ماجدولين الرفاعي: مازلت هاوية حتى يثبت احترافي بشهادة القراء..


 

ماجدولين الرفاعي ،صاحبة (قبلات على الجانب الآخر)،تلك المجموعة القصصية الأكثر إثارة ،والأكثر حضورا إبداعيا …اهتم بها النقاد مبكرا، وقالوا فيها ماعد استشرافا ذكيا لآفاق إبداعها النظيف المؤثر.

في هذا الحوار،سنحاول سبر غور ماجدولين،التي (امتهنت)سبر أغوار الأشياء ،لتستطلع من دواخلها ،صورة حاضر نريده إبداعيا بامتياز ، متطلعين معها صوب غد نريده أيضا ،كما تريده ماجدولين دائما،مشرقا بصور إنسانية خلاقة،تتسع شموسه لتسكن كل زاوية من عالم الناس المدججين بالحزن والصبر معا.علنا نتغلغل ،ونحن نمسك يدي ماجدولين في أعماق البحار والأحجار والتراب ،ثم كل ساكني هذا الكون المدهش.

تمارسين كتابة القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والشعر والمقالات الأدبية ، وكتابة أي جنس أدبي استلهام وعقيدة، همة وتجربة، يؤدي مجموعها إلى الاحتراف.. من هنا سأبدأ معك. في أي جنس أدبي تجدين نفسك أكثر، هل احترفت الكتابة، أم أنك تعتبرين نفسك هاوية؟
كل أدب من الآداب له مكانته في نفسي ولا أقوم بفعل الكتابة إلا عندما أجد الرغبة في ذلك فللقصة طقوسها وللمقالة وقتها وللقصة القصيرة جدا حالتها ،وعندما تلتمع فكرة في ذهن المبدع فانه لا يفكر في نوعها بل يسجلها مباشرة على الورق ،وإنما وبكل صراحة أميل إلى كتابة القصة القصيرة جدا والتي تحمل في مضمونها فكرة واخزة بشكل عام من باب أن الأدب عليه أن يحمل فكرة وإلا تحول إلى ثرثرة لاطائل منها

وعن سؤالك عن الاحتراف أجيبك بأنني مازلت هاوية حتى يثبت احترافي بشهادة القراء والمبدعين

لكل كاتب أسلوبه ولغته الخاصة به، قارني مثلا بين أسلوب ولغة أميل حبيبي والطيب صالح، وبين زكريا تامر وغائب طعمة فرمان، ستجدين فروقا شاسعة.. هل لك أسلوب معين تتبعينه في كتاباتك، وما اللغة التي تفضلينها، لغة السرد البسيطة دون تعقيدات، أم اللغة الشعرية المكثفة ولماذا؟ هل تجعلين من اللغة بطلا في أعمالك كما يفعل بعض الكتاب السوريين والعرب؟

نعم لكل كاتب لغته وهويته بدليل أنني عندما اقرأ مادة مغفلة الاسم لأحد الأصدقاء اعرف فورا من الكاتب واعتبر هذه الأشياء هوية خاصة كبصمة الإبهام أو بصمة العين ولم لا ؟ألا يحق للمبدع أن يحمل هوية مميزة عن أقرانه؟

وبالنسبة لي اعتمد أسلوب الكتابة المبسطة الصريحة والتي تحمل مضامين كثيرة ضمن فكرة مبسطة وأميل جدا للكتابة النقدية مع سخرية مبطنة ، فالنقد يفتح عيون الآخرين على الأخطاء ومن ثم يجعلهم يفكرون بالتصحيح ، البطل في كتابتي هي الفكرة وليست اللغة التي تضلل القارئ في أحيان كثيرة فيتوه وهو يلاحق الكلمات ويغوص بين المعاني والمفردات كي يعرف منها ماذا يريد كاتبها وماهي رسالته

أروع موهبة الكاتب هو التأليف، وهو أصعب جوانب العمل الروائي والقصصي، ولكن على ماذا يتوقف نجاح الكاتب، على فلسفته ونظرته إلى الحياة، أم على أسلوبه وأدواته التي تخصه وحده، أم على موهبته؟ وأين تكمن روعة القصة القصيرة الناجحة بكل المقاييس؟
سأبدأ من حيث انتهيت أنت وأجيبك أن روعة القصة القصيرة جدا في استحواذها على القارئ كلية وحثه على متابعتها إلى مالا نهاية فتباغته نهاية القصة ، بالإضافة لتوفر العناصر الأساسية للقصة والتي تغيرت كثيرا في الآونة الأخيرة ولم تعد تعتمد على مقاييس محددة.لا ينجح الكاتب إلا إذا كان مبدعا والإبداع من وجهة نظري تكامل إذ لا نستطيع اجتزاء الأشياء ،فالكاتب الناجح هو الذي يجمع الموهبة والثقافة والإلمام بمعظم مجالات الحياة .

في حوار مع الأديب الراحل عبد السلام العجيلي قال: إن القصة القصيرة عندنا مراهقة وعلل ذلك بأن الكتابة في بلادنا لا تطعم خبزا، مع العلم أن هذا الحوار كان في عام 1989 ، وأيضا قال الكاتب الراحل جميل حتمل : لولا زكريا تامر الذي وصل القصة السورية من موقع آخر لبدت القصة السورية في أسوأ حالاتها. ما رأيك في ذلك؟ وبعد كل هذه السنوات كيف تجدين القصة السورية، هل من تطورات طرأت عليها؟
رحم الله الأديب عبد السلام العجيلي كنت من اشد المعجبين بكتاباته ومعه كل الحق في مقولته التي لم تتغير منذ أن قالها في عام 1989 إذ مازالت الكتابة في بلادنا لاتطعم خبزا ومازالت الحكومات غير مهتمة بمبدعيها وكتابها إلا فيما ندر ودعني هنا اشتكِ من تقصير وزارة الثقافة في سورية وعدم اهتمامها بدعم المبدع ماديا كي ينتج أدبا محترما

وكي يستطيع طبع كتبه بطريقة أفضل ، فهنالك الكثير من المبدعين ما تزال إبداعاتهم حبيسة أدراجهم لأنهم لم يستطيعوا طباعتها لقصر ذات اليد وبذلك فان أهمية تلك الكتب تنتفي طالما لم تصبح في أيادي القراء ،ومن النعم التي من الله بها على المبدعين هي نعمة الإنترنت لمن يستخدمها فهي وسيلة مناسبة لنشر النتاجات والاستفادة منها وربما جنحت قليلا خارج سؤالك عن القصة الحديثة وها أنا أعود إليه مجددا

في الحقيقة أرى أن القصة السورية لم تتقدم كثيرا بدليل عدم ظهور أسماء مهمة كما في السابق ومازال حنا مينا والماغوط وناديا خوست وزكريا تامر يحتلون الساحة الأدبية دون منازع

أنت قاصة وشاعرة متميزة ولابد أن أسألك عن الشعر. الشعر العربي المعاصر بأنواعه العمودي والتفعيلة والنثر، هل قادر على التعبير عن تشابكات الحياة السياسية والاجتماعية وتعقيداتها؟
دعني أجيبك بمقاطع شعرية لشعراء الشعر العربي المعاصر وانظر جيدا هل عبرت تلك القصائد عن تشابكات الحياة السياسية والاجتماعية، من قصيدة متى يعلنون وفاة العرب للشاعر الكبير الراحل نزار قباني، اقتطع هذه الكلمات:

أحاول أن أتبرّأَ من مُفْرداتي ومن لعْنةِ المبتدأ والخبرْ… وأنفُضَ عني غُباري. وأغسِلَ وجهي بماء المطرْ… أحاول من سلطة الرمْلِ أن أستقيلْ… وداعا قريشٌ… وداعا كليبٌ… وداعا مُضَرْ…

وأيضا هذا المقطع للشاعر أدونيس:

دليل السفر في غابات المعنى

ما الغيب?

بيت نحب أن نراه,

ونكره أن نقيم فيه.

ما السر?

باب مغلق إذا فتحته انكسر.

ما الحلم?

جائع لا يكف عن قرع باب الواقع.

ما اليقين?

قرار بعدم الحاجة إلى المعرفة.

إذا كان الشعر ديوان العرب فهو اليوم صرختهم كما هو معروف وأي شعر لا يحقق أهدافه يتحول إلى عبث /الشعر مرآة المجتمع وبالتالي فهو يسجل أدق التفاصيل والملاحظات يعايش حالة المجتمع ويحاول بكل حرف فيه وبكل تفعيلة منه أن يصرخ في وجه العالم الأصم

وقصيدة النثر كيف تنظرين إليها؟ هل هي جلطة أصابت قلب القصيدة العربية، أم أنها أعادت شيئا من الشباب إلى جسد هذه القصيدة وجعلته أكثر جمالا، أم ماذا؟
 بداية تبقى القصيدة العمودية هاجسي وهاجس أجيال ماضية ولاحقة وحاضرة وهذا لا يسقط عن جسد قصيدة التفعيلة وقصيدة الننثر ثوبيهما الجميلين فأينما احتدم الإحساس كان التلقي عنيفا وقويا ، القديم والذي يستحق بالفعل وأنا مع التجديد فالحياة تتغير وعلى الأشياء الأخرى أن تتغير حسب مقتضيات هذا التغيير.

في الماضي كانت الرواية هي التي تعرض وتصف وتحكي وتمتع وتنمي القدرة اللغوية عند الناس.. الآن كيف تنظرين إلى حضورها بين الناس ، هل ستبقى مهما كانت قيمتها قادرة على مواجهة التحدي، التلفاز والحاسوب مثلا، والاحتفاظ بالقارئ المثابر على القراءة التي قد تمتد لأيام؟
كنت سابقا وقبل عصر الإنترنت والفضائيات امضي بالفعل أياما متتالية ليلا ونهارا وأنا اقرأ رواية ،أتابع كلماتها وأحداثها وألهث خلف السطور أعيش بين الشخصيات ،أتعاطف معهم افرح واحزن معهم وافتقدهم عندما انفصل عنهم بعد الانتهاء من قراءة الرواية أما الآن فإننا ابتعدنا تماما عن قراءة الكتب المطبوعة إلا فيما ندر وصارت معلوماتنا مستقاة من جهاز الكومبيوتر والإنترنت ، صرنا نتابع الروايات على شاشات الفضائيات عندما تمثل كأفلام ومسلسلات تلفزيونية،ولا أرى بصراحة من ضير من ذلك ما يهمنا أن تصل المعلومات وان يتابع الجميع القراءة على الشاشة أو في كتاب وعلى العكس فان الإنترنت قد أعطى للجميع فرصة الاطلاع على روايات لم يكن من الممكن الاطلاع عليها بسبب الحدود والحواجز بين الدول بالإضافة للرقابة المفروضة على الكتب،وما يمكنه أن يغيب هنا هو السرد الممتع الذي يميز الكتاب عن جميع الوسائل الأخرى

القصة القصيرة وفنها الجميل التي هي بنت العصر، وبنفس القدر بنت المستقبل، وستبقى عادة راسخة من عاداته الثقافية الأدبية، ومع أنها منشورة على صفحات أي جريدة أم مجلة سواء كانت أدبية أم غير أدبية، مع كل هذا، هناك من “يفوّل” على القصة القصيرة على أنها تعيش أيامها الأخيرة، وهناك من يقول إن فن القصة بات مهددا بالانقراض، ما رأيك؟
قد يكون مستوى القصة القصيرة قد انحدر قليلا لكن هذا الواقع لايعني بأية حال من الأحوال أن مصيرها إلى الزوال ،فقد مرت القصة القصيرة بكبوات عدة ولكنها انتفضت من جديد وتابعت مسيرتها من خلال كتاب فهموا ماذا يريد القارئ علما أن القصة أكثر ملاءمة للقراء من الرواية لأنها تلازم الإيقاع السريع للعصر وحركة الحياة،وعلى كتاب القصة الآن الاجتهاد في تطوير قدراتهم وتنمية قدراتهم الكتابية بما يحفظ للقصة القصيرة حضورها ورونقها.

القصة السورية الساخرة كان لها في الماضي روادها مثل سعيد حورانية وعلي خلقي وحسيب ومواهب كيالي وغيرهم. في الوقت الحاضر هل لدينا في سورية قصة قصيرة ساخرة حقيقية؟
حسب معلوماتي فإنني لم الحظ أبدا وجود قصة ساخرة سورية وعندما قررت كتابة الرد على سؤالك فكرت كثيرا وبحثت عن شاهد فلم أجد أية قصة ساخرة سورية أتحدث عنها يوجد بعض كتاب الأدب الساخر كخطيب بدلة ووليد معماري ولكنها كتابات لاترقى لمستوى تسميته بالأدب الساخر

بيئة الكاتب التي يعيش فيها دائما تشكل له منهلا وينابيع للكتابة. من أين تأتين بمواضيع وشخصيات وأبطال أعمالك الأدبية، من البيئة المحيطة بك أم من الخيال؟
اكذب إن قلت أنني اكتب من الخيال وفقط الخيال نحن أبناء مجتمع تتزاحم فيه الأحداث وكتابتها كما هي تصبح مجرد توثيق وهنا يكون دور الكاتب كي يضيف على حدث بسيط تشعبات ومنمنمات من الخيال

الحركة الثقافية العربية ، كيف تقيمينها في الوقت الحاضر، هل تسير إلى الأمام، هل هي في تطور، أم العكس هو الصحيح؟
الكارثة تقع على راس المبدع عندما يشعل السياسي النار يركض المثقف لإطفاء الحرائق ولهذا فان حال الثقافة مرتبط بشكل طردي من الأحوال السياسية ومدى استقرار الدول

النقاد في بلادنا العربية كثيرون، ولكن أحيانا نرى بعضهم وقد امتاز بصفات غريبة، على سبيل المثال يتناول ناقد ما عملا لا يستحق القراءة، فنجده وقد فقد اتزانه من شدة الإعجاب والانبهار بهذا العمل، وفي عمل آخر يتناوله وهو عمل جاد لكنه يتجاهل كل جمال فيه ويستخف به. ماذا تقولين في ذلك؟ هل هذا هو حال حركة النقد العربية؟
والله يا أخي لقد حركت علي كل المواجع فلقد وضعت إصبعك على الجرح،حال النقاد هنا حال مزاجية تميل مع الهواء وحسب صاحب الكتابة والناقد مثل القاضي عليه أن يكون حياديا ولا تؤثر على رأيه المشاعر والمصالح الشخصية وهذا صعب جدا في مجتمعنا

وثمة حلم مؤجل أن تكون العلاقة مع النص وليس مع صاحب ذلك النص.

ماذا أعطاك الأدب ، وماذا أخذ منك، وهل ندمت على اختيارك للأدب والسير على دروبه المتشعبة؟
أعطاني الأدب قدرة جديدة على فهم الحياة من منظار جديد منظار أكثر دقة ،أعطاني الأدب فرصة لتغيير خريطة الحياة بقدر استطاعتي أدواتي القلم والورقة والفكرة الجادة ،واعترف لك أنني اشعر بالندم أحيانا وربما العتب على القدر الذي سيرني كي أسير في تلك الدروب بخاصة عندما اصطدم ببعض المحسوبين على الثقافة ممن كرسهم الإعلام الرخيص واصبحوا بتأثير مراكزهم السياسية أو المالية في صدارة المشهد الثقافي،وقد أحزنني مشهدا رايته بأم عيني حيث تملق أحد كبار الفنانين لشاعر تافه فقط لانه مسؤول عن أحد المهرجانات التي يسعى ذلك الفنان للمشاركة فيها ، دعني أصمت ياصديقي كي لاتندلق الأحزان .

أخيرا لك حرية الكلام، قولي ما شئت ولمن شئت؟
 أقول لك أنت أولا :شكرا لك من القلب لإتاحة هذه الفرصة لي كي اعبر عما في دواخلي

ودعني اوجه رسالة عبر هذا الحوار للمرأة العربية المثقفة وأقول لها :اثبتي دوما يا عزيزتي انك كطائر الفينيق وان باستطاعتك النهوض دوما مهما كثرت الحواجز والسدود في طريقك،افتخري دوما بأنك امرأة، أما ،وأختا ،وزوجة.

لا تعليقات

اترك رد