المقام العراقي الموروث الغنائي لبلاد ما بين النهرين – الجزء الثاني

 
الصدى- المقام العراقي محمد حسن كمر الباوي

يتكون البناء اللحني للمقامات من خمسة أركان للمقام  وألتي يجب أن يتقيد بها القارئ بتتابع أدائها، وتسلسلها وتسلسل هذه الأركان هي:
بخصوص الركن الأول الأبتداء ويؤدى على  طريقتين في بغداد هما:
أ- التحرير   ب- البدوة

أ- التحرير: أي بداية غناء المقام حيث يبتدأ القارئ بالغناء من النغمات المنخفضة  أو قرار المقام  وفي مسار أو تموج نغمي صعوداً أو نزولاً ( ويأتي هذا الاستهلال غالباً بكلمات او ألفاظ خارجة عن النص الشعري المغنى  مثل: أمان، يار، يا دوست، ، يادمن) (1). ويعتبر التحرير نموذجاً لحنياً متكاملاً من حيث أسلوب التعبير ومضمون المقام المغنى أي أنه يندرج ضمن بنية النغم الأصلي للمقام المغنى إذ يحاول القارئ أن يصِلَ بأدائه الى تطبيق الأصول المعتمدة لغناء المقام ومحاولة خلق حالة من التفاعل الايجابي بين المؤدي والجمهور، حيث يغني بيتين أو أكثر من الشعر العربي الفصيح أو الموال البغدادي -الزهيري المسبع-** بنفس اسلوب التحرير ومن المقامات التي تؤدى على هذه الطريقة هي -الرست، البيات، السيكاه، البنجكاه، الإبراهيمي، المنصوري، البهيرزاوي، الخنبات، الصبا، الحجاز ديوان، الحسيني، المدمي، العجم عشيران، الأوج، المخالف، النوى،النهاوند، الحجاز همايون، الدشت-   وهذا الجزء لا يحتاج إلى إجهاد الحنجرة والضغط على الحبال الصوتية  بل أن المؤدي يغني بطبقته الأعتيادية ألتي تساعده في الإنتقال إلى القطع والأوصال بمرونة وإنسيابية خلاف  طريقة البدوة ألتي سنتحدث عنها بالتفصيل

ب- البدوة: وتبدأ بالصيحات والغناء بالنغمات الصوتية العالية والمشابهة للميانات ثم الهبوط إلى النغمات الصوتية الواطئة.  ومن المقامات التي تؤدى بهذه الطريقة : الطاهر، الشرقي دوكاه، الراشدي، المحمودي، الأرواح، الناري، الحليلاوي

2- القطع والأوصال: وهي عبارة عن تنويعات وإنتقالات نغمية ضمن علاقات  لحنية متماسكة والعودة دائماً الى سلم المقام الأصلي وهذه التحولات أو القطع ذات أشكال ثابتة ومحددة في مساراتها اللحنية، وتبرز من خلال هذا الجزء  قدرة وإمكانية القارئ، وهذه الإنتقالات نسميها في الموسيقى العربية بالأجناس أو العقد خماسي.*   وفي بعض الأحيان تسبق هذه القطع والأوصال لوازم موسيقية لتهيء القارىء للأنتقال من قطعة الى أخرى كما في  مقام الرست أو مقام الحجاز ديوان
الصدى٠المقام العراقي
3- الجلسة : وهي حركة ينزل بها القارئ الى أساس المقام ولكن بمسار لحني محدد ذو شكل معيّن يكاد يكون ثابتاً، أي ليس أي نزول أو أي قرار للتهيأ الى الصعود الى الطبقات العالية     ( الميانات ) في الغناء وفق إطار نغمي ثابت يجب أن يتقيد به القارئ حيث تشير هذه الجلسة للموسيقيين ( إشارة وتنبيه للموسيقيين بأن القارىء  أنتهى من  هذه المرحلة وسيبدأ بمرحلة جديدة  لذا يحتاج  تهيئة من الموسيقين لأضفاء جو الميانة أو الوصلة القادمة ) كان تكون  لازمة موسيقية أو تمهيدي موسيقي معين ) أو توحي للمستمعين على أنه ستأتي طبقات عالية من الغناء أي الجواب  أو أكثر من الجواب مثل – فعل و رد الفعل –  وتسمى هذه الطبقات العالية غنائياً وفي المصطلح الموسيقي ( الجوابات) أو الميانة أي لا بد من حدوث هذه الجوابات التي تأتي أيضا بمسارات لحنية محدودة و بشكل معين. والميانات هي العنصر الرابع

4- الميانات : أي الغناء بالطبقات الصوتية العالية وتأتي  بعد الجلسة مباشرةً  وذات شكلٍ ومسار لحني ثابت وليس من الضروري دائماً أن تسبق هذه الميانات  جلسة من حيث هي عنصر من عناصر شكل المقام العراقي،  فقد تأتي صيحات غنائية عالية لها مقومات الميانة وأهم هذه المقومات ثبات هذه الصيحة في المقام المغنى دون الحاجة الى ان تسبقها جلسة،   في حين أن النزول الى الجلسة في العنصر الثالث يجب ان تتبعها ميانة في كل الاحوال،   إضافة الى أن هناك صيحات عالية من الغناء حرة يستسيغها المغني حسب مزاجه الآني لا علاقة لها بموضوع الميانة خلال غنائه للمقام لأنها لا تمتلك مقومات الميانة.  وتختلف عدد الميانات من مقام لأخر فهنالك مقامات تؤدى فيها ميانة واحدة مثل مقام الخنبات ومقامات فيها ميانتين مثل مقام الحجاز ديوان وبعض المقامات فيها ثلاث ميانات مثل مقام الرست .

5- التسليم: وهو نهاية المقام والركن الأخير من أركان المقام الخمسة حيث يرجع القارئ إلى درجة إستقرار المقام ويكون عادة قريبا أو مشابها للتحرير ويأتي غالبا بألفاظ او كلمات غنائية خارج النص الشعري، شأنه في ذلك شأن ما يحدث في العنصر الأول ( التحرير فقط ). بعد الإنتهاء من قراءة المقام يدخل القارئ أوالفرقة الموسيقية – الجالغي البغدادي-  بغناء البستة** (2) أي الأغنية.
الصدى٠المقام العراقي

عدد المقامات العراقية كانت أكثر من 50 مقاما حتى بدايات القرن العشرين  وهذه المقامات تنقسم الى أصلية وفرعية:

المقامات الأصلية مثل: الرست، البيات،السيكاه، الجهاركاه، النوى، الحسيني، الأوج،الصبا،الخنبات, العجم عشيران, الحجازديوان, الأبراهيمي, الحجازكاركرد……….الخ.

المقامات الفرعية مثل: الشرقي رست، الشرقي دوكاه، البهيرزاوي، الحكيمي، المدمي ، المحمودي، الراشدي،  البنجكاه، الدشت، الأوشار، الهمايون،الحويزاوي، الحديدي،المكابل…الخ.

هنالك بعض المقامات اندثرت أو اندمجت مع  مقامات اخرى على  شكل قطع  وأوصال ومنها على سبيل  المثال:
الحليلاوي، الباجلان، العمركلة، الكلكلي، السفيان.

تختلف النصوص التي تقرأ مع المقامات من مقام لأخر فهنالك  مقامات  تؤدى بالشعرالعربي الفصيح واخرى تؤدى بالموال البغدادي ( الزهيري المسبع ) الذي اشتهر بكتابته اهالي جنوب العراق.

والزهيري المسبع  أوالموال البغدادي  كما يسمى في البلدان العربية المجاورة للعراق هو لون من الوان  الشعرالشعبي

يتألف من سبعة أشطر تنتهي الثلاثة أشطر الأولى منها بكلمة متحدة في اللفظ ومختلفة بالمعنى والأشطر الثلاثة الأخرى تنتهي أيضا بكلمة  اخرى متحدة في اللفظ  ومختلفة في المعنى بينما  ينتهي الشطر السابع بكلمة  تتحد لفظا  بالأشطر  الثلاثة الأولى وتختلف عتها بالمعنى .

ونورد هنا على سبيل المثال الزهيري الذي كتبه الشاعر الدكتور زاهد محمد زهدي  وغنته السيدة  فريده محمد علي  في مقام الحجاز كار كرد :

الصدى٠المقام العراقيما للمدامع  تهل  يا صاحبي ما لها
والله غير الوفة وحب الوطن ما لها
يل حاولت يلتهي عنها القلب ما لهة
بحشاي موج الهوى هايج وابد ما سكن
وبغير  شاطي نهر  دجلة  ابد  ما سكن
ياما  سواليف  بهروش  القلب  ماسكن
مال العمر  والزمن حاول……… فلا مالها

المقامات التي تغنى بالشعر العربي الفصيح مثال:
الرست, السيكاه, الأوج, العجم عشيران, الحجازديوان, الحويزاوي, الدشت, الخنبات, الأورفة, الصبا…الخ.
المقامات التي تغنى بالزهيري المسبع  مثال ذلك:

الحكيمي، المدمي، البهيرزاوي، الشرقي رست، الشرقي دوكاه،المحمودي،الناري، المخالف، الحجازكاركرد..الخ.

هنالك ميزة اخرى للمقام من ناحية الأيقاع الذي يعتبر احد اهم مقومات المقام الأساسية فهنالك مقامات تقرأ بمصاحبة الأيقاع من البداية الى  التسليم  ومقامات اخرى تغنى بدون مصاحبة للأيقاع وبعضها تغنى مياناتها فقط مع الايقاع.

وأهم هذه الأيقاعات التي تتميز بمصاحبة غناء المقام العراقي هي: اليكرك العراقي 12/4- الجورجينا 10/16- السماح 36/4- الوحدة 4/4.

makam

المقامات التي تغنى بمصاحبة الأيقاع مثل: الحكيمي, المدمي، الراشدي، السيكاه، النوى، الشرقي رست، الشرقي دوكاه،البهيرزاوي، المحمودي، الحديدي..الخ.

المقامات التي تغنى دون مصاحبة الأيقاع.الأوج, الحويزاوي، الحجاز همايون، الحجازكاركرد، الحجازكار، العجم عشيران، الحسيني…الخ.

بعد تحليل المقامات لاحظنا ان غالبية المقامات التي تغنى بمرافقة الأيقاع هي التي تقرأ بالموال البغدادي ( الزهيري).

ان الصيغ التي كان يمارس عبرها المقام العراقي في السابق عديدة, وقد ظلت هذه الصيغ فاعلة حتى وقت متأخر من تأريخنا المعاصر ومن أبرز هذه الصيغ :
1- المقامات العراقية في الموالد والأذكار والمناقب النبوية.
2- المقامات العراقية في التمجيد على المنابر.
3- المقامات العراقية في المقاهي والمجالس.
4- المقامات العراقية في الزورخانة.

****************************************************

فالعراق معروف ومتميز بتنوعه السكاني وتعدد قومياته ودياناته ومذاهبه وطوائفه وبالتالي تعدد التقاليد والعادات عند هذه الطوائف لذلك فإنَ مادة الإرث الحضاري- التراث والموروث- في العراق متنوع وثري جداً وهذا الإرث يُمثل هوية العراق المميزة له عن باقي دول العالم وباقي الدول العربية).  فريد، طارق حسون، التصور الأولي لتقسيم التراث والموروث العراقي .

** المُربع البغدادي، فن غنائي شعبي قديم عشقه البغداديون وهو لون من الشعر الشعبي لنقد بعض الحالات الإجتماعية بطريقة طريفة وهذا الشعر يتقدمه شطر يسمى ( المستهَل) ويليه أربعة أشطر ثلاثةٌ منها ذات وزن واحد تنتهي بقافية واحدة والشطر الرابع يسمى ( الرباط ) وقافيته ترجع الى المستهل.

*** الزورخانة، هيَ لعبة رياضة المصارعة  والكلمة زورخانة . معناها مكان القوة ،  (وهي نتاج تطور تاريخي للعبة المصارعة الحرة والرومانية.. وإن شعب سومر وبابل وآشور الذين اول من جسدوا الفروسية وفنون القتال.. كانت تلك رياضتهم لتدريب مقاتليهم على فنون استخدام السيف والرمح وغيرها من فنون القتال.. وعليه فانهم ابتدعوا هذه الالعاب التي نراها في لعبة  الزورخانة ومارسوها بقواعد شبيهة جدا بالطقوس التي تمارس فيها لعبة الزورخانة من حيث استخدام الطبل وقراءة الاشعار والمقامات.. ويتميز جو الزورخانة بالطابع  الديني لذلك تعتبر نوع من الرياضة الروحية وتؤدى حركاتها بمصاحبة غناء المقام العراقي. هذه اللعبة لم يكن انتشارها في ايران فقط.. بل كانت منتشرة في الهند وباكستان وافغانستان وتركيا والعراق وغيرها من البلدان والمناطق) .   هذا الخبر من أرشيف الألعاب  الرياضية  لموقع كوورة، حميد عبدالباقي/ الزورخانة .اللعبة الرياضية..الشعبية والتراثية  في 20-08-2006

* الزهيري المسبع  أوالموال البغدادي  كما يسمى في البلدان العربية المجاورة للعراق هو لون من الوان الشعر الشعبي يتألف من سبعة أشطر تنتهي الثلاثة أشطر الأولى منها بكلمة متحدة في اللفظ ومختلفة بالمعنى والأشطر الثلاثة الأخرى تنتهي أيضا بكلمة أخرى متحدة في اللفظ  ومختلفة في المعنى بينما  ينتهي الشطر السابع بكلمة تتحد لفظاً  بالأشطر الثلاثة الأولى وتختلف عتها بالمعنى .

* الجنس في الموسيقى العربية عبارة عن أربعة نغمات يبرز فيه شخصية المقام وهومايسمى – تتراكورد- في الموسيقى العالمية، أما العقد فهو عبارة عن خمسة نغمات مثل عقد النكريز .

**البستة: وهي كلمة فارسية معناها الرابط ومصطلح عليها في الموسيقى التركية ( الموشح ) وتكون البستة متوافقة نغميا ومن روح المقام الذي ينتهي منه القارئ وتأتي البستة بعد قراءة المقام لإضفاء جو من المشاركة الجماعية ولإعطاء  قارىء المقام أستراحة لكي يتهيأ  لقراءة مقام آخر وهي من الأغاني الخفيفة وتعتبر ملحقة بالمقام العراقي .

*الشاعر د. زاهد محمد زهدي: ولد عام 1930 في مدينة الحي جنوب شرق بغداد ، غادر العراق إلى إيران سرًا ، استقر في منطقة أذربيجان  حيث التحق بجامعتها لدراسة الأدب الفارسي، بعد ذلك انتقل إلى أوروبا حيث حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه ،ينظم الشعر العمودي وا لشعر الحر والشعر الشعبي ..وفي شعره العمودي يرتبط بمدرسة الشاعر الكبير/ محمد مهدي الجواهري. كتب بعض  النصوص الغنائية  من أشهرها مروا علي الحلوين  لناظم الغزالي وألحان ناظم نعيم  وهربشي كرد وعرب للمطربة مائدة نزهت والأحان أحمد الخليل توفي في لندن 2002.

المقال السابقاللقاء الاول
المقال التالىمحض نهاية مجهولة
أستاذ العلوم والنظريات الموسيقية وآلة الجوزة والمقام العراقي، من مواليد ديالى العراق1959م. يمتاز اسلوبه التلحيني بالروحية العراقية المكتسبة من خلال ممارسته ودراسته للمقام العراقي في معهد الدراسات النغمية ممتزجا بالأسلوب الأكاديمي المعاصرمن خلال دراسته للعلوم الموسيقية الحديثة في قسم الفنون الموسيقية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد