بعض ملامح التوجهات السياسية الجديدة في العراق


 

المراقب و المتابع للتطورات السياسية و الحزبية و الحكومية في العراقية، يشد إنتباهه تزايد و توسع و وضوح التركيز على الدور الجديد الذي يلعبه عمار الحكيم، زعيم ما يسمى بالتحالف الوطني العراقي، و تصريحاته الرنانة و لقاءاته المتكررة و إجتماعاته المتعددة و المستمرة مع العديد من المسؤولين العراقيين و الأجانب، بحيث باتت صورته و دوره يضاهي كثيرا صورة و دور رئيس الوزراء العبادي ونوري المالكي و غيرهم من القادة العراقيين الذين ملأوا الدنيا و التلفزيون و الصحافة زعيقا و صراخا و تصريحات و تهديدات في مناسبات مختلفة و أحداث كثيرة ..

ما يثير الإنتباه أكثر هو نوع و طبيعة العبارات و المصطلحات و التعبيرات و النبرة التي يستخدمها عمار الحكيم أو مكتبه الإعلامي في خطاباتهم و تصريحاتهم، سواء المكتوبة أو المرئية و المشاهدة منها ..

واحدة من النشاطات التي نظمها التحالف الوطني المذكور، هو ما يسمى ب ( مؤتمر المجلس الأعلى للصحوة الإسلامية )، حيث تشير الدعوة الرسمية للمؤتمر المذكور إلى حضور كل من حيدر العبادي و سليم الجبوري لهذا المؤتمر، و بمشاركة ٢٦ دولة عربية و إسلامية، و مكان الإنعقاد في ” مكتب زعيم التحالف الوطني العراقي السيد عمار الحكيم “، و أشار إعلان آخر أن مكان الإجتماع سيكون في ” مكتب السيد عمار الحكيم، الجادرية، جسر ذو الطابقين “، علما أن الإعلان صادر عن ” رئاسة المجلس الأعلى الإسلامي العراقي – المكتب الإعلامي ” ، و نلاحظ هنا كلمة حضور و ليس تشريف أو رئاسة المؤتمر، مما يوضح الدور القيادي الأعلى لعمار الحكيم أمام كل من رئيس الوزراء و رئيس البرلمان العراقي ..

مما يثير الإنتباه، هو محاولة العراق، و بتوجيه و متابعة إيرانية أكيدة إعطاء الإنطباع للعالم الخارجي أن هذا الخط، مما يسمونه بالإسلام في العراق و إيران و عدد آخر قليل من دول العالم، بات يمثل الخط العام للإسلام المطلوب و المرغوب فيه غربيا و عالميا، و هنا محاولة لتوجيه الرأي العام أن القيادة العامة لهذه التوجهات الإسلامية الجديدة باتت تتمثل في العراق، و من خلفها إيران، ربما في نوع من تبادل الأدوار بشكل ما، و ذلك من خلال إستخدام عبارة ” المجلس الأعلى” ، في كل من تسمية المؤتمر و تسمية الجهة الراعية التي أصدرت الإعلان و البيانات اللاحقة، أو من خلال رئاسة المؤتمر من قبل عمار الحكيم نفسه، و هكذا نجد أن إيران و تابعتها ما يسمى بدولة العراق الآن يحاولون بشدة الترويج لمفاهيم و مصطلحات معينة توحي للمستمع و القارئ إنهم باتوا يمثلون الأغلبية و يقودون التيار الغالب في جانبيه الإسلامي و العربي، و يضغطون بشدة من خلال مثل هذه النشاطات و من خلال جهد إعلامي واضح بهذا الإتجاه ..

إن التوجه إلى نشاطات كهذه، في الوقت الذي ينشغل الجيش و الحكومة العراقية كما هو المفروض بالحرب على ما يسمونه بداعش، في الموصل و غيرها، إنما محاولة لبث الثقة في أن هناك إهتمامات أخرى للأحزاب و القيادات العراقية، و هي قي الواقع محاولة لإستغلال الإنشغال العالمي و العراقي بموضوع المعارك في الموصل، في حين يتم التركيز في هذا المؤتمر على إستمرار و تطوير المد و النفس الطائفي المدعوم من إيران و بتنفيذ و واجهة عراقية، و ظهر ذلك من خلال ما أعلن من نشرات و أخبار بخصوص هذا المؤتمر ..

و كما يبدو أن إيران و العراق، و هذا التحالف إن صحت تسميته أو التوحد في المواقف و التوجهات و السياسيات ، يحاول دائما التقدم نحو الإمام خطوة بعد أخرى في ترسيخ العداء دينيا و عقائديا و مذهبيا لكل من لا يتماشى مع توجهات العراق و إيران الدينية و السياسية و العرقية و الطائفية، كما تحاول مثل هذه التوجهات إعطاء صور و إشارات عن ثقة إيران و توجهاتها في العراق و دول أخرى، مع ترسيخ عداءها للدول الإسلامية الأخرى من خلال وضعها تحت لواء الوهابية و التكفيريين أو كونهم من أتباع السعودية و تركيا و غير ذلك من الترهات ..

و في حديث لعمار الحكيم للمؤتمر المذكور الذي عقد يوم السبت الماضي المصادف ٢٢ /١٠ / ٢٠١٦، ذكر ” أن الزمن هو زمن تحديد المساحات و تقاسم المصالح و النفوذ و مهما أستمر القتال و الإقتتال بين الأخوة فأنهم في النهاية سيجلسون على طاولة الحوار و ليكن حوار الشجعان الذين يفكرون بمصالح شعوبهم و مستقبلها ل ١٠٠ عام القادم و ليس لربح جولة هنا و هناك ” ، و لا أدري من بالضبط يقصد في كلامه هذا، و مع من يريد أن يتفاوض و يتحاور، لكنه كما يقول عادل إمام، كلام كبير، كبير فعلا ، لكن كما يبدو أنهم يخططون فعلا لل ١٠٠ عام القادمة ..

الغريب فعلا، أن عمار الحكيم يتكلم في المؤتمر ، و كأنه هو و من معه في العراق يمثلون فعلا الإسلام و المسلمين في العالم، و هو يكيل المديح لما يحصل في العراق، و يكيل الإتهامات للآخرين، و يعتبر ما حصل و يحصل في العراق نموذج للإسلام الجديد الحديث و المتطور ..

و يشير في كلمته إلى أن ” العالم قد تغير بشكل كبير، و لم تعد أساليب الحوار و التواصل القديمة و التقليدية مجدية و نافعة في بناء حوار داخل مساحة الأمة “، و يضيف في إشارة إلى تجربة العراق ” أن الأمة تعيش زمن الصحوة الإسلامية و الإنسانية حيث يعمق الإسلام إنسانيته و جماليته و ذوقه، و يرسخ حضارية مشروعه للعالم و للإنسانية بعيدا عن التحجر و التطرف و الإنغلاق “، و هنا لا داعي لتعريف من هو المتهم بالتحجر و التطرف و الإنغلاق، فهذا بات واضحا و علامة مسجلة لكل من لا يسير في درب إيران و العراق، و كل من يحافظ على إستقلاليته و مبادئه ..

نعم كما يبدو أن ما يجري في العراق هو صحوة إسلامي و إنسانية، و لا أدري كيف سيكون هو الحال هناك لو لم تكن هناك تلك الصحوة ؟؟!! ..

في مجال آخر، يشير السيد الحكيم إلى ” أسفه من أن تكون أصوات مروجي الحقد و الكراهية و التفرقة و الطائفية و العنصرية أعلى من أصوات الصادقين المخلصين الذي ملأ الإسلام قلبهم بالمحبة و السلام و الوئام و الذوق و الجمال “، فعلا و أنا أقرأ هذه العبارة تذكرت المئات من المنشورات و الأفلام و الأخبار و الصور عن ممارسات الحشد و عشرات الميليشيات الطائفية، و آخرها تهديد قادة إحدى الميليشيات بجعل معركة الموصل إنتقاما لمقتل الحسين، حقيقة لا أدري إن كان هذا الكلام محاولة للتغطية أم للتراجع، أم لقلب الدفاع إلى هجوم، أم للثبات على المواقف الخاطئة و الأفعال السلبية ..

في موقع آخر من خطبته، يؤكد عمار الحكيم ” مشددا على أن معركة الإسلام الحضارية اليوم هي مع الذين يتحجرون في فهم النصوص الدينية و يسقطون عليها تفسيرهم التاريخي الجامد، و أن الصحوة الإسلامية يجب أن تكون صحوة داخلية ” ، و هنا نضع أكثر من خط تحت كلمتي ( يتحجرون ) و ( تفسيرهم التاريخي الجامد )، و نسأل ماهو المقصود بالضبط، و من هم المقصودين، و هل هناك عمل يتم بالتوافق و التنسيق مع الدول الكبرى لتغيير صور الإسلام الحقيقي و مفاهيمه، و طرح مفاهيم جديدة محرفة و بعيدة عن روح الإسلام الحقيقي، من خلال جهود العراق و إيران بشكل خاص ..

في الجزء الأخير من كلمته تتوضح الأمور أكثر، حيث يشير ” مثمنا دور المجلس الأعلى للمجمع العالمي للصحوة الإسلامية و أمينه العام الدكتور علي ولايتي و أعضاء المجلس الأعلى للمجمع على قبول الدعوة و الحضور إلى هذا الإجتماع في بغداد، و إطلاق رسالة الدعم و الإسناد للعراق و شعبه و حكومته و قواته المسلحة في دحر الإرهاب و مواجهة التطرف، معربا عن شكره للجمهورية الإسلامية الإيرانية و قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي دام ظله الوارف على إهتمامه و رعايته لهذا المجمع ..” ، و هنا أعتقد أن الكلمات و العبارات تفسر نفسها جيدا و بوضوح، حيث يتضح الدور الإيراني الواضح في رعايته و توجيهه لمثل هذه النشاطات، و تحت عناوين و تسميات توحي للعالم الخارجي إنها ممثلة للعالم الإسلامي أجمع، في حين نرى أن الواقع شئ آخر بعيد كل البعد ..

و الحقيقة حاولت جديا الحصول على أسماء الدول المشاركة أو أسماء ممثليها، و وجدت هذه المعلومة ناقصة و مفقودة في كثير من الأخبار و المراسلات المتعلقة بالمؤتمر، غير أني وجدت تعليقا له معنى كبير ، حيث أشارت إحدى النشرات الإخبارية المتعلقة بالمؤتمر إلى أن ”  علماء مسلمين من 22 دولة اسلامية غالبيتهم من السنة واقليتهم من الشيعة سيحضرون الاجتماع” ، و الحليم من الإشارة يفهم ..

و في أحد التقارير المنشورة عن المجلس الأعلي بخصوص المؤتمر و قراراته و أهم ما نوقش فيه، أشار إلى أن ” مؤتمر الصحوة الإسلامية يدعو علماء الأمة التعريف بخطر الإسلام التكفيري الوهابي على المسلمين و العالم ” في إشارة واضحة للمسلمين العرب و السنة حول العالم الذين يشكلون حوالي ٩٠٪ من مجموع المسلمين، و في تهديد مبطن للسعودية، و إعلان حرب على من لا يتفق مع الإسلام الفارسي العراقي الجديد ..

و في هجوم شديد و واضح على المسلمين السنة عامة و نعتهم و إتهامهم بالإرهاب، و على السعودية بشكل خاص، أشار بيان المؤتمر إلى ” دان مؤتمر الصحوة الإسلامية التاسع الذي عقد في العاصمة بغداد خلال يومي السبت و الأحد يومي ٢٢-٢٣ /١٠ /٢٠١٦ ، كل الأساليب المعتمدة لدى الخصوم في محاربة الصحوة الإسلامية و تشويه وجهها المشرق، فيما دعا المؤتمرون جميع العلماء و المثقفين و الأساتذة في أقصى نقاط العالم الإسلامي إلى ضرورة توضيح الأمور و فك الإشتباك بين المفاهيم و ترسيم الحدود الواضحة .. فيما بين المؤتمرون أهمية الإسلام المحمدي الأصيل و قيمه السمحاء و بين الإسلام التكفيري الوهابي و إبراز الأخطار الكبيرة التي تنطوي عليها مثل هذه الإتجاهات التكفيرية المتحجرة سواء على الإسلام أو المسلمين أو العالم أجمع “، و هنا نلاحظ خطورة هذا الإعلان، و خطورة هذا التصريح، و خطورة هذا الإدعاء، و خطورة هذا التمويه ..

و في إنتقالة مقصودة و هي تثير لدينا الضحك و الأسى معا، و هي تحقق لهذا المؤتمر أهداف و غايات إضافية، أشار البيان الختامي إلى أن ” البيان حذر من محاولات المحور المناوئ للمقاومة الإسلامية بالكيان الصهيوني و أتباعه للإتيان بحكومة ذليلة ضعيف في سوريا بديلة عن حكومة بشار الأسد من أجل إيجاد كيان هش يحقق أطماعهم التوسعية في المنطقة و رغبتهم في الضغط على المقاومة في لبنان من أجل الرضوخ لمشاريع التسوية و التطبيع، حيث أكد المؤتمرون على أن حق تقرير مصير الشعب السوري و حكومته بأيدي شعب سوريا وحده، مشددين على رفض مختلف التدخلات الرامية إلى إذلال هذا الشعب أو إضعافه كما يشجب التدخلات الساعية لدعم الإرهاب بذريعة محاربته ” ..

كما يبدو أن إيران من خلال رئاستها لهذا المجلس و قيادتها لمثل هذه التوجهات، و العراق في دوره الجديد كواجهة للتطلعات و التوجهات و النشاطات و الفعاليات الإيرانية الفارسية، يبدو إنهما حاولا ضرب أكثر من عصفور بحجر هذا المؤتمر، سواء من حيث الموضوع أو التوقيت أو الأهداف أ و الحوار و المناقشات، و لا ندري لحد الآن إن كانت هناك أية ردود فعل من قبل الجهات التي وجهت إليها التهم و مجموعة الرسائل التي تضمنها البيان الختامي و محاور المؤتمر و مناقشاته، و إن كنا سنسمع ردا عليها قريبا، و أنا بإنتظار مثل هذا الرد فعلا ..

ما يجري في العراق و إيران، و إطلاق يد إيران في المنطقة، و بعلم و دراية و تشجيع غربي أمريكي خطير جدا و يهدد بعواقب وخيمة ليس على مستوى البلدين المذكورين فحسب بل المنطقة كلها، ندعو الله تعالى أن يجنبنا شرورها و أخطارها ..

لا تعليقات

اترك رد