا لتصفية حسابات متراكمة بينها وبين دول الجوار، لتكون هذه الأجيال تابعة ً لجهة أو حزب دون التمييز بين من هو صاحب الحق أم صاحب الباطل، وبالتالي أصبحت (الأجيال الجديدة) وقودا ً توفر الطاقة لتلك الأحزاب دون شعور، أما أهل الحق (إن كان لهم بقايا، والذين بات وجودهم وحضورهم في المشهد فيه شيء من الغموض أو الصعوبة) والذي كان لزاما عليهم أن يسارعوا في عزل الأوراق التي خلطها أهل الباطل وتوضيحها للأجيال الناشئة وتغيير مسار تفكيرهم (من نفعي شخصي حزبي سلبي) إلى ( نفعي وطني مجتمعي إيجابي ) ليكونوا ندا ً قويا أمام المنتفعين من أهل الباطل ، وبذلك يخلقون نوعا من التوازن داخل المجتمع يؤدي إلى ضعف انتشار الباطل.

ومن الأوراق التي يجب تمييزها من قبل الداعين للحق الصحيح هي: استخدام الدين كوسيلة للانتفاع الشخصي والحزبي وخلق الكراهية (باطل) يقابله استخدامه لنشر الإنسانية والمحبة (وهوالحق)، وأن التركيز على شؤون دولة خارجية والدفاع عنها بدلا من الاهتمام بالدولة الأم ( باطل) يقابله الأهتمام ببناء الدولة الأم وحمايتها والرفع من شأنها (وهوالحق)، إن السعي لحصر فكر المجتمع في اتجاه ضيق واحد لصالح حزب أو شخصية معينة (باطل)، يقابله توسيع آفاق فكر المجتمع والتفكير للصالح العام من أجل التعايش السلمي (وهو الحق)، إن جعل مقياس شرف الإنسان بممارسة الطقوس الدينية من عدمها (باطل) يقابله الفهم الصحيح للدين وأن الدين مكملا للأخلاق وليس هو الأخلاق – فكم من ممارس لطقوس الدين وهو رذيل وكم من مقصر في طقوس الدين يحمل من المبادىء والقيم السامية – ( وهو الحق)، إن الخلط بين الطقوس العامة وربطها بطقوس دينية ( باطل) – لإضفاء صبغة التقديس عليها، يقابله تنزيه الدين عن الطقوس العامة ورفع من مكانة الدين والاهتمام بهيبته التي يجب أن تبقى ، وجعل الطقوس طبيعية يراعى فيها حرية الناس وتحفظ مكانة الدين بعيدا عنها ( وهو الحق ).

إن كل ماذكر عما هو حق أم باطل ليس للكاتب فضلا في توضيحه؛ فالحق حق بذاته وواضح ( كمن يقول لك بأن النظافة والإيمان والصدق والأخلاق هي الحق) و ( القذارة والكذب والحماقة وسلب حق الغير هي الباطل)، إنها أمور بديهية
ولكن حين يتطلب الأمر في توجيه المجتمع بعد أن اختلطت عليه الأوراق فهنا يكمن دور أهل الحق.
فهل ما نلاحظه اليوم من الداعين للتمييز بين الحق والباطل يتكلمون، والذين لهم جمهورهم وأساليبهم التي يمكن أن يقلبوا بها الطاولة على أصحاب الباطل، أم أننا في بلاد الشياطين الخُرس.

لا تعليقات

اترك رد