النكبة العربية المعاصرة: ماذا ينتظر المجتمع من مثقفيه؟ ج4


 

المجتمع العربي يمر ،وربما، بأسوأ مراحل وجوده. حروب استنزاف ومؤامرات و إكراهات التقسيم، بعد عقود من السكون السياسي الإستبدادي الذي مورس من طرف أفراد وجماعات وأحزاب سياسية جمعت بين السياسة والثقافة والدين وهيمنت على الإقتصاد. تواطأ الإعلام والمثقفين في صنع هذا المناخ وساهموا في استمراره، وصار صغار المثقفين يؤيدون ويفرحون لكل إجراء تنظيمي يمنع الصراع أو المطالبة بالإصلاحات والتغيير حتى لا تتغير مواقعهم وامتيازاتهم.

الكثير من المثقفين يفضلون بروجهم العاجية بعيدا عن ضجيج الواقع وآخرون منشغلون بالكتابة عن قضايا ونظريات قديمة لا تغني ولا تساعد في التغيير ولا وجود لها على أرض الواقع. لكنهم في نفس الوقت لا يترددون في اعتبار أنفسهم دعاة التنوير ومناهضة الظلم والجهل، دون أن يعووا معنى التنوير والعمل به، وهذا ما أدى إلى قطع حبل الثقة بين المثقف وجمهوره وفشل المشروع الثقافي العام.

كما أن العديد من مثقفي اليوم هم من نخبة اليمين الصاعد المتمثلة في تقليد الحياة الغربية بكل أوجهها إلا أن عقولهم لا يزال يسكنها الجهل والإستعلاء عن الواقع وهم غير قادرين على المواجهة أو على الأقل خلق حالة من حوار المواجهة مع كل التيارات الأخرى. والكثير منهم أيضا فك عزلته بطريقته عبر الشبكة العنكبوتية ليمارس حياته بعيدا عن الواقع في مكان افتراضي أو مكان اللامكان.

تصاعد هذا التيار اليميني الملتصق بدوائر القرار والمرتبط بالسلطة والداعم لسياساتها ولبقائها، يوازيه صعود التيار الديني المحافظ الذي يسعى إلى فرض نفسه. وبين هذا وذاك ضاع وهمٍش المثقف المحايد الذي يبتعد عن السياسة ليمارس دوره بكل نزاهة. وكلا التيارين يحتقران كل المخالفين لهما في الرأي فكريا وسياسيا ويعادونهم وهو ما يشكل أزمة أخلاقية وسلوكية لدى الطرفين.

الحالة الراهنة وتوالي الهزائم والنكسات بحاجة إلى مثقف ليس منظرا إيديولوجيا يردد شعارات الساسة ولا معارضا شكليا ينصب نفسه مدافعا عن مطالب المجتمع ليقتات من اللعبة السياسية، بل عليه أن يتقن دوره في البحث والتحليل الدقيق وصياغة أفكار يمكن بلورتها إلى واقع يؤدي إلى تحسين ظروف حياة ووجود الشرائح الإجتماعية المختلفة.

المثقف جزء من المجتمع وما يحدث الآن هو انعكاس لأزمة عامة جديدة-قديمة يمر بها المجتمع لكن يجب على المثقف الحقيقي أن يتجاوزها لما يمتلكه من وعي وفكر ورؤية ثاقبة للواقع تساعده على طرح أسئلة والإجابة عليها ووضع الحلول وتنفيذها.

المثقف الحقيقي هو ذاك الراغب في إحداث التغيير الذي يراه ملائما لمجتمعه ويعمل عليه لتحقيقه، إنه صاحب مشروع ثقافي وأخلاقي يسعى من خلاله إلى تحقيق العدالة الإجتماعية لعموم الأفراد مهما اختلفت أطيافهم.

ومن وجهة نظري أرى أن الصراع الذي ينتظر المثقف العربي الملتزم سيكون داخل المجتمع المدني لا النخبة السياسية، لأن معظم التنظيمات الحزبية والسياسية فقدت مصداقيتها وانعدم مشروعها وضاعت بين متاهات الصراع من أجل الحكم والسلطة فقط وغيبت المشروع الوطني. لذلك سيجد المثقف نفسه مرغما للعودة إلى صفوف الجماهير لترتيب الصفوف والإندماج في الحياة العملية والقدرة على التنظيم ونشر الفكر والثقافة لتبدأ عملية التغيير.

إنه صلة الوصل بين السلطة والمجتمع، الذي يتحمل مسؤولية إيصال كلمة العامة للنخبة السياسية، وكذا معالجة مشاكله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لإنقاذ الوضع وتحسين الظروف المعيشية والنفسية لأفراده، وهدا ما يفترض أن يقوم به المثقف داخل مجتمعه.

والمثقف عليه أن لا يفصل بين الإلتزام الفكري و الإلتزام السياسي كما أن العديد لا يفرق بين الإلتزام السياسي والمشاركة السياسية، فالتزامه السياسي يفرض عليه متابعة العملية السياسية والعمل على جعلها تتماشى وطموحات الناس والدفاع عن حقوقهم ومطالبهم أما المشاركة السياسية فهي حين يتم استمالة المثقف للسلطة وآنذاك يكون قد تخلى عن دوره التثقيفي التنويري وانظم للنخبة الحاكمة.

يقول بيير بورديو “إن ما أدافع عنه هو إمكانية وضرورة وجود المثقف النقدي. ليس هناك ديمقراطية حقيقية من دون سلطة نقدية تواجهها. والمثقف هو في رأيي هذه السلطة النقدية.”

يتحمل المثقف على عاتقه مسؤولية تفسير سياسة الساسة للعامة بحياد، عليه أن ينتقد الوضع ويطرح البدائل الممكنة وأن لا ينزوي إلى ركن المتفرج. عليه أخذ المبادرة وأن يكون حاملا وجزءا من مشروع التغيير وليس رقما في معادلة الفوضى التي تجتاح المجتمع العربي.

“إن الكثير من المثقفين لن يذكر التاريخ الكثير من إسهاماتهم الفكرية والعلمية بقدر ما سيشهد لهم بمواقفهم الأخلاقية اتجاه مجتمعهم.”

لا تعليقات

اترك رد