مقطع ليس عرضيا لشارع


 

غادرت البيت الى مكتبي مبكرة اليوم.
كانت الغيوم تحجب الشمس و نسيم هادئ يجعل أوراق الشجر تتمايل بخجل..
جعلتني اشعر ان الشتاء يبعث برسالته لي و انني سأمر بيوم خريفي باذخ.
على غير عادتها، كانت الشوارع غير مزدحمة و السير ينساب بسلاسة، تاركا لي بعض مجال لتراقب ما حولي.

عاملان منهمكان بالجزرة الوسطية و ازهار الخريف بألوانها سعيدة. لم تكن الجزرة كلها مزهرة، بعض اجزاء منها كانت جرداء و السبب كما بدا أيهن في الناس الذين يعبرون دون اي اهتمام بما تحت اقدامهم، فضلا انهم يرمون كل ما بايديهم على الأزهار و الثيل. و نحن نقف بالصف للمرور بنقطة سيطرة، فتح سائق المركبة الرباعية الفارهة برقم مدني التي توقفت بقرب سيارتي الصغيرة التي تحمل رقما حكوميا، و من ملابسه الفارهة ايضا، بدا انه صاحب السيارة، مد برأسه بأقصى ما يستطيع و بصق على الارض.. وددت لو صرخت بوجهه، لكنه الخوف ان يكون مسلحا او ان بتصرف بتهور و بصرفه التي رمى بها شاهدة على اخلاقه.. و التي تؤكد بدورها انه احد الاثرياء الجدد..
في الشارع الضيق و الذي تحول الى مسارين، امام وزارة الخارجية، الزحام شديد، سيارات الموظفين تنتظر الدخول الى الوزارة، و سيرتا تصب في هذا الشارع من جهتين، فضلا عن مركبات الدوائر التي تطل على الشارع، و يأتي موكب مسؤول. مركبات سوداء رباعية كبيرة الحجم لا تحمل لوحات ارقام و يجب ان يمر الموكب و يربك الشارع و أنسى رسالة الشتاء و اليوم الخريفي الذي وعدتني به و اعود بلحظة الى الواقع..
يمر الموكب و يستعيد الشارع بعض هدوئه و انسيابيته..
اتذكر انه على الذهاب الى الوزارة، وزارة الثقافة، في عمل رسمي.. على الجسر، بداية شارع حيفا، احدهم دهس قطا و تركه ملتصقا بالشارع وسط دمه و صدفة تكون أغنية فيروز ( على جسر اللوزية )..
مظاهر الحزن الحسيني ما تزال في الشارع و شعارات المواكب و راياتها و تمر شابة رشيقة ببنطال جينز و قميص ابيض و شعر قصير، تقف قرب موكب تشابيه و تقرا الفاتحة..
على الحواجز الكونكريتية للوزارة لافتة على قماش اسود تنعي رحيل الفنان الكبير فهمي القيسي و أضافوا الى اسمه اللقب الذي فرضه اخلاقه على جميع من عرفه ( الباشا).. لافتة ليست بمستوى عطاء القيسي و ليست بمستوى اسمه.. ماذا كانت ستخسر الوزارة لو كانت اللافتة فليكس و ملونة و عليها صورته؟ و تساءلت مع نفسي ان كانت الوزارة شاركت في تشييعه؟ و هل لديها برنامج ما لتأبينه؟
على الرصيف المقابل، تجلس ام عباس كما هي منذ سنوات، تعرض للبيع مواد بسيطة لتعيل عوائل اولادها الشهداء.. سيدة ترتدي السواد و في وجهها هيبة توضح انها كانت عزيزة قومها.
قربها، تجلس متسولة تخبيء وجهها و تشكر بدعاء كل من يساعدها.
في شوارع العلاوي، نساء يرتدين السواد، إحداهن تحمل طفلا تعبا و اخرى تحمل صورة، ثالثة تسحب طفلة تبتسم و لا اعرف ماذا يجري حولها.. تقول الاولى انها من حلب و لهجتها لا تؤكد كلامها و الاخرى تقول انها نازحة.. و في الاخير هن متسولات يعرفن كيف يكسبون العطف.. و بينهم باعة الماء ، الصغار اتساءل تراهم ماذا سيبيعون في الشتاء و ذلك الرجل الكهل الذي احفظ وجهه و اعرف تواريخ تجاعيد وجهه، ربما اكثر منه، فهو في طريقي منذ سنوات، و هو يبيع قطع قماش ( بازة ) تفيد اصحاب السيارات في مسح الزجاج. .
و مهند، الشاب الذي يبيع السميط، يبحث عن عمل، اي عمل ” خالة تعبت أيدي من حمل الصينبة على چتفي لسنوات لا اعرف منذ متى، ربما منذ ان تعلمت السير “.
و الشمس تخيب املي و تصر على اختراق الغيوم، لا شتاء قادم و لا يوم خريفي باذخ..
و لكن مشاهد شباب بالكاد نبتت لهم شوارب و هم يدخلون المرآب او يخرجون منه حاملين حقائبهم بملابسهم العسكرية و رغم التعب الواضح على وجوههم، الا ان ثمة اطمئنان في العيون، اطمئنان يتحول لي و أنسى منظر ذلك الثري الجديد الذي ( ألما شايف )…

لا تعليقات

اترك رد