محطات من تاريخ الحركة النسائية المغربية


 

قبل البدء
تحية إجلال، للمرأة الأم ،و الزوجة، والموظفة، والوزيرة، و القاضية ،وعاملة النظافة، وتحية إكبار، لنضال الحركة النسائية العربية عموما والمغربية خصوصا، في دفاعها عن مبادئ الحرية والعدالة والمساواة ،ونهديهم مقالنا هذا .

عرف العالم العربي عامة والمغرب خاصة خلال النصف الثاني من القرن العشرين تحولات جوهرية ،تمثلت في تزايد الوعي بالتأثير الايجابي الذي يحدثه تحسين أوضاع المرأة على المؤشرات الاقتصادية وأهمية مساهمتها في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ،وقد شكلت أفكار النهضة العربية وروادها كقاسم أمين ورفاعة الطهطاوي ودعوتهما لتحرير المرأة ، وكتابات نوال السعداوي وغيرها ,البوادر الأولى لتشكل الحركات النسائية العربية الهادفة إلى تحقيق المساواة مع الرجل، وتعتبر مصر أول الدول التي تأثرت بالحركة النسوية الغربية، فتأسس الاتحاد النسائي المصري عام 1923م كما أقيم بعد ذلك المؤتمر النسائي العربي عام 1944م، لتتأثر النسوية المغاربية من ضمنها المغربية بالحركة النسائية المصرية التي تعتبر جسر عبور للنسوية الغربية إلأى العالم العربي الإسلامي .
وقد استطاعت الحركة النسوية ،أن تلزم دولها بالمصادقة وتطبيق المواثيق الدولية، كالعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ،1966و العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية ،1966وإعلان القضاء على كل أنواع التمييز والتعصب الديني والعرقي 1981،واتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة .1989فماذا نعني بالحركة النسوية أو النسائية أو الفيمنيزم ?وماهي اتجاهات الحركة النسائية المغربية؟ وماهي أهم المحطات التاريخية التي مرت منها?

I. اتجاهات الحركة النسائية المغربية
النسوية، أو النسائية، أو الفيمنيزم، هي النظرية التي تنادي بمساواة الجنسين سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتسعى كحركة سياسية إلى دعم المرأة واهتماماتها، وإلى إزالة .التمييز الجنسي الذي تعاني منه
وقد تبلورت في المغرب حركة نسائية نشيطة ،يمكن أن نقسم اتجاهاتها الرئيسية إلى ثلاث هي:الاتجاه العلماني والاتجاه الإسلامي والاتجاه التوفيقي.

أولا: الاتجاه العلماني في الحركة النسائية المغربية
هو عبارة عن تنظيمات نسائية علمانية ذات توجه حداثي، تقترح إصلاحات تشريعية جريئة حول القوانين التي تخص وضع المرأة، وهي في الغالب تعد سليلة تنظيمات سياسية لبرالية أو يسارية.
نشأ هذا الاتجاه من رحم الأحزاب،لتبقى الحركة النسائية المغربية حزبية في نشأتها وأهدافها حتى فترة الثمانينات، حيث استقلت بقضيتها عن الأحزاب دون الاستقلال عن الخلفيات العلمانية والبرامج التي تدعم الحزب عن بعد، والذي يشكل هو الآخر قوتها الضاربة في تمرير البرامج والمطالب من خلال العمل السياسي. فبقيت تلك الحركات تحظى باستقلالية القرار والتخطيط والقيادة، ومرتبطة في الوقت ذاته مع التوجهات الفكرية والسياسية للأحزاب، من خلال تقاطع المصالح أو من خلال تأثير قياداتها المنتمية إلى الأحزاب. ومع أن هناك اتجاها ليبراليا نسائيا يسود الحركة النسائية العلمانية، إلا أن الجمعيات النسائية ذات المرجعية اليسارية الاشتراكية، كانت هي الناشطة والمهيمنة على :الساحة منذ الاستقلال ونذكر منها
– اتحاد العمل النسائي تأسس سنة 1987م، وخرج من رحم مجموعة 8 مارس النسائية اليسارية المنضوية تحت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.
– الاتحاد التقدمي النسائي التابع للاتحاد المغربي للشغل وهو اتحاد يساري.
ومن بين التحالفات النسوية التي تمثل لوبي ضاغط في مسار الحركة النسائية نذكر:
– “مجموعة ربيع المساواة النسائية” ويضم مؤسسات وجمعيات يسارية عديدة، تأسس بعد التعديلات التي أجريت على مدونة الأحوال الشخصية سنة 1993م والتي كانت إجرائية لا تمس جوهر البنود الأصلية.
– “ربيع الكرامة من أجل تشريع جنائي يحمي النساء من التمييز والعنف” والذي عقد جمعه العام سنة 2014م كان هدفه إصلاح القانون الجنائي، الذي يكرس التمييز بين المرأة على أساس النوع وقد ضم هذا الائتلاف 22 مؤسسة نسائية.ومن مناضلات الاتجاه العلماني في الحركة النسائية المغربية نذكر لطيفة جبابدي وفاطمة المرنيسي التي غيبها الموت عنا مؤخرا.

ثانيا: الاتجاه الإسلامي في الحركة النسائية بالمغرب
جاء الاتجاه النسائي الإسلامي ،كتعبير عن تقليد نشط ودينامي يترسخ ويستمر،ويضم تنظيمات نسائية إسلامية أصولية، ما يميزها ،هو أنها تجعل من الدين المصــــــــدر والأفق للممارسة النسائية، وتؤطر الاجتهادات بإسلام أصولي، يلتقي في نهاية المطاف مع أهداف الإسلاميين.وتمثله الجمعيات النسائية الإسلامية، و التيارات الإسلامية الفاعلة في المغرب، و الأحزاب و الاتجاهات المحافظة ، وتشمل الجمعيات المنضوية تحت حزب العدالة والتنمية، وحركة التوحيد والإصلاح، وجماعة العدل والإحسان، وحزب النهضة والفضيلة والاتجاه السلفي وأحزاب أخرى.
ويحظى حزب العدالة والتنمية بنصيب الأسد في العمل النسائي الإسلامي، والتمركز في الصراع مع الحركة النسائية ذات التوجه العلماني ، حيث أسست نساءه منظمة “نساء العدالة والتنمية” سنة 2011م للقدرة على مواجهة الجمعيات النسائية اليسارية المهيمنة على الساحة الجمعوية والسياسية. في أفق إحداث اتحادات ضاغطة للحركة النسائية الإسلامية بكل أطيافها الفكرية .ويبقى السؤال المطروح هو هل اهتمام هذا الاتجاه بالمسألة النسائية هو تعبير عن وعي حداثي متقدم لها، أم أنه تقليد يلبس رداء الحداثة، أوكفعل للمقاومة والاستمرار . ويمثل هذا الاتجاه منتدى الزهراء للمرأة المغربية ومناضلات حزب العدالة والتنمية كالوزيرة بسيمة الحقاوي وجميلة المصلي كاتبة الدولة الحالية في التعليم العالي جميلة المصلي التي زاوجت بين العمل الميداني و التحصيل الأكاديمي في تعاطيها مع المسألة النسائية حيث قامت بإصدار كتابين الأول حول الحركة النسائية بالمغرب، والثاني عن المشاركة السياسية للمرأة.

ثالثا : الاتجاه التوفيقي
هذا الاتجاه ،هو توفيقي بين أفكار الاتجاهين العلماني والإسلامي ،من خلال إقراره بالمرجعية الدينية، ولكن بانفتاح لدرجة إعادة النظر في أصول الفهم والاجتهاد للنصوص في مجال حقوق المرأة والأسرة وما يتعلق بهما، و ينضوي بعض منه تحت نشاط رابطة علماء المغرب، كأسماء المرابط رئيسة “المجموعة الدولية للبحث والتفكير حول المرأة والإسلام” التي قالت عن إحداث مجموعتها “لذلك فكرنا في القيام بأبحاث عميقة في هذا المجال، واتفقنا على إنشاء لجنة علمية من الخبراء في الإسلام، لأن هناك من يتكلم بإسمنا، بينما نحن لا نعبر عن قناعاتنا وعن وجهات نظرنا، والعلماء لا يتركون لنا هامشا للتعبير عن أنفسنا. والهدف هو إعادة قراءة النصوص الدينية، من قرآن وسنة، من منظور إسلامي ونسائي”.
ومنه ما يمثل الاتجاه العلماني، ولا يرى حرجا في أن يوفق بين العلمانية والإسلام و تعتبر رشيدة حمّي، (يسارية ) من الناشطات في هذا الاتجاه

II. أهم المحطات التاريخية للحركة النسائية المغربية
يمكن تقسيم المسار التاريخي للحركة النسائية المغربية، إلى ثلاث محطات مهمة:
المحطة الأولى:ارتباط الحركة النسائية بالأحزاب السياسية
تمتد من أربعينات القرن الماضي،مع “أخوات الصفا ” التابعة لحزب الشورى والاستقلال, و تميزت بالسعي للنهوض بأوضاع المرأة،كالخروج للفضاء العام والمشاركة في تحمل الأعباء المادية للأسرة ،وفي السبعينات انخرطت النساء في الأحزاب السياسية، فشكلت قطاعات حزبية داخلها،لكن الحركة النسائية لم تكن قادرة على فرض خصوصيتها وقضيتها ،نظرا لتعامل الأحزاب معها كمؤتث للفضاء الحزبي، لا تتاح لها فرصة الوصول إلى مراكز القرار، ما أبعد النساء عن الأحزاب من أجل فرض قضيتهم والدفاع عنها.
المحطة الثانية: استقلال الحركة النسائية عن الأحزاب ودفاعها عن قضيتها
بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي، وبالتحديد مع ظهور حركة نسائية نشيطة وفاعلة في الساحة الاجتماعية و السياسية ،وتزامن ذلك مع بداية تشكل المجتمع المدني المغربي، الذي يعتبر أساس المجتمع الحديث حيث ولادة التنظيمات السياسية النسائية ومعها صحافة نسائية متخصصة، مما جعل زكية داوود تتساءل ” عن الدوافع لولادة هاته التنظيمات، هل هي السنة الدولية للمرأة في نيروبي? أم أنها نتيجة لمسار نضالي طويل ساهم في إنضاج الشروط لذلك?”.
ففي سنة1985،الذي أحيت فيه النساء السنة الدولية للمرأة ،تأسست ثلثي الجمعيات النسائية المغربية ،في ذلك تقول عائشة بلعربي ” فهي لم تتطور بشكل ملموس إلا بعد سنة ،1980حيث نجد أن 55.2%من الجمعيات تم تأسيسها خلال فترة الثمانينات، مقابل 27.6%تم تأسيسها ما بين 1971و،1973و17.2%قبل سنة 1970″.
هذه الانطلاقة، أسهمت في تزايد الكتابات النسائية على صفحات الجرائد والمجلات، أو على شكل كتب ذات صبغ أدبية ( روايات أشعار) ،فتزايدت الكتابة النسائية باللغة العربية، مما شكل انفتاح التفكير النسوي على الأجيال الصاعدة التي تلقت تكوينا معربا ،خاصة وأن زخم الكتابة في المرحلة السابقة، كان باللغة الفرنسية ،وغالبية هاته الكتابات كانت تركز على مكانة المرأة ودورها في المؤسسات السياسية والاجتماعية ،و الوضعية المزرية التي تعيشها النساء وسعيهم لدور أكثر فعالية وإنصاف.
وقد ساهمت الكتابة النسائية في دفاع المرأة عن قضاياها دونما حاجة إلى الرجل’, معتمدة على التراث حيث ساهمت في تأصيل الحداثة داخله,وكشف الجوانب المتنورة داخله وضرب الاحتكار التقليدي لتناوله, وتعد باحثة علم الاجتماع الراحلة فاطمة المرنيسي نموذجا للكتابات النسائية التي تناولت قضية المرأة اعتمادا على التراث منها “سلطنات منسيات”و”الحريم السياسي”.

المحطة الثالثة:الحركة النسائية ومدونة الأحوال الشخصية
بدأت في تسعينات القرن العشرين ،حيث تعزز وعي الحركة النسائية المغربية، متأثرة بالمؤتمرات الدولية ،كمؤتمر ريو1992ومؤتمر حقوق الإنسان بفييينا 1993ومؤتمر السكان في القاهرة1994ومؤتمر التنمية الاجتماعية في كوبنهاكن1995،ومؤتمر المرأة في السنة ذاتها.
وأمام هاته المتغيرات الدولية، انطلقت حملة” المليون توقيع ” في 8مارس1991،الداعية لتعديل مدونة الأحوال الشخصية ،والتي قادتها الحركة النسائية ذات التوجه اليساري على رأسها إتحاد العمل النسائي والتي تنطلق من سمو المواثيق الدولية والحقوق الكونية لحقوق المرأة ،ما أثار حفيظة التيارات الإسلامية، من منطلق ارتباط المدونة بالمجال الديني، وبأنه يجب الأخذ بالحقوق الكونية ما لم تتعارض مع الكتاب والسنة، وانتهى هذا النقاش بتدخل الملك الحسن الثاني (1961- 1999) ،استنادا لصلاحياته الدستورية خصوصا الفصل 19المتعلق بإمارة المؤمنين ،حيث عين لجنة مكونة من رجال الدين و القانون، لتعديل مدونة الأحوال الشخصية ،وأصدر ظهير شريف بمثابة قانون رقم 1.93.347بتاريخ 10 شتنبر1993 ،ليغير فصولا من المدونة.
حدثت مجموعة من التطورات الداخلية و الخارجية في نهاية القرن العشرين، ساهمت في تحفيز الحركة النسائية المغربية ،وتوسيع أفقها لتجد في “الخطة الوطنية من أجل إدماج المرأة في التنمية”،التي تم إعدادها من طرف كتابة الدولة المكلفة بالرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة ،أرضية مناسبة لإعادة تحريك المطالبة بتغيير المدونة ” قامت حكومة التناوب بإيعاز من البنك الدولي بوضع خطة وطنية لإدماج المرأة في التنمية انقسم حولها المجتمع إلى قسمين متناقضين:
– الجمعيات النسائية والأحزاب المسماة تقدمية، مدافعة عن الخطة والتي أسست شبكة وجبهة لدعمها و مشروعها الحداثي الديمقراطي، الذي يقوم على سمو المواثيق الدولية المدافعة عن حقوق المرأة.
– المشروع الأصولي، الذي يخترق المجتمع والدولة ،ويروج لفكرة أن ليس بالإمكان أفضل مما كان، و تمثله التيارات الإسلامية والفقهاء والمدافعين عن الدين أسست جبهة لرفضها.
عكس هاته التطورات ،الحراك الاجتماعي ليوم 12 مارس من عام 2000، حيث سارت مسيرتان ضخمتان في نفس اليوم: الأولى، مسيرة الحركة النسائية بالرباط،المطالبة بتغيير قانون الأسرة، حتى يرقى إلى مستوى القوانين الحديثة، والثانية، مسيرة الإسلام السياسي في الدار البيضاء، المطالبة بالحفاظ على نفس المدونة، باعتبارها من ثوابت الشريعة الإسلامية،والرافضة للخطة ،باعتبارها إملاءً خارجيًا، وترفض مرجعيتها التي تقول بسمو .المعاهدات الدولية عن المرجعية الدينية.
جعلت هذه الأحداث الملك محمد السادس، يعين سنة 2001 ،لجنة استشارية، على غرار اللجنة السابقة للحسن الثاني، لتعديل قانون الأسرة وحدد “إطارها المرجعي في خطابه في الجلسة الافتتاحية للبرلمان، في 10أكتوبر2003 ،لتصدر مدونة الأسرة التي دخلت حيز التنفيذ في 3 فبراير2004 .
عموما، لقد حققت الحركة النسائية إنجازا هاما ،على مستوى مدونة الأحوال الشخصية ،وهذا ما تكشفه التعديلات الأخيرة، من قبيل الإقرار بمبدأ المساواة في المسؤولية المشتركة على الأسرة، رفع الولاية على الراشدة، رفع سن الزواج إلى 18 سنة، الطلاق الاتفاقي، التخلي عن مبدأ القوامة والطاعة مقابل الإنفاق، تقسيم الممتلكات المتراكمة أثناء الزواج بعد الطلاق، الحرص على حماية حقوق الأطفال، جعل بيت الزوجية من حق الأطفال والحاضن، وأهم إنجاز تم ،هو جعل مدونة الأسرة، قانونا ضمن سائر القوانين الوضعية الأخرى من اختصاص البرلمان مناقشته كما استطاعت تعديل قوانين الحريات العامة ومنها قانون الشغل والقانون الجنائي، واستطاعت تطهير المقررات الدراسية من كل ثقافة مناهضة لحقوق الإنسان ،وتشكيل كتابة دولة من ضمن اختصاصاتها النهوض بأوضاع المرأة.
خلاصة القول، لقد استطاعت الحركة النسائية المغربية، بشقيها اليساري والإسلامي ، أن تحقق عبر مسارها التاريخي، مجموعة من المكتسبات التي ساهمت في الارتقاء بمكانة المرأة المغربية، وأن تصل إلى أعلى مناصب المسؤولية، فمنها الوزيرة والنائبة البرلمانية و القاضية، لتساهم إلى جانب أخوها

لا تعليقات

اترك رد