إيران و تركيا و العرب


 

أظن أن من المبالغة الإعتقاد بأن الحرب الباردة بين القطبين الكبيرين الإتحاد السوفييتي و الولايات المتحدة الأمريكية انتهت بانهيارالإتحاد السوفييتي ، لكنها تحولت من شكل لآخر . روسيا التي كانت تقود الإتحاد السوفييتي و حلف وارشو كانت تنوء تحت العبء الكبير لجمهوريات الاتحاد الذي كان يعيق حركتها و الآن تحررت من هذا العبء و بقيت بكامل قوتها نداً مكافئا للولايات المتحدة . المرحلة السابقة كانت تنطوي على احتمالات اكبر لاندلاع حرب كونية ( ساخنة ) مباشرة بين الدولتين العظميين و كان احتمال الضغط على الزر الأحمر في موسكو او واشنطن وارداً في أية لحظة ، الآن احتمالات قيام هذه الحرب أضحت بإنابة خيط طويل من دول تابعة مشتركة فيها بكل امكانياتها المادية و البشرية لتثبيت مصالح هتين الدولتين وهذا ما يجري هذه الأيام حيث تسير منطقة الشرق الأوسط قدما نحو حرب كونية تكون هي لوحدها وقودها أما روسيا و الولايات المتحدة فهما في مأمن منها تجنيان أرباح هذه الحرب بلا خسائر ضمن توافقات و تفاهمات تستوعب تجارب الحروب الكونية السابقة و تجنب هتين القوتين ويلاتها

و مع اضمحلال دور محاور أخرى كان يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تجنيب العالم و منه منطقة الشرق الأوسط مثل هذه الكوارث لو أنها طورت صيغتها بشكل جدي و صحيح كحركة عدم الإنحياز و منظمة الؤتمر الإسلامي و جامعة الدول العربية و غيرها ، الضعيفة أصلاً و المشبوهة أحياناً تبرز الحاجة لصرخة لا نعتقد أنها ستسمع أحداً لكن لابد من تنشيطها لعلها تسمع بعض الصم من قادة المنطقة و هي أن احداً من دول المنطقة لم يجن شيئاً من تحالفاته السابقة لا مع الولايات المتحدة و لا مع الإتحاد السوفييتي السابق فما الذي يجعله واثقاً أنه سيجني شيئاً من تحالفات جديدة ؟ ماذا جنت السعودية ودول الخليج العربي و إيران الشاه من تحالفها مع الولايات المتحدة و ماذا جنت مصر و العراق و اليمن ( الديمقراطي ، أيام شطري اليمن ) و غيرها من دول المنطقة و العالم من تحالفاتها مع الإتحاد السوفييتي و ماذا جنوا من معاهدات الدفاع المشترك غير أن يكونوا حليفاً صغيراً و جيباً كبيراً لتمويل مغامرات الدولتين العظميين .. فما الذي يجبرنا و قد خبرنا تاريخ هتين الدولتين ان نعيد التجارب الفاشلة لتحالفات لم نجن منها غير الخيبة و الخذلان ؟

إيران و تركيا و العرب لو انهم يلعبونها صح كما يقال !

لو ان البعض يستوعب هذه الدروس ! لو انهم يفهموا أن لا غالب إلا هذين الأرعنين في نهاية كل حروب الكون القادمة حتى يرث الله الأرض و من عليها جاء أوباما ام حضرت كلنتون ، ذهب يلتسين ام عاد بوتين . لو أنهم يستحضرون إمكانياتهم و ثقتهم بشعوبهم و بقدرات هذه الشعوب . لو أن أحلام البعض بإمبراطورية أممية مذهبية أو دينية أياً كانت صفتها تتلاشى أمام حقيقة أن هذه الأوهام لن تتحقق أبداً لتعارضها مع مصالح الدول العظمى و لن ينجو أحد من محرقة الحروب الطائفية و لن يخسر أحد غير من يخوضها …. إذن لأمكن لهم أن يكوّنوا حلفاً قوياً و نداً كفوءً يجبر الآخرين على احترامه و أن يحسبوا له ألف حساب و أن يحفظ دماء و ثروات شعوب المنطقة .

كنا نخوض هذا المخاض أيام أردنا لأمة العرب أن تستعيد دورها الإنساني و الحضاري بين الامم و كان بإمكانها على الأقل أن تحافظ على كيان و هوية تؤهلها لشغل مقعد في نادي الأمم المتقدمة و هي تمتلك مقوماتها و رضينا بأقل من ذلك ، أن يكون بين دولها على امتداد رقعتها تكامل اقتصادي يكون ركيزة لنهضة شاملة على غرار السوق الاوربية التي تحولت الى اتحاد أوربي ، ووحدت عملتها و علمها و هي فكرة عربية سبقت حتى نشوء الاتحاد الأوربي أيام كنا نحلم بدينارعربي و علم عربي محمي بسواعد أبنائه لا بالقواعد العسكرية الأجنبية لكن حب الزعامات و الخلافات الجزئية الفارغة بين قادتها أطاح بأحلام الأمة .. اليوم و بمساعدة المخترَع الجديد الفتاك ( الإرهاب ) تعود الدولتان العظميان بصيغة اخرى لتُدخل المنطقة في أتون حرب تحرق الجميع الا روسيا و الولايات المتحدة ، على العرب الذين أصبحو ألعوبة بيد الآخرين بعد أن فرطوا بشبابهم و ثرواتهم وعلى تركيا التي نجت بإعجوبة من محاولة إنقلابية كادت تعصف بكل الإنجازات التي حققتها في كثير من المجالات و على إيران التي شهدت كيف سُحب البساط من تحت أقدام الشاه و امبراطوريته و كان ضابط الشرطة المدلل للولايات المتحدة في المنطقة أن يستوعبوا أن لا الولايات المتحدة ولا روسيا تأبه لأحد مهما طال ركوعه أمامهم و أن لا ينخدعوا بطُعم يقدمه هذا القطب أو ذاك فقوانين اللعبة الجديدة خلقت أجواء جديدة للتفاهم بين القطبين الكبيرين على حسابهم و أن لا أمل لهم بالمستقبل إلا بحلف يجمعهم بعيداً عن هذين القطبين ، حلف يتجاوز أحلام العصافير و أوهام الأمبراطوريات إلى قبول الآخر و قبول الآخر به و أن مصالحهم المشتركة لا الأطماع هي من ينظف المنطقة من الإرهاب و يفتح الباب واسعاً أمام مستقبل شعوبهم ، فشعوب المنطقة قادرة لوحدها على هزيمة الإرهاب بدون الحاجة لقوات تحالف لا يشك أحد بضلوعها بدعمه وبدون الحاجة لرهن مستقبل أجيالها لهذه القوى التي خبرناها و جربناها لعقود طويلة خلت
لو يفهم من سيبقى واقفاً على قدميه في نهاية آخر الحروب أنه ليس الا الحجر الأخير الساقط من احجار الدومينو . لو يفهموا أن من الغباء أن يعتقد البعض من دول المنطقة أنه سيضحك اخيراً فالضحك جائزة محجوزة لهتين الدولتين في نهاية المطاف أما نحن فليست لنا جوائز غير شيء من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الثمرات .
لو !

1 تعليقك

  1. الاستاذ عماد عباس واشطبوا اسمائكم … طرح تحليل رائع كعادتك فقد ذكرتني بقول او هو جواب لسؤال طرحته على استاذي الكبير محمد حسن الوادي عندما سالته :
    – ماذا يحدث يا استاذي وهل العراق اليوم في اتعس ايامه منذ الاف السنين !
    – يابني هذا البلد هو عبارة عن ملعب كرة قدم بين الصفوين والعثمانين منذ قرون وسيظل كذلك مادمنا نفكر بنفس الطريقة.
    وبالفعل يا استاذ عماد سنبقى هكذا مادمنا نفكر سلبيا بالطريقة التي اشرت اليها وتم خلق جيل يكره الدعوة لامة العرب وكانه يقول ” ردائي اعجمي وافتخر ”

    تحيتي

اترك رد