موسم الهجرة إلى الشمال .. من أروع الأعمال الأدبية في القرنين التاسع عشر والعشرين

 

اختارت المجلة الفرنسية “لونوفيل أوبسرفاتور”(Le Nouvel Observateur) في أحد أعدادها الخاصة مجموعة من النصوص الكبرى التي تعتبر من أروع الأعمال الأدبية في القرنين التاسع عشر والعشرين. وهي أعمال أثرت في عدد كبير من الكتاب، وكانت ملهمة لعدد من الشباب، وما زالت لحد الآن تبسط تأثيرها وسحرها الأدبي.

وقد اختارت المجلة رواية(موسم الهجرة إلى الشمال) للروائي السوداني الطيب صالح، وهي الرواية للعربي الوحيد الذي تم انتقاؤها إلى جانب 45 رواية عالمية مهمة مثل رواية “الغريب” (L’Étranger) للروائي الفرنسي “ألبير كامو” (Albert Camus) (1913- 1960) صدرت عام 1942. ورواية “الأب غوريو(le père Goriot) للكاتب الفرنسي الشهير “أونوريه دي بلزاك” (Honoré de Balzac) (1799 – 1850)، صدرت عام 1835، ورواية “1984” للكاتب البريطاني “جورج أورويل” (George Orwell) (1903 – 1950) التي صدرت عام 1949، ورواية لوليتا (Lolita) للكاتب الروسي الأمريكي “فلاديمير نابوكوف” (vladimir nabokov) (1899 – 1977) صدرت عام 1955، ورواية “الجبل السحري” (Der Zauberberg) للكاتب الألماني توماس مان (Thomas Mann) (1875 – 1955) صدرت عام 1924. وغيرها من الأعمال التي تعتبر من تحف الأدب العالمي.

وقد كتب عنه في نفس المجلة الكاتب المغربي “الطاهر بنجلون” نصا بعنوان (موسم الهجرة إلى الشمال.. رحلة البحث والامتلاك) « لأن الفرد بصفته كينونة متفردة واستثنائية لا يلاقي الاعتراف داخل المجتمع العربي، فذلك أدى إلى عدم وجود تقاليد روائية كبيرة في الأدب العربي. أول رواية تم نشرها (عرضت في شكل حلقات في البداية في إحدى الصحف المصرية) كانت تحمل عنوان “زينب” وكتبها هيكل محمد حسين. ويظل الشعر يحظى بمكانة أرفع مقارنة بباقي الأصناف الأدبية الأخرى.
ولهذا السبب نحس بأن الطيب صالح يميل بشكل أكبر نحو الكتابة الشعرية بدل الكتابة الروائية. لكن ذلك لا يهم في شيء. فسرده يطبعه بهاء طبيعي يرافقه حس في التندر يكتسبه فقط في الأشخاص الذين خبروا مخاض الاغتراب والعيش بعيدا عن الديار. هذا المواطن السوداني أصبح كاتبا بسبب حكمة القدر. كان في إمكانه الاكتفاء بعيش حياة هادئة داخل القرية التي رأى فيها النور أول يوم، بدون طرح أية أسئلة. لكن الطيب صالح لم يمسك بتلابيب اليقين. إنه رجل شكك فيما حوله ووجد أن الشرط الإنساني في حالة يرثى لها. ولذلك فضل الابتعاد والدراسة ومطالعة الكثير من الكتب، وعيش تجارب عديدة في بلد المستعمر السابق. إنه ليس ثائرا عاديا، إنه شاعر اختار سرد حكاية جيل كامل من المثقفين الشباب العرب الغاضبين. روايته(موسم الهجرة إلى الشمال) التي نشرت عام 1969، شكلت حدثا استثنائيا، ليس فحسب بسبب الموضوع الذي تم التطرق إليه، ولكن بفضل طريقة الكتابة والهندسة الداخلية للمتن الحكائي “(1).

الطيب صالح
اسمه الكامل الطيب محمد صالح أحمد، وهو أحد أشهر الأدباء العرب أطلق عليه النقاد لقب (عبقري الرواية العربية)، ولد عام 1929 بقرية “كرمكول” بالقرب من قرية دبة الفقراء في منطقة مروي بالولاية الشمالية وينتسب لقبيلة الركابية والتي قضى فيها مرحلة طفولته، انتقل في شبابه إلى العاصمة الخرطوم من أجل إكمال دراسته. حصل من جامعتها على درجة البكالوريوس في العلوم. ثم سافر إلى بريطانيا لمواصلة دراساته العليا، حيث قام بتغيير تخصصه إلى دراسة الشؤون الدولية.

مارس التدريس ثم عمل لسنوات طويلة في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC)، وترقى فيها حتى وصل إلى منصب مدير قسم الدراما، كما كتب الطيب صالح خلال عشرة أعوام عموداً أسبوعياً في صحيفة لندنية تصدر بالعربية تحت اسم “المجلة”. واستقال وعاد إلى السودان عمل لفترة في الإذاعة السودانية، ليهاجر إلى دولة قطر وعمل في وزارة الإعلام القطرية وكيلاً ومشرفاً على أجهزة الإعلام. بعد ذلك مديراً إقليمياً لمنظمة (اليونسكو) في باريس، وعمل ممثلاً لهذه المنظمة في الخليج العربي (1984 – 1989). وهذا التنقل عبر مهن مختلفة وفي بلدان عديدة، ومعايشته لتجارب الآخرين أكسبه خبرة وإطلاعا واسعين. فكانت سيرة حياته أكبر حافز لاستلهام أحداث وشخصيات في كتابته الروائية. إلى أن توفي في إحدى مستشفيات العاصمة البريطانية لندن التي أقام فيها في ليلة الأربعاء 18 شباط/فبراير 2009.

أصدر الطيب صالح العديد المجموعات القصصية القصيرة، وعدة روايات ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة، ومنها:
– رواية “عرس الزين” حولت إلى دراما في ليبيا ولفيلم سينمائي من إخراج المخرج الكويتي “خالد صديق” في أواخر السبعينيات.
– رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” وهي من أفضل مائة رواية في العالم.
– ” بندر شاه ضو البيت ” وهي أحدوثة عن كون الأب ضحية لأبيه وابنه.
– ” بندر شاه مريود”.
– رواية”دومة ود حامد” ويتناول فيها مشكلة الفقر، واستغلال الإقطاعيين الذين لا يهمهم سوى زيادة أموالهم دون رحمة.
– رواية “منسى(إنسان نادر على طريقته)”. (عبارة عن سيرة روائية أو رواية السيرة الذاتية خلد فيه الطيب صالح صديقه (منسي) بسرد قصة حياته على شكل رواية. يحكي قصة منسي المسيحي, الذي أسلم فيما بعد, والفقير الذي أصبح مليونيراً فيما بعد, و الذي تزوج حفيدة السير توماس مور مؤلف رواية يوتوبيا, الذي تصادق مع ساموئيل بكيت, والذي تحدث مع ملكة بريطانيا ودخل قصرها بلا بطاقة دعوة).
ويعتبره النقاد أن الطيب صالح كان يستحق نيل جائزة نوبل للآداب، لكونه لم يكتب عن الرواية السودانية فقط، وإنما كتب بلغة أدبية عميقة عالمية نالت إعجاب العرب والغرب.
وتقديرا للدور الكبير الذي قام به الطيب صالح في الثقافة العربية، تم في عام 2011 الإعلان عن جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي، وتشمل مجالات الرواية، والقصة القصيرة، والنقد، وهي متاحة لكل الجنسيات، شريطةَ أن تكون المادة مكتوبةً باللغة العربية الفُصحى وتبلغ قيمتها 200 ألف دولار أمريكي تُرصدُ للجائزة والفعاليات المصاحبة.

رواية “موسم الهجرة إلى الشمال”
تعتبر رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” من أفضل مائة رواية في العالم. نشرت في البداية في مجلة حوار (ع 5-6, من ص 5 إلى ص87) في أيلول/سبتمبر عام 1966، ثم نشرت بعد ذلك في كتاب مستقل عن دار العودة في بيروت فنالت استحسانا ولاقت رواجا عربيا ودوليا كبيرا جعلت صاحبها من الأدباء العالميين الكبار فتم تتويجه “عبقري الأدب العربي”، وحصلت على العديد من الجوائز. وفي عام 2001 تم الاعتراف بها من قبل الأكاديمية العربية في دمشق على أنها الرواية العربية الأفضل في القرن العشرين. وحولت إلى فيلم سينمائي. كما اعتمد تدريسها في بعض الجامعات العربية، كما مُنعت من دخول بعض الدول العربية لاحتوائها على بعض الإيحاءات الجنسية. وترجمت إلى كثير من اللغات الأجنبية كاللغة الروسية بواسطة فلاديمير شاجال، وإلى اللغة الانجليزية باسم (Season of Migration to the North) بواسطة دينيس جونسون ديفس،«لكن ترجمة دينيس الرائعة لرواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) تبقى أعظم ترجماته. ومما لا شكّ فيه أن هذه الرواية تستحق أن تتبوّأ مكانتها الثمينة في الأدب العربي. لكن هل كان من الممكن أن تصل إلى مصاف عمل كلاسيكي عالمي لو ترجمها مترجم أقل قدرة وموهبة من دينيس؟ بالتأكيد لا. فقد ساهم دينيس في تقديم أكثر من مجرد نص للقارئ الإنكليزي يمكنه الاستمتاع به…
وكان لروعة ترجمته “موسم الهجرة إلى الشمال” للروائي الطيب صالح إلى اللغة الانجليزية الفضل في أن تحظى هذه الرواية بشهرة عالمية. ولا أزال أعتبر هذا العمل أفضل وأجمل مساهمة عربية في التراث العالمي لجنس الرواية حتى الآن، وهو رأي يعززه قيام دار (بنغوين) للأعمال الكلاسيكية العالمية بنشرها منذ سنوات قليلة» (2).

ملخص الرواية:
يعود الراوي (طالب سوداني) من لندن بعد إكمال دراسته التي استغرقت سبع سنوات إلى بلدته في السودان، فترحب به أسرته وأهل القرية، من بينهم (مصطفى سعيد الذي يثير فضوله) وعند الإستفسار عنه يخبره الجميع أنه رجل من الخرطوم جاء إلى القرية منذ خمس سنوات، واشترى أرضاً يشتغل بها، وهو متزوج من إحدى بنات القرية وله طفلين, والكل يشهد على أنه إنسان صالح و طيب، لكن هذا لا يشفي غليل الراوي خصوصا بعدما دُعي ذات ليلة إلى مجلس شراب في بيت صديق طفولته، وكان مصطفى سعيد حاضرا أيضا، وبعد أن شربوا قليلاً، بدأ مصطفى سعيد يردد منتشيا شعراً إنكليزياً بفصاحة، ويصف الراوي:»أقول لكم، لو أن عفريتا انشقت عنه الأرض فجأة، ووقف أمامي، عيناه تقدحان اللهب، لما ذعرت أكثر مما ذعرت. وخامرني، بغته شعور فظيع، شيء مثل الكابوس، كأننا نحن الرجال المجتمعين في تلك الغرفة لم نكن حقيقة، إنما وهما من الأوهام(3)«. مما أثار غضب الراوي الذي عزم على أن يعرف سر غموض ذلك الرجل، وفي اليوم التالي دعاه مصطفى سعيد ليخبره بقصة حياته السرية التي لا يعرفها أهل القرية، »وأخيرا بدأ مصطفى يتحدث، ورأيت الطيف الساحر حول عينيه أوضح من أي وقت رأيته فيه. شيء محسوس، كأنه لمع البرق«، والتي تبدأ منذ طفولته باليتم، وباحساسه أنه كان مختلفا عن الباقي»كنت أقرأ وأنام، أخرج وأدخل، ألعب خارج البيت، أتسكع في الشوارع ليس ثمة أحد يأمرني أو ينهاني… إلا أنني منذ صغري، كنت أحس بأنني.. أنني إنسان مختلف، أقصد أنني لست كبقية الأطفال في سني، لا أتأثر بشيء، لا أبكي إذا ضربت، لا أفرح إذا أثنى علي المدرس في الفصل، لا أتألم لما يتألم له الباقون، كنت مثل شيء مكور من المطاط تلقيه في الماء فلا يبتل، ترميه على الأرض فيقفز«. ثم رحلته، إبان الاحتلال الإنجليزي للسودان، من الجنوب صوب الغرب لمواصلة تعليمه العالي، وحصوله على إجازة الدكتوراه في الاقتصاد، بعد ذلك يلتحق كمحاضر في إحدى الجامعات البريطانية. فتأثر بالحضارة الغربية وتعايش مع المجتمع الإنجليزي.
هذا القادم من بلد عربي إفريقي متخلف وفقير كالسودان حيث الأساطير الشرقية، وبعيد كل البعد عن مظاهر الرفاهية والحضارة الأوروبية، مجتمع يختلف تماما عن مجتمعه، ومختلف في عاداته وتقاليده، سرعان ما تأقلم فيه، وتكيف مع انفتاحه المبهر، فاشتهر بمغامراته النسائية، واستطاع بحكاياته عن عوالم المشرق المدهشة أن يسحر النساء بكل جاذبية ويجلبهن إلى غرفة نومه فيتنشقن البخور وعطور الشرق ، وتزوج بعضهن منتحلا أسماء مزيفة، فانتحرت بسببه ثلاث فتيات بريطانيات، إلا واحدة تسمى (جين موريس) لم تلن بسهولة أمام سحره، حيث تجاهلته في المرة الأولى التي التقيا فيها، وفي الثانية قالت له:» أنت بشع. لم أر في حياتي وجها بشعا كوجهك. وفتحت فمي لأتكلم، لكنها ذهبت. وحلفت في تلك اللحظة، وأنا سكران أنني سأتقاضاها الثمن في يوم من الايام«.
فطاردها لمدة ثلاث سنوات، إلى أن ملت من مطاردته فتزوجته، لكنها رفضت تسلط الرجل المشرقي، فعملت على تحطيم كبريائه ليقتلها في الأخير، »وحملني القطار محطة فكتوريا وإلى عالم جين مورس. كل شيء حدث قبل لقائي إياها كان إرهاصا. وكل شيء فعلته بعد أن قتلتها كان اعتذارا، لا لقتلها، بل لأكذوبة حياتي«، وفي النهاية يعود إلى موطنه شمال السودان في قرية نائية، بعد أن قضى سبع سنوات في السجن، وانتهت حياته غرقاً في النيل بظروف غامضة، لم تعرف أسبابها بعد إعادته إلى موطنه في السودان.

تعالج الرواية في مضمونها مسألة العلاقة بين الشرق والغرب، وتتناول تلاقح الثقافات وتفاعلها، ونظرة كل من الغربي والمشرقي لبعضهما البعض. وعندما أصدر الطيب صالح روايته عام 1966 «لم يكن يتراءى له أنه سيسبق صمويل هنتنغتون في نظرية(صدام الحضارات)، فالرواية كانت سباقة فعلا إلى رسم حال هذا الصراع عبر بطلها مصطفى سعيد وموقفه، وهو ابن العالم الثالث، من الغرب المتقدم. وكان صالح أشد جرأة من الروائيين الذين كتبوا في هذا الحقل قبله، ومنهم توفيق الحكيم في “عصفور من الشرق”، وسهيل إدريس في “الحي اللاتيني”. فالبطل السوداني كان يدرك في الرواية أن الغرب لم يحمل إلى الشرق حضارته فقط بل الاستعمار أيضا. أما حنينه إلى الشمال فبدا فيه من الحقد والضغينة مقدار ما فيه من الحب والتسامح»(4).
إذا كان أغلب الأبطال في الروايات العربية الذين يهاجرون إلى الغرب من أجل التحصيل العلمي والحصول على شهادات عليا، أن ينبهروا بهذا العالم المتحرر، ويضربون به المثل في الديمقراطية والحرية والمساواة، وعند عودتهم لبلادهم يعودون على مضض حاملين في دواخلهم احتقارا لمجتمعهم، فالبطل في (موسم الهجرة إلى الشمال) يعود محملا بالشوق واللهفة«المهم أنني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل، سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقة قائماً بينهم، فرحوا بي وضجوا حولي، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس، ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زماناً في بلاد (تموت من البرد حيتانها). تعودت أذناي أصواتهم، وألفت عيناي أشكالهم من كثيرة ما فكرت فيهم في الغيبة، قام بيني وبينهم شيء مثل الضباب، أول وهلة رأيتهم. لكن الضباب راح».

وإذا كان البطل في روايات أخرى بعد استقراره في المهجر يهيم بحب فتاة شقراء تنتقل للعيش معه في بيته، وتحت سحر جمالها يترك لها نفسه فتغير نمط حياته بدءا من أثاث البيت واللبس والمأكل والشراب، وتأخذه إلى عوالم الحضارة الغربية التي ينبهر بها، فالبطل مصطفى سعيد في (موسم الهجرة إلى الشمال) يضفي على بيته نفحات مشرقية تمثلت في تأثيثه بالأكاذيب كذبة كذبة »وفي لندن أدخلتها بيتي، وكر الأكاذيب الفادحة، التي بنيتها عن عمد، أكذوبة أكذوبة. الصندل والند وريش النعام وتماثيل العاج والأبنوس والصور والرسوم لغابات النخل على شطآن النيل، وقوارب على صفحة الماء أشرعتها كأجنحة الحمام، وشموس تغرب على جبال البحر الأحمر، وقوافل من الجمال تخب السير على كثبان الرمل على حدود اليمن، أشجار التبلدي في كردفان، وفتيات عاريات من قبائل الزاندي والنوير والشلك، حقول الموز والبن في خط الإستواء، والمعابد القديمة في منطقة النوبة، الكتب العربية المزخرفة لأغلفة مكتوبة بالخط الكوفي المنمق السجاجيد العجمية والستائر الوردية، والمرايا الكبيرة على الجدران، والأضواء الملونة في الأركان«(5). وعوض أن تكون غرفة مصطفى مكانا للذة والاستمتاع بالحياة وبالشهوة الجنسية غدت»فضاء للموت والانتقام والثأر، كمجاز شيطاني لتعارض الآفاق«(6).

يتميز أسلوب الطيب صالح في “موسم هجرة إلى الشمال” بالوصف الدقيق للأماكن في السودان، وعاداته ومختلف تقاليده، كما نجد أن تعدد فضاءات الرواية واختلافها تمتزج في دوامة زمن تنقل القارئ من مرحلة إلى أخرى بكل سلاسة ويسر. في حين يتميز الحوار في الرواية بدقة التعبير والواقعية.
كما ضمن روايته بإيحاءات جنسية. وطرق بأسلوبه »موضوع الجسد وكيفية التعامل معه واستعان بالمجاز ليس كبقية الرواة الذين يتناولون الغواية والشهوة والشغف برسم إطار لصورة تبعث التطلع لمعرفة المزيد في تصاعد قصصي يصل الذروة ويحكي المتوقع سلفا لدى القارئ، وإنما تناول موضوع عام كان يتم تناوله في فترة الرواية بشكل سري وهو ذاكرة الأنثى وما تحتفظ به من معالم عن الحياة الزوجية «(7)، وهو لم يتناول الجنس من منظور الإثارة ودغدغة الشهوة بقدر ما حاول أن يثيره كمشكلة إجتماعية تؤرق الأفراد في حياتهم الزوجية.

كان أول مقال كتب عن الرواية هو للناقد والأديب المصري رجاء النقاش، والذي نشره بمجلة (المصور) المصرية عام 1966(أي قبل أن تنشر في كتاب) تحت عنوان: (الطيب الصالح … عبقرية روائية جديدة)، والجدير بالذكر أن النقاش عند كتابته لهذا المقال لم يكن قد سمع باسم الطيب صالح من قبل. وقبل أن يتعرض لمناقشة الرواية يشير إلى ملاحظة أولية تتجلى في احتوائها على عنف » ليس موجوداً في الروايات السابقة التي تناولت نفس الموضوع ، فمشكلة الشرق والغرب كما ظهرت في الروايات السابقة لا ترتبط بتجربة مريرة مثل تلك التي يعبر عنها الطيب صالح ، ذلك أن الشرقي عند هذا الفنان الشاب هو شرقي إفريقي ” أسود اللون ” ومشكلة البشرة السوداء هذه تعطي للتجربة الإنسانية عمقاً وعنفاً ، بل وتمزجها بنوع خاص من المرارة«، وذلك أن الكتاب الذين تطرقوا في رواياتهم عن مشكلة الصراع بين الشرق والغرب كانوا، حسب النقاش، من آسيا وشمال إفريقيا، ولذلك فمشكلة اللون الأسود لم تكن حاضرة بقوة في أعمالهم » ولكن ها هو الطيب صالح يصور هذه المشكلة ويعبَّر عنها من خلال إنسان إفريقي ذي بشرة سوداء ، يذهب إلى لندن ويصطدم بالحضارة الغربية اصطداماً عنيفاً مدوياً من نوع غريب . وعنصر اللون هنا له أهميته الكبرى ، فالبشرة السوداء أكثر من غيرها هي التي انصب عليها غضب الغربيين وحقدهم المرير ، وهي التي تفنن الغرب في تجريحها إنسانياً قبل أن يكون هذا التجريح سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً . إن الإنسان الأسود قد عاش قروناً من التعذيب والإهانة على يد الغرب ، وتركت هذه القرون في النفس الإفريقية جروحاً لا تندمل بسهولة . ومن هنا كانت حرارة المأساة كما رسمها الطيب صالح في روايته الفذة . إنه يصوّر صدام أقدار متضادة إلى أقصى حدود التضاد . فمصطفى سعيد بطل الرواية ، لا ينتقل من السيدة زينب إلى لندن ، أو من السيدة إلى باريس ، أو من بيروت إلى باريس ، كما تجد في الروايات العربية التي صورت نفس المشكلة . إن هذا البطل الروائي الجديد ينتقل من قلب إفريقيا السوداء إلى لندن . والحوادث الرئيسية في الرواية تجري في أوائل هذا القرن حيث كانت إفريقيا تغوص في ظلم وظلام لا حد لهما«، ويضيف النقاش في مقاله على ان هذا لايعني أن الرواية ركزت بقوة على مشكلة اللون،»على العكس تماماً نجد أن الطيب صالح يمس هذه المشكلة برقة وخفة ورشاقة ، وهو يمسها من بعيد جداً ، حتى لا نكاد نلتقي بها إلا بين السطور . ولكن هذا العنصر اللوني مع ذلك يفسر لنا عنف الرواية وحدتها بصورة لا تجدها في أي رواية عربية أخرى عالجـت نفس الموضوع
.. إن الجرح الإنساني الذي ينزف في هذه الرواية العظيمة هو اكثر عمقاً من أي جرح آخر … إنه جرح الإنسان الإفريقي الأسود«.

 

 

الهامش _________________
1- ترجمة: محمد حمامة عن مجلة” لونوفيل أوبسرفاتور”- نشر بالملحق الثقافي لجريدة”المساء” المغربية عدد 2079 بتاريخ 31/05/2013.
2- دينيس جونسون ديفيز: حياة في الترجمة! ‘بانيبال’ تحتفي بشيخ مترجمي الأدب العربي إلى الانكليزية- روجر ألين- ترجمة: خالد الجبيلي- القدس العربي عدد 7074 بتاريخ 13/03/2012).
3-(الطيب صالح”موسم الهجرة إلى الشمال” دار العودة، بيروت، 1981، الطبعة 13).
4- عبده وازن- دبي الثقافية، عدد99-أغسطس 2013- ص 97.
5- الطيب صالح”موسم الهجرة إلى الشمال” دار العودة، بيروت، 1981، الطبعة 13 ص: 5).
6- (تمثيل الآخر فـي رواية «روائح ماري كلير» محمد بوعزة- مجلة نزوى –عدد 75- تاريخ 17/07/2013).
7- الدلالات الخفية للحياة الإنسانية في رواية ‘موسم الهجرة الى الشمال’ – علي ابايزيد- القدس العربي عدد 7395- 28/03/2013).

لا تعليقات

اترك رد