يضاجعون ما ملكت أيمانهم؛ وأنتم تهجرون مضاجعكم …


 

صار من المعيب على العقول أن تضع أصابعها على عينيها لتغض النظر عن الحقيقة، وبات من المجحف ألا ننصف الحق ونفضح الباطل مهما كانت الخسارة التي سوف ننالها من بعد أن نعترف بحيادية وبعيداً عن التعصب والتدليس والتزوير في أوراق الحقيقة.

أن نصدق بأن تركيا ” الدولة العثمانية” تفعل كل ما تفعله من أجلنا ومن أجل نصرتنا هو ضرب من الغباء وألا نعترف بأن غايتها هي إعادة بسط النفوذ التركي السالف على المنطقة العربية ولكيلا نبالغ كثيراً فلنقل: أنها تريد استعادة بعض المدن التي لها فيها مصالح إقليمية واستراتيجية، وأما بخصوص إيواء اللاجئين السوريين فله شقين: الشق الإنساني وتشكر عليه وشق سياسي وغايات بعيدة المدى ولا أحد يفعل شيئاً لوجه الله في زمن لا أحد من السياسيين يعرف الله.

أن نؤمن بوجود داعش على أنهم جماعة مستقلة بذاتها وبأن لها أهداف خاصة هو سفاهة من عقولنا واستغباء من أنفسنا لأنفسنا؛ داعش دمية صنعها الغرب كبديل عن القاعدة بعد أن انتهت مهمة القاعدة، ولكن جعلوا لداعش شكلاً مختلفاً وتمت إضافة بعض الإيديولوجيات لكي لا يظهر الشبه ما بينها وما بين القاعدة. فهل يعقل أن جماعة قليلة العدد والعتاد تصول وتجول من المشرق إلى المغرب ودول عظمة مثل امريكا وروسية وبريطانية وغيرهم من الدول لا تقدر عليهم ولا تنهيهم وهم لو شاؤوا لفعلوا ذلك بلمح البصر.

أن نصدق أن الغاية من دخول الموصل من قبل جميع القوات المتواجدة؛ هو دحر داعش وطردها من المنطقة هو عار على خلايا العقول الواعية حين تقبل مثل هذا الكلام . والكل يعرف بأن الغاية ليست تحرير الموصل بل هي تهجير أهل الموصل وتشرديهم وإخلاء المنطقة وجعلها تحت سيطرة إيران وبسط السيطرة الفارسية – التركية- الإسرائيلية. داعش ليست بالحجم الذي يستدعي تدخل كل تلك القوات المختلفة، لكن الأمر أكبر من طرد داعش والكثير يهتف ويصفق ويشيح بصره عن المخطط الكبير الذي يُحاك في الموصل. فما يحدث في الموصل وسامراء من انتهاكات وتطرف وتعذيب للمدنيين لا يدل على صدق النوايا وصدق ما يروجون له عن تحرير الموصل من ” الدواعش” وهم لا يتجاوزون 5000 مهووس والقوات التي تحاربهم 120,000 ما عدا قوات التحالف؛ بالله عليكم كيف أنتم تحكمون؟

تركيا كغيرها من الدول الاستعمارية السابقة لها مصالح في الموصل وهي لا تهدد ولا تتوعد من أجل سواد عيون أهل الموصل، وايران لا ترسل من طرفها القوات التي تحارب هناك محبة بأهل العراق.
وامريكا كذلك لها مخططات مشتركة مع إسرائيل في الموصل وسامراء وهي لا تطلق طلقة واحدة مجاناً من أجل كرامة العراق!

حين اشتد الموت في حلب ولم يعد بإمكانهم إزاحة عيون العالم عن بشاعة القتل والدمار الذي لحق بحلب وأهلها اخترعوا قصة طرد داعش من الموصل واختلقوا الخلاف التركي العراقي من أجل صرف الأنظار عن حلب وإتاحة المجال لروسية في احتلال ما تبقي من حلب وهذا كله تم باتفاق روسي امريكي ومباركة إيرانية والتنفيذ عربي ساذج، وكل مرة يكتبون لنا سيناريو جديد لمنطقة جديدة فننسى مسلسل الموت السابق وننشغل بحلقات مسلسل القتل الجديد. بلادنا أصبحت محتلة احتلالاً مباشراً من روسيا وأمريكا وإيران وتركيا بدأت تشعر بالضجر وصارت تتحرك هي الأخرى.

كل يوم بل وكل لحظة نرى على شاشات التلفاز آلاف القتلى والجرحى في سوريا والعراق واليمن لكننا لم نر يوماً جثة واحدة من داعش ولم نلمح حتى الآن أي مقطع يثبت اندحار داعش؛ هل موتانا أرخص من موتاهم أم أنهم مخلوقات غير مرئية لا يمكن للكاميرات التقاط صورهم؟
أليس من العيب علينا وعلى لحانا وشواربنا الكثيفة أن نصدق ما يدعون وما يقولون عن داعش وما تفعله داعش؟ أليس من المخجل أن نمشي وراءهم ونصفق لهؤلاء المرتزقة الذين باعوا أوطاننا وباعوا تاريخنا وتراثنا وحضاراتنا؟

حرام علينا أن نترك العراق يضيع أكثر مما ضاع ويحترق أكثر مما احترق، من المؤلم أننا حتى هذه اللحظة ما نزال نتقاتل من أجل قصص التاريخ العتيقة وعلى أشياء انقرضت وأصحابها تفسخت جثثهم ونحن نقتل بعضنا على الهوية وعلى الاسم!!

يكفي استصغاراً لعقولنا ويكفي استخفافاً بنا من الدول الاستعمارية والإمبراطوريات التي تحاول استعادة مجدها السالف على حسابنا ومن دمنا ولحمنا ، يكفي ونحن نعطي وجوهنا ليصفعوها ويدوسون فوق التعليم الذي تلقيناه لسنوات طويلة من الشقاء والجوع .

الصهاينة يتآمرون علينا وحكامنا يسلبون منا حقوقنا لقد جعلوا منا عرضة للسخرية والاستهزاء ولم يعد العالم الآخر يحترم منا أحد. شعوبنا مشردة واطفالنا يتسولون في شوارع اللجوء، واخلاقنا أصبحت في الحضيض وكثرت الدعارة وبيوت البغاء ولم يعد بمقدورنا أن ننكر هذا، ولو أن فينا النخوة والشهامة علينا أن نصحو من جهلنا وأن نتوحد على اختلاف مذاهبنا وادياننا. أن ننتهي من النزعة الطائفية التي تسكننا وتعيش في عقولنا رغم تعلمنا وشهاداتنا العالية.

انظروا إلى حالكم كشعب إلى أين وصلتم من فقر وجوع وتشرد وانظروا إلى من يمثلكم من قادة سياسيين وزعماء الدين، تأمل كيف حالهم يعيشون- في قصور وفي رغد ونعيم- ثيابهم من حرير وثيابكم ممزقة، هم يخطبون بكم خطباً عصماء يشعلون بها الفتن ومن ثم يذهبون إلى مخادعهم ليضاجعوا ما ملكت أيمانهم من الجواري والسبايا؛ وأنتم تهجرون مضاجعكم ونساؤكم من شدة التعب والقهر.
تركيا تريد احتلالنا وروسية تريد السيطرة وايران وصلت إلى أكثر من منتصف الطريق من مخططها الفارسي، وامريكا أصبحت السمسار الأكبر ما بين الأطراف وإسرائيل لم يعد لديها أي مخاوف من العرب بعد أن تمزقت الدول العربية وباتت مهترئة.

فاصحو من غفلتكم واتركوا تعصبكم ولا تظلوا مجرد أدوات يحركونها كيفما شاءوا. من المعيب علينا أن نتركهم يسخرون منا إلى هذا الحد. كلنا أخوة وإن اختلفت مذاهبنا واعتقاداتنا يجمعنا رغيف الخبز وعشرة العمر وتربطنا صلة قرابة قوية هي الإنسانية والوطن الذي تقاسمنا به الفرح والحزن. متى نصحو من الغفلة التي طالت كثيراً متى نخلع عن عقولنا ثوب التعصب والجهل وننتهي من حماقاتنا الكبيرة لنفتح أعيننا ونبصر الحقيقة ؛ ندري بأن الحقيقة موجعة…!!

المقال السابقإيران و تركيا و العرب
المقال التالىSeigo Tono
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد