خمسة أيام برفقة أدونيس.. الجزء الثاني


 
الصدى - حوار مع ادونيس

يمضي الوقت مع المبدعين والمفكرين الكبار كما طعم البهجة والفرح بحضرة الأطفال الصغار البريئة؛ فهم رائعون ومباشرون كباقة ورد، أو كما هو شكل وطعم بوظة بيد طفل. لكم أدهشني أدونيس بانسيابه المتوازن الرائع وهو يجسد حضوره الجميل بيننا، نحن العائلة المكونة من الكبار والمراهقين والصغار، أي الأطفال. كان يضع نفسه بكل موضع من هذا الجمع، وكنت أعرف ماذا كان يدور بخلده من قول المتنبي العظيم:

ليعلم الجمع ممن ضم مجلسنا .. أنني خير من تسعى به قدمُ..

لست بذلك المؤمن العابد لهذا الشاعر الكبير والفيلسوف العربي النافذ قلمه بجسد الثقافة العربية الراكدة، بالأحرى الميتة. لكن والحق يُقال أن الشاعر أدونيس طاقة فذة وغير طبيعية تستطيع تغيير جميع مفاهيمنا عن الحياة والوجود ومعنى ان يحيى الإنسان على هذه الأرض بكرامة كاملة من غير دين لأحد عليه.

الثابت والمتحول بعد أربعين عاما

جرى في معرض الحديث ذكر مؤلف المفكر المغربي محمد عابد الجابري دولة القبيلة ودولة العقيدة؛

قال أدونيس :
ـ “كتبت الثابت والمتحول قبله بستة أعوام”.
قلتُ:
ـ ألهمني الثابت والمتحول الجرأة بالرؤية الحرة لتراثنا العربي والإسلامي.
ـ “هذا هو الهدف الرئيس لهذه المحاولة المضنية؛ أن تعرف حاضرك يجب عليك أن تعرف ماضيك وتراثك، بل حتى أدق تفاصيل ذلك الزمان، وإلا سوف لا تمتلك الأدوات اللازمة لتفكيك تلك المفاهيم الجامدة وبالتالي امتلاك أدوات تغييرها”.

هنا أستعرض كلام أدونيس في محاضرات الإسكندرية التي أقرأها في كتاب صادر عن دار التكوين بدمشق بعنوان “محاضرات الإسكندرية” الطبعة الأولى 2008 وجاء فيها بما يخص الثابت والمتحول بعد أربعين عاما، وكأن يقظة أدونيس الثاقبة في الحوار هي ذاتها المنجزة في النص. يقول أدونيس:

“كتبتُ (الثابت والمتحول) بين اواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين المنصرم. كان المناخ الثقافي العربي يميل بعامة إلى التجديد، وكانت حركات التململ والتثوير مزدهرة، غير أن الصراع كان محتدما وحادا بين القائلين بالتغيير والتجديد، والعاملين على استمرار القديم. وفي حين كان هؤلاء مهيمنين ومتماسكين، خصوصا على الصعيد الديني، كان القائلون بالتجديد متفككين في نظراتهم وممارساتهم إلى درجة العداء والتناقض أحيانا”.

بالتالي كان لأدونيس نظرة إلى مؤلفة الكبير “الثابت والمتحول” أنه لم يفكر حتى بتبديل عنوانه، ولا لغته ولا منهج البحث ولا حتى المفاهيم والنتائج التي وصل إليها بسبب ركود الفكر العربي ومراوحته بمكانة طيلة العقود الأربعة الماضية.

ـ ما هي الأسباب الجوهرية لهذا الركود الفكري والثقافي في العقل العربي؟
الأسباب الواقعية كثيرة، بل وكثيرة جدا. منها ما يتعلق بإدارة السلطات وأنماط الحكم في دولنا ومجتمعاتنا، وهي أنماط حكم متخلفة بمجملها ولا تواكب العصر الحديث الذي بلغته الأمم والشعوب في العالم المتحضر. بكلمة مختصرة نحن نخضع لسلطات دكتاتورية مطلقة في معظم دول العالم العربي. وتقول لي الأسباب “الجوهرية”؟ بالإضافة لهذه الأسباب السياسية المباشرة هنالك سلطة الدين المطلقة، تلك المتأتية من السماء. سلطة النص الواحد المطلق. كيف يمكنني إبداع أي نص شعري يخرج عن النص المطلق؟ تلك هي المشكلة. كُبلت أذرع الفكر والثقافة العربية ورميت في الزنازين عقول مفكرين أفذاذ لأنهم خرجوا عن مفهوم الإله المطلق والنص المطلق الذي هو القران. كل ما يخرج عن نصوص وعن مفاهيم خارج النص القرآني هو خارج عن الإجماع وعن الدين. هذه المفاهيم القمعية الساذجة وأدتْ حركة الفكر الحر الذي يمكن أن يقودنا نحو التطور.  لدينا رجال يعبدون النص أكثر مما يعبدون الله. وإذا قبلنا بحصر المفهوم الإلهي الكبير والشاسع بمساحة النص الأدبي فأن الله سوف لا يرضى بذلك حتما، لأن مفهوم الله غير قابل للحصر حتى في أجمل النصوص البلاغية. أسباب تخلفنا الحضاري يكمن في المؤسسات الدينية التي تحافظ على التخلف الفكري وتحارب الإبداع وحرية الفكر والنشاط الاجتماعي الذي يضر بسلطتها على البشر وجنيها المال بطرق تشرعها لذاتها وتحرمها على البقية من منظمات المجتمع المدني.

هل أنت ملحد؟
مفهوم “الإيمان” أقرب  بالنسبة لي من مفهوم “الإلحاد” على الرغم من طابع المشاكسة الذي أحبذه؛ فأنا أؤمن بالحق وبالجمال والنقاء والمحبة والطهر والضوء والشعر والعلم واللغة، وهذه على العموم صفات ذات طابع قدسي بالنسبة للتفكير الإنساني. الأمر المهم في الواقع هو بماذا نؤمن وليس بماذا نلحد. يتلخص مفهوم “الإلحاد” وفق الفكر الديني السائد بكل كلام يتعارض مع ما جاء في القرآن كنص منزل من السماء.أنا كشخص خلقني الله على شاكلته المتخيلة العظيمة وجعلني خليفته على الأرض كإنسان لماذا لا يمكنني فهم ماهية ربي وأبي كما يشاء الطفل أن يرى ويتفهم حقيقة أبيه. وإذا كان هذا الطفل يستطيع القراءة والكتابة فلماذا نلجمه ونعقله  كما يُعقل البعير؟

مفهوم الإلحاد ورد في قواميس الأديان على أيدي رجال الدين ذاتهم ولم يرد في قوانين الرب. بناة هذه المفاهيم الدينية المحدثة سببت وسوغت سبل القتل والذبح بدون أدلة إلهية، بل بأدلة وضعية، وهذه الحقيقة يعرفها جميع من يرتكب الجرائم باسم السلطة الإلهية والقتل باسم الدين أي كان عنوان هذا الدين.

بالأخير أنا شخص عرفاني، أحترم الذات الإلهية لكنني لا أضع فكري وقلمي بخدمة الأديان المتجهة نحو الخرافات وخداع الناس. يجب علينا التحرر من ربقة رجال الدين الذين يحللون تعدد الزوجات ويضاجعون الفتيات القاصرات على “سنة الله ورسوله”، يجب علينا منع هذه الممارسات الجانحة، بل والمجرمة بحق الفتيات البريئات والقاصرات.

عن بدر شاكر السياب قال أدونيس:
وصلتُ معه إلى درجة الصمت؛ وهي أرقى مراحل الشعر..
يحتفظ أدونيس بذكريات حميمة عن الشاعر العراقي المبدع بدر شاكر السياب، وهو يذكره بكل احترام ومحبة تتعلق بالإبداع وليس بالصداقة السطحية العابرة. وكتب أدونيس شهادته عن السياب في “ها أنت أيها الوقت” الصادر عن دار الاداب ـ بيروت 1993

كتب ما نصه:
“لم يكن الجمهور الذي أصغى إلى بدر شاكر السياب يألف مثل هذا الكلام عن الشعر. فقد فوجئ به، لكنه فوجئ مع ميل غالب إلى الإعجاب.

في عشرة أيام أستطاع بدر شاكر السياب إثارة أفكار جديدة وغنية حول الشعر العربي الحديث، بخاصة، والشعر بعامة، وبما ولده من نشاط أدبي، بحيث تحول مجيئه إلى بيروت، رمزا للوحدة بين شعراء الحداثة العربية في هذا الأفق الذي يفتتحونه للثقافة العربية ـ وللمستقبل.

“منذ لحظة لقائنا ببدر شاكر السياب, شعرنا أننا نكون, بالرغم من تباعدنا الجغرافي, وحدة اتجاه وتطلع. وهكذا زادنا حضوره بيننا ثقةً بما نكتب, ويقيناً بما نقول. وفي أثناء مناقشاتنا, نكتشف كيف أنٌ الحوار بين شعراء مسكونين حقاً بالشعر, يتم كأنه  نوع من تذكر أشياء يعرفونها: لا جدال, لا مماحكة, رغم التباين أحياناً في بعض التفاصيل, لا رغبة في الظهور, لا ادٌعاء– بل تواضع ببصيرةٍ متفتحة لا تقف إلا عند الجوهري, فكأنّ تفاهماً عميقاً كان يجمع بيننا, وكأنٌ حوارنا ليس إلا لمحاً يدل, وإشارة تذكٌر.

حين يكون الشعر الهاجس الكيانيٌ الاول عند الشاعر,- وحين يكون قاعدة النظر, والضوءَ الذي ينيره في مقاربته الأشياء والعالم, يصبح سلوكه نفسه شعراً: تبطل الأشياء الصغيرة– الحسد, والغيرة, والتنافس, ويتحوٌل الشعر إلى ما يشابه السحر الذي يجمع بين الأطراف, ويغمر الحياة بالبراءة والطهر, بل يصبح الشعراء كأنهم شخصٌ واحدٌ بأصواتٍ متعددة. وحين يقول شاعرٌ لأخيه الآخر: لا تعجبني قصيدتك هذه أو تلك, غيّر هنا, عدّل أو احذف هناك, يشعر هذا الآخر كأنه يسمع نفسه, وكأن ما يسمعه يخرج من حنجرته.

عندما أُقارن العلاقة الشعرية التي قامت بيني وبين بدر شاكر السيَّاب, بالعلاقات السائدة بين الشعراء العرب, أتسائل: هل كنٌا في وهّم, أم حلم. هل كنٌا على خطأ, وغيرنا الصواب؟ وأتساءل: هل يمكن الحقود, الكاذب, الصغير النفس أن يكون شاعراً؟ هل الشعر مرتبطٌ جوهرياً بالخلقيّة العالية, ونُبلِ العقل والقلب؟

القصائد التي نشرتها مجلّة ” شعر” لبدر شاكر السيَّاب, قبل صدور مجموعته ” أنشودة المطر”, ليست بين أجمل ما كتبه وحسب, وإنَّما هي أيضاً بين أجمل القصائد في الشعر العربي الحديث. و”النهر والموت”- إحدى هذه القصائد- مفتاحٌ أساسيٌّ بين المفاتيح التي تتيح لنا أن نكشف بعض الخصائص الفارقة في التجربة الشعرية الحديثة, وبخاصة على صعيد اللّغة الشعريّة.

أذكر الآن بدر شاكر السيَّاب- أراه في بيتنا, مع جمعٍ من الاصدقاء, نجلس على كراسٍ صغيرة من القشّ, أو نتقاسم خواناً, أويرتجل بعضنا مقعداً على الارض, كما يتيسَّر, ونرى إليه يقرأ شعره بصوتٍ يطلع من عمقٍ خفيِّ كانَّه يطلع من قصبةٍ بطول التاريخ العربيّ- ونصغي إلى ذلك الآتي من البصرة التي وصفها مؤرِّخٌ عربيٌّ بأنهَّا”قلب الدنيا”- نصغي إليه ينقلها الى قلب الشعر”.

قلتُ:
دهمه الموت مبكرا.
قال أدونيس:
في أي وقت يجيء الموت للإنسان فهو يأتي مبكرا.

تخرج هذه الجملة العفوية من فمه وعقله ببراءة كما رغبة طفل بنيل لعبة محبذة لديه، وهو الذي جاوز الثمانين يحترم كل لحظة من لحظات الحياة الرائعة، ولا يكف عن التأمل والتبصر والقلم لا يفارق أنامله كما لا يفارقها السيكار أيضا. يدون كل فكرة وكل جملة تخطر على باله، ويضمنها بين صفحات دفتر صغير لا يفارق جيب سترته. يكتب رموزا ويؤرخ لحظات عابرة تمر كالنسائم السريعة. يكتب أسماء الأماكن الجديدة التي يراها، وحتى أسماء الأشخاص الجدد الذين يلتقيهم في اللقاءات العابرة أو في بعض السهرات. لم أره يهمل شيئا مهما كان صغيرا ويهتم بالتفاصيل الصغيرة كما الأحداث الكبيرة.

ينهض صباحا، يرتدي ملابسه المعتادة، ويذهب ليتمشى في أرجاء الغابة المجاورة؛ يأخذ جرعة من الهواء النقي ويدون أسم النبات والورود التي يراها للمرة الأولى، وأحيانا يقتني منها بعض الأعشاب التي تنال أهتمامه وأعجابه بمميزاتها الغريبة ككائنات حية لها طرق ذكية للبقاء على قيد الحياة؛ إنه نوع من أنواع الإبداع خلق هذه الألوان الرائعة والأزهار التي ينتهي بها المشوار أخيرا لتصبح ثمارا تحافظ على التكاثر، أليس هذا هو الخلق والإبداع وسط هذا الصمت الجليل؟

أنظر يا علي إلى هذه الحصى، ألا ترى فيها شيئا ما؟ ألا تذكرك بشيء ما؟ وأنظر إلى حبات الحصى المتناثرة على الطريق ولا أفهم جيدا ما يراه فيها أدونيس. ثم يخبرني بعد يتأكد من حيرتي:

هذه الحصى هي بمثابة عيون بالنسبة لي؛ أرها كما العيون. فهي ترانا وتنظر إلينا وتسجل خطانا على أرض هذا الكوكب الرائع. هل تظن أن الطبيعة تهمل أبناءها وهم يمتدحون ظلالها الوارفة وجمالها الكريم؟

سألت بشيء من التردد:
هل يفكر أدونيس بزيارة بغداد بعد زيارته التاريخية إلى أربيل؟
قال أدونيس:
بغداد تعني لي العراق برمته؛ والعراق هو بغداد. ربما يختلف الأمر قليلا هنا أو هناك، لكن لا يمكنني الجدال على بغداد. صيت بغداد كعاصمة عربية مبدعة يسبقني بكثير، أقصد على صعيد الشعر والفكر والتوهج الدائم. بغداد أخذت زمام الأمور في التاريخ لأكثر من مرة. شهدت بغداد في أصعب المراحل نهضة شعرية كبيرة ومجددة في العصر العباسي على يد الشاعر الكبير أبي نؤاس. هو يُعد من كبار المجددين بالشعر العربي. وأعتبر الشاعر عبد الغني معروف الرصافي شاعرا عراقيا بغداديا مجددا بالشعر الحديث من ناحية دور الشعر بتغيير أنماط الحياة الراكدة ونقد السياسة. لذا أحب زيارة بغداد التي هي نبض العراق وقلبه الكبير كما أتخيل. وأتوق إلى زيارة البصرة التي ولد وترعرع فيها صديقي المبدع بدر شاكر السياب.

*مادة مستوحاة من لقاء مع الشاعر الكبير أدونيس في ولاية تكساس ـ هيوستون على هامش ترجمة أشعاره التي صدرت مؤخرا في أمريكا عن جامعة يال العريقة.

 

4 تعليقات

  1. ادونيس مبدع منذ نعومة اظافره
    ادونيس صىاحب رؤيا متجدده للواقع
    قرأ الواقع قراءة مختلفة عما يقرأه الاخرون وله بصمته في الشعر والفكر
    كل الشكر للاديب علي عبد العال على هذا الحوار الرائع

  2. لقد كان اللقاء نافذة ثقافية يطل منها النور الى الانسان الذي هو اثمن رأس مال في الدنيا،أدونيس شاعر وانسان صاحب موقف تقدمي من الحياة وهو الذي اشعل شموع المعرفة في الثقافة العربية لكي تتحرر من اغلال الماضي وافكاره العتيقة التي تقف ضد حركة الانسان والطبيعة وتدور في حلقة مفرغة والعالم ستقدم نحو الفضاء
    ادونيس شعلة الفكر المتحرر الثوري الجديد ضد التخلف الفكري الذي يستعبد اللنسان وخاصة المثقفين والعلماء .تحية ل لعلي عبدالعال على هذه القصيدة الجميلة.

اترك رد